العرب والنازية: عملاء وخصوم

\

منذ خمسين عاماً والمؤرخون يدرسون تاريخ العملاء، أما قصة المعتقلين العرب في المعسكرات الألمانية فلم يرويها أحد بعد
حتى العلماء أنفسهم يشعرون في الوقت الحالي بضرورة الإجابة بوضوح على السؤال التالي: هل كان العرب في شمال أفريقيا في أغلبيتهم عملاء للجيش النازي وقوات الإس إس أم كانوا من المقاومين؟ عندما نلقي نظرة على الصحف المحلية من تلك الفترة نعرف أن ردود الفعل في العالم العربي كانت تشبه في تباينها ردود الفعل في أوروبا. هذه بالطبع حقيقة معروفة للجميع. رغم ذلك يبدو ضرورياً اليوم التأكيد على هذه الحقيقة في مواجهة دراسات تعتبر المعاداة للسامية متأصلة تاريخياً في العالم الإسلامي وسبباً للصراع في الشرق الأوسط، وتنظر إلى العرب باعتبارهم كانوا طوعاً (أو كرهاً) الذراع التنفيذي للنازيين.

أما الأسئلة المتعلقة بعدد هؤلاء المتعاونين، وما إذا كانوا أغلبية أو أقلية، فتبقى حتى اليوم بلا إجابة، لأنه لم يتم بعد العثور على مصادر كافية، ولأن البحث التاريخي ما زال في بدايته تماماً، وبالتالي لا يستطيع أن يقدم إجابات لها صفة العمومية. إننا نعرف من المصادر المتاحة أنه كان بين العرب عملاء مثلما كان هناك أيضاً مَن نشط مِن أجل حماية اليهود.

ولكن، لكي نستطيع أن نصدر حكماً أكيداً حول ردود فعل الفلسطينيين والمصريين في تلك الفترة، فلا بد من توافر أمرين: من ناحيةٍ على المرء ألاّ يكتب التاريخ كتابة معادية للحقائق، على النحو التالي مثلاً: ماذا كان سيحدث لو لم يطرد البريطانيون الألمان من مصر؟ من ناحية أخرى على الباحثين ألاّ يصدروا أحكاماً تستند على مصادر إحادية فحسب، مثل البروباغندا التي كانت تذاع باللغة العربية من راديو برلين.

مصادر عربية كثيرة من سنوات الثلاثينيات والأربعينيات - مثل الصحف اليومية والمجلات الثقافية والرسوم الكاريكاتورية والمذكرات - تؤكد الرفض المدهش في بعد نظره لمعادة السامية الأوروبية واضطهاد اليهود في ألمانيا. تتحدث هذه المصادر عن الهجمات الألمانية على البلدان العربية المجاورة كجزء لا يتجزأ من الحركة الإمبريالية الفاشية التي خبرها العرب بعد صعود نجم موسوليني.

إن تعاون شخص معروف بعدائه للسامية مثل مفتى القدس، الحاج أمين الحسيني، الذي قابل هتلر مباشرة بعد تولي الحزب النازي السلطة في ألمانيا عارضاً عليه دعمه الفاعل، هذا الدور يسلط المؤرخون الضوء عليه منذ نحو خمسين عاماً، أما قصة المعتقلين العرب في المعسكرات الألمانية فلم يرويها أحد بعد. واليوم يصعب على المرء فعل ذلك على نحو خاص. لقد قام المؤرخ غيرهارد هوب بالبحث في مصائر العرب المسلمين في كافة دور الأرشيف تقريباً التابعة لمعسكرات التصفية النازية في ألمانيا. غير أن الموت فاجأه في عام 2003، ولم يعطه فرصة نشر نتائجه.

ومع جمود الوضع في الشرق الأوسط خلال السنوات العشر الأخيرة تعرضت الخبرات العربية (سواء كانت يهودية أو مسلمة!) خلال فترة المحرقة إلى الاستقطاب الحاد. لقد أسس "متحف تاريخ الهولوكوست" في ياد فاشيم قسماً جديداً عن الجاليات اليهودية في شمال أفريقيا لأن مصائرهم لم يتناولها أحد في المعرض حتى الآن. تجنب ياد فاشيم الاستقطاب، وركز جهوده على عرض الأفعال الوحشية التي ارتكبها الأوربيون في شمال أفريقيا.

وعلى طريق البحث عن التاريخ الضائع سار أيضاً روبرت ساتلوف، مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني، فاكتشف حالات أنقذ فيها العرب حياة جيرانهم من اليهود. في عام 2007 اقترح ساتلوف تكريم التونسي خالد عبد الوهاب كأول عربي في ياد فاشيم، وذلك كواحد "من العادلين بين الشعوب".غير أن طلبه رُفض، وبُرر الرفض بأن عبد الوهاب لم يخاطر بحياته عندما استضاف عائلتين يهوديتين صادرت قوات الاحتلال الألمانية منزليهما، لأنه لم ينتهك القوانين التونسية السارية عندما فعل ذلك، إذ أن المخاطرة بالحياة تعتبر أحد الشروط الأساسية للحصول على هذا اللقب الشرفي.

