واوفوا بالعهد

, فهي لم تكن شجرة نادرة او مميزة بل شجرة عادية جدا لاتستحق ان يقوم المهندسين بكل هذا الجهد كي يضعوا لها منورا تدخل منه اشعة الشمس .
كان هذا ايضا مالفت نظر المهندس الشاب الذي دخل الى البناية لمقابلة صاحب المبنى كي يعرض عليه صفقة لترميم المبنى القديم وتحسينه وتجديده , ذهب لا اراديا الى الشجرة ونظر اليها مطولا ثم التفت الى الرجل العجوز بجانبها الذي يسقيها بالماء ويعتني بها . سلم عليه وسأله عن الشجرة وعن سر وجودها في المبنى فقال له الرجل :
- هذه ياولدي قصة لا احد يعرفها ولاحاجة لك بها, قل لي ماذا تريد ؟
اجاب الشاب :
- انا هنا لمقابلة صاحب المبنى السيد سعيد بخصوص ترميم البناية , ولكن يبدو لي ان اول مايجب فعله هو التخلص من هذه الشجرة القديمة فهي ستكلف مبالغ كبيرة ولامعنى لوجودها فليست جميلة ولا تناسب الديكورات الحديثة .
اجابه الرجل العجوز :
- اذا كان هذا رأيك فيمكنك الانصراف فلن يوافق مالك البناية على هذا الشرط باي ثمن .
استغرب المهندس وسأل :
- ومن اين لك ان تكون متأكدا هكذا ؟
اجاب الرجل :
- لإني انا صاحب المبنى واقول لك اني لن ادع اي شخص يقتلع هذه الشجرة حتى لو اضطررت لهدم المبنى باكمله .
استغرب المهندس هذا الكلام وقال :
- لولا اني سمعت انك رجل يعرف الله لحسبت انك ممن يعبدون الاشجار والعياذ بالله
ضحك سعيد وقال :
- استغفر الله واتوب اليه , انا اعبد شجرة ؟ لايا ولدي فقد ذهب فكرك بعيدا جدا جدا .
ابتسم المهندس الشاب وقال :
- انت تعرف اني جئت من طريق بعيد وها انت تردني بخفي حنين فاقل ماتفعله لي هو ان تخبرني بقصة هذه الشجرة وسر تعلقك بها بهذا الشكل .
ابتسم سعيد وقال :
- حسنا ستكون اول من احكي له قصتي مع الشجرة والتي تعود الى 30 عاما خلت , كنت وقتها شابا طموحا مثلك وكنت قد بدأت عملي في مجال البناء والمقاولات وبعد عدة صفقات ناجحة اشتريت احدى الشركات التي افلس صاحبها وطبعا ابقيت على الموظفينن الذين يعملون بها , وكان اول مافعلته هو تغيير نظام العمل كي ازيد من فاعلية الانتاج في الشركة فقررت ان اقدم وقت العمل ساعة واحدة وطرحت الامر على الموظفين فوافق الجميع الا الفراش العجوز الذي قال لي بكل قاطعية :
- انا اعتذر ياسيد سعيد ولكني مرتبط بموعد صباح كل يوم واخشى انني لن استطيع ان ابكر في وصولي ساعة كاملة وانت صاحب العمل وهذا باب رزقك وان احببت فيمكنك ان تصرفني ولن احمل لك اي ضغينة .
استغربت من كلامه هذا واصراره على تحدي قراري ولكني ارجأت اتخاذ اي قرار حتى اعلم عن السبب فسألت احد الموظفين عن الموضوع فاخبرني انه يعرف ان الفراش يملك قطعة ارض في ارقى احياء المدينة وانه يذهب من بيته كل يوم الى تلك الارض وبعدها يأتي الى العمل .
كان هذا الكلام بالنسبة لي كالصدمة كيف لفراش متواضع ان يملك قطعة ارض قيمتها بالملايين ؟ ولم لايبيعها ويعيش بثمنها منعما الى اخر عمره ؟
وفي نفس الوقت تحرك طمعي ووجدت فرصة ذهبية للحصول على تلك الارض بثمن مناسب واعتبرتها فرصة العمر للاثراء السريع , وافقت على ان استثني الفراش من الدوام الجديد واخذت اتقرب واتودد اليه بكل ما اوتيت من اساليب , وفي احد الايام عرضت عليه ان اوصله بنفسي الى الارض ولكنه امتنع في بادئ الامر وتحت الحاحي رضخ اخيرا بعد عدة محاولات , ذهبت معه فذهلت عندما شاهدت هذه الارض وهي محاطة بالابراج الفخمة , دخلنا من السور حتى وصلنا الى شجرة فذهب الرجل واخذ سطلا من الماء وسقاها ثم اخبرني باننا نستطيع الذهاب .
