إحــــــذر صحـــبة هــؤلاء

تـُصادِفُ أثناء تـَعَثـُّرِكَ في هذه الحياة أناسا ذوي طبائع شتى ،فمن هذه الطبائع ما تستسيغه وتحبه ،ومنها ما تمقته وترفضه ،ومنها ما تحتمله لاجتماع ما هو مرفوض مع ما هو مستساغ فتقبله على وجل وكراهة ، وقد لا تستطيع ان تعلم طبائعهم وأذواقهم ،ولا ان تتنبأ بتصرفاتهم للوهلة الاولى ،فان الوجوه لا تنبئ احيانا عن حقيقة ما جـُبـِلَ عليه الطبع ،واستقر في الخـُلـُقْ ،فبعضهم قد يكون حسن السمت ،لطيف الملامح حتى إذا خـَبـِرْتـَهُ وعاشرته وجدت في جلده الناعم ذئبا ينهشك ،او ثعلبا يمكر بك ، او قد تنبئك الملامح عن جمود وشدَّة .....فاذا بك تتعامل مع شخص ،لطيف عدل في نفسه ،صادق في قوله وفعله ، أمين في معاملته ، وهكذا تتقلب بك الايام ولابد لك من الناس ولابد لهم منك ،ولكن الوقائع والاحداث ،قد تظهر لك من حقائق الناس ،ما خفي عنك زمنا ليس باليسير ،وقد يكون من حسن طالعك ان يظهر الله تعالى ما خفي في الانفس من الخبث ،اذ قد تستقر دهرا صحبتك مع اناس لا تعلم خفايا انفسهم ،لإحسانك الظن بهم ،ولربما قابلك احدهم بوجه طلق ،حتى اذا غاب عن ناظريك أعمل فيك لسانه ،وبهتك بما ليس فيك ،حسدا او غيرة او بغضا ،لا يهم فالدوافع عند الانفس الخبيثة كثيرة ،ولكلٍ حَرْثٌ هو حارثه ،المهم ان العلاقة التي تقوم على الخداع ،ولا تطمئن فيها الى صديقك ،او خليلك هي في أصلها علاقة ،مزيفة ولا تفضي الا الى النزاع والبغضاء ،وانعدامها خير من انعقادها ،

فمن الناس من هو إمَّعَهْ ...وهو دوما مَعْ....وليس أحدٌ مَعَهْ...إرادته مسلوبة وقراره مرهون بمن يحبه ... او يملك له المنفعه ....،فإذا اراد باطلا وافقه وان اراد حقا َتبعَِهْ .........لا يبذل الا إن رأى سيده باذلا .....وإن ضَنَّ سَيَّدهُ بعطاءٍ َتبعَِهْ ...ولا يعرف المسكين أن اتباعه لهوى سيده خَفضٌْ لنفسه وإزراءٌ بها فهو عند سيده نعل طورا .......وطورٌ قُبَّـــــــعَهْ .

ومن الناس من يعجبك سمته وهدوءهُ ، ويحرص ان لا يملك أحد عليه هفوة تشينهُ........يقول من خير الكلام ويبتدر اللطف فلا تظنن فيه ريبة تدينه ، وقد يكون عابدا مجتهدا او مصلحا يسير في حوائج الناس من غير ما دعوة منهم ، فاذا خبرت اخلاقه وجدته مراوغا متعللا بكل شبهة ،وثعلب يستعمل كل انواع المكر لكي يحرج خصمه ، ثم تراه ذا ميل واجحاف يتلوى ويميل مع رجوح مصالحه بكل وضوح ، ويستفز الخصم حتى يوقعه بالغلط .....حتى اذا وقع ما يريده لبس الحق بالباطل ثم خلط.... وقد نسي ان الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور..... فاذا به يقلب سحره على نفسه فيغدو هو المسحور عندها يعلم القاصي ويعلم الداني ما اخفاه من سوء طويته ، فلا يصدقون ما يرونه من الوان الصلاح وسمت الصالحين الذي يظهر على هيئته ،فقد يتبع سفيها لقرابة فيزري به ويورده المهالك ويكشف ما خبأه من سوأته ،فحيث اراد ان يخفي سوأة اقربائه ،تظْهِرُ سوأته .
ومن الناس من قد تستعبده شهواته ،فيمارسها وهو يظن ان له وزنا عند الجميع ويتزيا بزي الرجال وفي اثوابه ........طفل رضيع .............تدور عيناه ببلاهة اذا رأى ما يعجبه ......... وتغشاه خـــِفـَّة اذا أسْمَعْتـَهُ ما يـُطـْرِبُهْ ..... أحلامه سخيفة لا تتعدى المتاع ..........ويتبعها بخفة وانصياع........حتى إذا وقع في مزلة وانفضح امره ورأى انه قد ضل ........وذاعت في الناس خزاياه وافكه بينهم شاع .....راح يلقي باللوم على غيره ويلومه على ذنب نفسه..........ولا يلوم نفسه ابدا وإن لامها ففي نفسه ت.
ومنهم من هو وضيع ...يتصنع التواضع وهو مجبور عليه ........حتى اذا ملك شيئا من الدنيا انتفخ وانتفش وتاه بين الناس بما يملكه .........وتعاظمت نفسه في نفسه حتى لكأنه يمشي على الماء لخفة مشيته .......حتى اذا ظن نفسه من علية القوم ارتد الى بيئته .......فهو غوغائي في تربيته ........سوقي في حقيقته......جل همه الدنيا وهي التي تمتطيه بدلا من ان يجعلها الى الاخرة مطيته .......ويظن ان الناس يتحدونه .....فيبارزهم ولو كان في مبارزتهم هزيمته ........وان لم يجد من يعبأ به عمد الى المال يتوسل به نصرته .....واجتمع الغوغاء من حوله يصفقون له ويحرضونه وما بهم نصرته ..........وانما اجتماعهم حسدٌ وغـِلٌّ فهم من قبل كانوا عند خصمه يلتفون على مائدته ......فما بالهم اليوم فرسان التذوق يطلبون مودته... من بعد ما القاهم السيل ببابه .........فهؤلاء غثاء وزبد يمضي مع السيل حتى اذا استقر على أطرافه تلاشى وعاد السيل الى طبيعته... .

ومن الناس من لا يعبؤ به ،حتى إذا صار بين الناس لغط أو خصومة ، ابتدر الى اصطناع النصرة الى اقرب الفريقين من نفسه ، وما به أرق من محبتهم ،وانما إدخال نفسه في الخصومة يشعره بأهميته .....وتنكشف خفته وسفاهته ...إن كان من ينحاز اليهم على باطل ظاهر ،عندئذ تعوزه الحجة أن يبين اسباب انحيازه الى الباطل ،فيراوغ في اثبات الحق لمن ينصرهم فلا يستطيع .......عندئذ يُـُظهـِرُ انحيازه من غير حياء .......ويدخل نفسه في امور كان عنها في غـَنَاءْ.