أشعل هذا القرار نقاشاً حامياً بين مورديكاي بالديل، المدير السابق لقسم "العادلون بين الشعوب" في ياد فاشيم، وبين خليفته إيرينا شتاينفلت حول "مبدأ المخاطرة الشخصية". دعا بالديل إلى الاعتراف بعبد الوهاب كـ"عادل" بين الشعوب، لأن بعض الأوربيين تم تكريمهم لمجرد تعرضهم إلى "خطر عقاب محتمل". ولكن حتى اليوم ليس هناك عربي واحد تم تكريمه في ياد فاشيم.

ككل المناطق التي استعمرها الفرنسيون أو فرضوا عليها حمايتهم، بسطَ نظام الفيتشي سيطرته أيضاً على المغرب والجزائر وتونس ابتداءً من عام 1940. وعلى الفور تم هناك استصدار قوانين ولوائح معادية للسامية. للمرة الثانية بدأت حرب أوروبية كبرى تنتشر أمام أعين الأفريقيين الشماليين وأمام بيوتهم. ودخلت ألمانيا في سباق محموم مع إيطاليا حول الأراضي الواقعة في شمال أفريقيا. المؤرخ الإسرائيلي نير أريلي أعاد رسم الخطة التي وضعتها الحكومة الإيطالية في يوليو / أغسطس (تموز / آب) عام 1940 لتقسيم الشرق الأوسط في المستقبل، معتمداً في ذلك على وثيقتين من وثائق الجيش الإيطالي Ufficio Operazione.

وفق تلك الخطة لم يكن الجيش الإيطالي سيمارس سيطرته على مناطق النفوذ "الكلاسيكية"، مثل القرن الأفريقي وليبيا وتشاد، بل أيضاً على الشرق الأوسط؛ وهي خطة كانت ستتعارض تعارضاً واضحاً مع تصورات أدولف هتلر بخصوص المنطقة. لقد حُجبت بالطبع خطط التقسيم هذه عن الحكام المحليين كي لا تقف عائقاً أمام التعاون المحتمل مع المتمردين ضد البريطانيين والفرنسيين.

كان السؤال الذي يواجه حركات الاستقلال هو: إلى أي القوى يجب الانضمام على أمل الحصول على دعم منها؟ في الصراع ضد الفرنسيين كانت كل من إيطاليا وبريطانيا شريكاً محتملاً. كثيرون صدقوا وعود الحلفاء بمنح الحرية والاستقلال للجميع. حتى نهاية الحرب أثبت حزب الوفد المصري ولاءه للشريك البريطاني. أما حركات الاستقلال الأخرى فكانت بدورها تأمل من قوات المحور أن تقوم بطرد قوات الاستعمار البريطانية والفرنسية من المنطقة. وبالطبع كان للنجاحات العسكرية دورها أيضاً في اختيار القوة الأوربية الواعدة بالنصر، مثل التقدم السريع الذي حققه إيرفين رومل في طريقه إلى العلمين. ولكن بالنسبة للحركات القومية فقد ظل نيل الاستقلال الوطني هو الهدف الأول.

الخوف من الحرب

كان البعض يفهم الإيدولوجية الفاشية باعتبارها شكلاً متطرفاً من أشكال القومية، ولهذا كانوا يتعاطفون مع الإيطاليين، غير أن ذلك لا يبوح بشيء عن القناعة التي دفعت المتعاطفين العرب إلى تبني تلك الآراء: ففي حين كان بعض القوميين معادين معاداةً صريحةً للسامية، لم تكن عند البعض الآخر أية شكوك بخصوص الطبيعة العنصرية للفاشية والنازية. لقد انتباهم الفزع لأن دولة متنورة مثل ألمانيا قد انساقت وراء قطيع وحشي من المحاربين، مثلما قال الكاتب المصري أحمد حسن الزيات. لقد قام المؤرخ الإسرائيلي إسرائيل غيرشوني بدراسة عدد من المجلات الثقافية المصرية من سنوات العشرينيات، مثل "الهلال" و"الرسالة"، وكانت النتيجة التي توصل إليها هي أن ملاحقة اليهود في ألمانيا كانت في هاتين المجلتين - وفي وقت مبكر - موضع أشد الانتقادات.

كانت قطاعات أخرى من السكان غير سياسية مطلقاً، كما أن النزر القليل من المعلومات حول الهولوكوست كان يصل إلى السكان في شمال أفريقياً. ومن الممكن أن نقول بكل تأكيد إن كثيرين، وهو ما ينطبق على أعضاء المقاومة في قطاعات أخرى من العالم، لم يكونوا قادرين على تصديق الأخبار الواردة عن مسكرات الإبادة في شرق أوروبا.