ليلتها لم استطع النوم وانا احلم بتلك الارض وقررت اني يجب ان احصل عليها باي شكل او ثمن فهي تمثل افضل فرصة استثمارية في ارقى احياء العاصمة , في الغد فاتحت الرجل في موضوع شراء الارض فأمتنع نهائيا في بادء الامر فقلت له :
- غريب امرك يا اخي , هل تطمع ان يرتفع سعر الارض اكثر من هذا ؟ وكم بقي لك من عمرك ؟ بع الارض واستمتع بثمنها في ايامك الاخيرة بدلا ان تعمل فراشا .
دمعت عينا الرجل وقال :
- اتحسب اني ارفض بيع الارض طمعا في مال اكثر ؟ لا والله فلو اني اردت اي مبلغ لحصلت عليه مقابل تلك الارض وانا رجل تعودت على العيش البسيط ولاحاجة لي بالملايين ولقد حرمني الله بحكمته من نعمة الولد فليس لدي من يرثني من بعدي .
قلت له :
- اذا اخبرني ماقصة هذه الارض ولم ترفض بيعها ؟
قال لي :
- هذه الارض كانت بيتنا القديم الذي عشت فيه انا ووالدتي عندما كانت هذه المنطقة خارج حدود المدينة ولم تكن العقارات فيها تساوي شيئا يذكر وكنت انا يتيم الاب وكانت امي تعمل ليلا ونهارا كي تصرف علي حتى كبرت وصرت اعمل واكسب رزقي, وفي يوم من الايام بلغ المرض بأمي اشده فقالت لي وهي على فراش الموت ياولدي اوصيك بعدي بثلاث اولها ان تطيع الله في ما امر به ونهى عنه وثانيها ان تحسن الى نفسك عبر الاحسان الى غيرك وثالثهما ان تعتني بالشجرة التي زرعتها في حديقة هذا الدار يوم ولدت وان لاتقطعها ولاتهملها , فوعدتها بذلك واسلمت الروح .
ومن يومها وانا اسقي هذه الشجرة كل يوم ولم ارضى ببيع الارض لان من يشتريها يريد ان يزيل كل شيئ ويبنيها ومنها تلك الشجرة وانا وعدت امي وعدا لارجعة لي عنه .
استغربت كلام الرجل وانصرف من عندي وبقيت الليل افكر في الموضوع حتى جائتني فكرة فقلت للرجل في الصباح :
- اخبرني ماذا لو اشتريت منك الارض وقطعت لك عهدا بان تبقى الشجرة في داخل المبنى وان لا اقطعها ابدا وان اعتني بها كل يوم ؟
قال لي :
- ان كان هذا ممكنا فلا مانع عندي وسابيعك الارض بنصف ثمنها الذي تساويه اليوم وساخذ قليلا من المال لحاجتي واتصدق بالباقي للفقراء .
وهكذا كان واشتريت الارض بمبلغ لايحلم به اي شخص وكانت صفقة العمر بالنسبة لي وبدات باعداد الخرائط للمبنى ولكن جميع المهندسين اخبروني بان الاحتفاظ بالشجرة في المبنى عملية مكلفة جدا جدا وتحتاج الى صيانة دورية وتضيع مساحة كبيرة يمكن الاستفادة منها , وفي لحظة لعب الشيطان بعقلي فقلت للمهندس دعك من هذه الشجرة وسنقتلعها واعمل التصاميم بالشكل الانسب .
ذهبت الى البيت فإذا بابنتي الصغيرة تدخل علي وانا منهمك بدراسة التصاميم الجديدة وقالت بدون مقدمة :
- واوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا ( صدق الله العظيم )
ذهلت للحظة وقلت لها :
- ماذا تقولين ؟ واي عهد هذا ؟
قالت ببرائتها الطفولية :
- لا ادري هذه الاية الكريمة هي موضوع في التربية الدينية اعطتنا اياه المعلمة واريدك ان تشرح لي معنى العهد والوفاء به .
بدات اشرح لها معني العهد والوعد واهمية الوفاء به وكيف امر الله عز وجل ان يفي المسلم بعهوده وانه سيكون مسؤولا عنها يوم القيامة, ولكني لم اكمل فقد اجهشت بالبكاء خجلا من نفاقي فانا اشرح لابنتي معنى الوفاء بالعهد بينما نقضت عهدي للرجل العجوز كي اوفر بضعة الاف بينما اعطاني الرجل الارض بسعر اقل بعشرات الالاف عن سعرها الاصلي مقابل وعدي , اتصلت فورا بالمهندس واخبرته ان الشجرة ستبقى مهما كلفني الامر وهكذا كان فبقيت الشجرة هنا من يومها وانا اعتني بها كل يوم وفاء للعهد الذي قطعته لصاحبها .
والان وقد عرفت القصة يمكنك الانصراف بسلام .
ادمعت عين المهندس الشاب وقال :
- لا والله لن انصرف من هنا حتى لو اضطررت ان اصلح هذا المبنى وارممه مجانا ولن اكون اقل منكما وفاء للعهد وشريكا في المعروف .

إنما يتذكر أولوا الالباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق( صدق الله العظيم )