كان الهم الأول الذي يشغل الناس في مصر هو ما إذا كان التحول إلى اقتصاد الحرب يعني الانهيار لسعر القطن، مثلما يبين المؤرخ جيمس يانكوفسكي في مقالة لم تنشر حتى الآن. فيما بعد كانوا يخشون أن تورطهم قوات الاحتلال البريطانية في الحرب، إذ أن بريطانيا أخفقت الجهود التي كان يبذلها نواب في البرلمان المصري لإعلان القاهرة "مدينة مفتوحة" مثل مدينة نان جينغ الصينية. ويثبت يانكوفسكي في مقالته أيضاً أن "حركة الإخوان المسلمين التي كانت تمثل خطراً محتملاً بالنسبة للبريطانيين قد اتحدت مع حزب الوفد وأنها تسلك سلوكاً سياسياً هادئاً".

ويقدم يانكوفسكي تقييمه لتقارير موظفي السفارة البريطانية الذين كانوا يجوبون أنحاء مصر بحثاً عن اتجاهات مؤيدة للفاشية بين السكان. وتظهر المصادر التي اعتمد عليها الكاتب "تأييداً غير محدود تقريباً" للتقدم العسكري الذي أحرزته القوات البريطانية والفرنسية عام 1941. وبالتأكيد لم تهون التقارير المكتوبة للسفارة البريطانية في القاهرة من تعاطف الناس مع هتلر (حتى وإن لم يكن من الممكن أن نستبعد تماماً أن يكون المخبرون قد رددوا ما كان يُنتظر منهم أن يقولوه).

وفي عام 1939 كتب جون هاميلتون، نائب رئيس القسم المختص بشؤون الشرق الأوسط في السفارة البريطانية، أن الناس كانوا يحبون الاستماع إلى الإذاعة المصرية الحكومية، أما الإذاعات الأجنبية فلم تكن منتشرة إلا بين نوعية معينة من المستمعين". وبين هؤلاء المستعمين كانت الإذاعة المفضلة هي الإذاعة الإيطالية. ويستشهد يانكوفسكي بما قاله أحد المصريين لهاميلتون بأن "الناس كانوا يغلقون الإذاعة الألمانية بسرعة لأنها كانت تنشر ثرثرة فارغة لا طائل منها".

تأسيس جامعة الدول العربية

قبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها كانت النظم العربية قد أدانت الإبادة العرقية التي قام بها الألمان. وفي غضون الاستعدادات لتأسيس جامعة الدول العربية في عام 1944 أصدرت اللجنة بياناً جاء فيه أن "إبداء الحزن على ما لحق بيهود أوروبا على يد النظم الاستبدادية الأوروبية لهو أمر في صدارة اهتمامنا". "ولكن"، هكذا أضاف البيان، "هذه المسألة لا يجب خلطها بالصهيونية. فليس هناك ظلم أكبر ولا عدوان أعظم من أن يتم حل مشكلة اليهود في أوروبا عبر ارتكاب ظلم آخر، أي بإلحاق ظلم آخر بالعرب الفلسطينيين من مختلفي العقائد والطوائف".

وبالنظر إلى الصراع في الشرق الأوسط فهناك رؤية مغايرة تماماً لهذا التاريخ قد تفرض نفسها، أو كما قال مؤرخ إسرائيلي قبل فترة قصيرة ملخصاً: "إن سياسة مفتي القدس قد انطلقت كرصاصة إلى الخلف، وهي الآن تصيب شعبه؛ لقد راهنوا على الحصان الخاطئ، والآن ضاعت أرضهم."

إن كلاً من العرب والإسرائيليين على حد سواء يستخدمون المحرقة النازية في الوقت الحالي كأداة في الصراع الشرق أوسطي. في أحدث كتاب لهما بعنوان: From Empathy to Denial يبين مائير ليتفاك واستر ويبمان كيف أصبح إنكار المحرقة رداً على ما يُسمى بصناعة المحرقة (فينكلشتاين 2000). وكما جاء في صحيفة "ها آرتس" فإن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قد أرسل في عام 2009 الصورة الشهيرة للقاء هتلر مع المفتي عام 1941 إلى كل أقسام العلاقات العامة في السفارات الإسرائيلية لكي يواجهوا بهذه الصورة "النقد العالمي الموجه ضد مخططات الاستيطان الإسرائيلية".

لأسباب سياسية هناك مبالغة في تصوير "المشاركة العربية" في المحرقة النازية. لا يجب علينا بالطبع أن نغض البصر عن العملاء، غير أننا لن ننصف التاريخ المشترك عندما يتم تصوير الجناة كممثلين للأغلبية العربية، بل وممثلين لكل العرب، وأن يتم في المقابل نسيان الضحايا العرب وكذلك تناسي المقاومة العربية ضد الفاشية والنازية.

سونيا حجازي
(قنطرة )