عبد المنعم الهوني يفتح خزنة أسرار النظام الليبي(3/4)

> هل كان القذافي رئيساً للجنة المركزية لتحرككم؟

- نعم، وكنا نحن نتصرف على انه في هذا الوضع باعتباره صاحب المبادرة الاولى، وكنا نعتبره الاكبر سناً. لكنه قال لاحقاً انه الاصغر. كنا نعتبر انه الاكبر سناً ويأتي بعده محمد المقريف وكان معظم الباقين من مواليد السنة نفسها تقريباً.

في الاسبوع الاخير من آب (اغسطس) جاء القذافي الى طرابلس واتصل بعبدالسلام جلود الذي كانت وحدته متمركزة هناك. فوجئت بهما امام منزلي من دون انذار سابق. دخلا وبدأنا الحديث وقالا لا بد ان نتحرك وستذهب انت الى بنغازي. عقد في منزلي اجتماع لاعضاء اللجنة التنفيذية الموجودين في طرابلس وحدد الشكل النهائي لتنفيذ الحركة العسكرية وتوزيع المسؤوليات والهدف الذي ستسيطر عليه كل وحدة. واتفقنا على ان اكون انا في بنغازي مع معمر. وتقرر ان يسيطر عبدالسلام جلود على الاذاعة ومبنى الاتصالات الهاتفية واللاسلكية. وطلب من الخويلدي الحميدي ان يسيطر على قصر ولي العهد وان يقبض على الرجل ويقتاده الى معسكر التوقيف. كذلك حدد هدف لعمر المحيشي، في حين كانت مهمة مصطفى الخروبي في بنغازي. وكان دور معمر السيطرة على الاذاعة في بنغازي.

ولم يكن عمر المحيشي حاضراً الاجتماع لأنه كان يقدم امتحاناً في كلية الحقوق في بنغازي وكان القروي في اجازة. لهذا كنا في الاجتماع معمر وعبدالسلام وابو بكر يونس والخويلدي الحميدي وأنا. وحين عاد معمر الى بنغازي طلب من عمر المحيشي الرجوع الى طرابلس واذكر انه كان فيها في 30 آب. وكانت مهمتي ان اسيطر على اذاعة بنغازي. اتفقنا في 30 آب واتصلنا ببنغازي على اساس ان ابقى انا في طرابلس لاننا لم نكن على ثقة بأن عمر سيصل في اليوم نفسه، ثم ان مختار كان في اجازة وكان لا بد من وجود شخص مع ضباط المدفعية. كانت وحدة المدفعية مهمة جداً بالنسبة الينا اذ كان المطلوب منها ان تتخذ مواقع في غابة شرق تاجوراء لضرب قاعدة ويلس اذا استخدمت القاعدة ضدنا. طبعاً كان الملك غائباً في زيارة لتركيا وكانت مهمة الخويلدي الحميدي ان يعتقل ولي العهد ويأتي به الى معسكر باب العزيزية الذي حددناه معتقلاً لضباط الجيش والقيادات السياسية في النظام الملكي مع الفصل بين الاثنين.

«الرجل سيتزوج»

في 30 آب - كما قلت - اتصلنا ببنغازي وكان لا بد من التحدث بالرموز. قلنا لهم مثلا ان الرجل سيتزوج وان الرفاق يجب ان يحضروا الفرح واذا تعذر على عمر الحضور فسأحضر انا مكانه. هكذا بقيت في طرابلس وصارت مهمتي انا وعبدالسلام السيطرة على الاذاعة. كنا اتفقنا على ان لا يحصل اي تحرك في طرابلس الا بعد تلقي امر انذار من بنغازي. واتفقنا ايضاً على ان يصدر الامر في الساعة الثانية من فجر اول ايلول (سبتمبر)، وان اكون انا شخصياً امام جهاز الاتصال الذي يتلقى برقيات مكتوبة (تلكس).

في الساعة الثانية توجهت الى مقر جهاز الاتصال في معسكر باب العزيزية واعتقلت الجنديين الموجودين هناك تحت الطابق المخصص لمكاتب رئاسة الاركان. دخلت دخولاً طبيعياً وسألت عن مكان الجهاز وقلت انني اريد ان ارسل برقية الى سلاح الهندسة في بنغازي. ولم يكن بوسع جندي الاعتراض على دخول ضابط فأرشدني الى مكان الجهاز ولم اكن اعرفه فانتزعت سلاحه واعتقلته مع الجنديين. سألوني عن السبب فقلت لهم ان رئاسة الاركان قد تعلن حال الاستنفار.

> انتظرتم البرقية ولم تصل ماذا فعلتم؟

- انتظرت قرب الجهاز حتى الثانية والنصف ولم يصل شيء. اقتدت الجنود واقفلت الباب وتوجهت الى معسكر باب العزيزية من الجهة الثانية. التقيت عبدالسلام جلود وابلغته ان البرقية لم تصل. وأكدت ضرورة ان نتحرك سريعاً حتى من دون البرقية لئلا نخسر كل شيء. كان عبدالسلام جهز الجنود والسيارات. وفي اللحظة التي كنا نصعد فيها الى السيارات وجدنا الخويلدي الحميدي امام المعسكر. سألت الخويلدي: اين ولي العهد فقال: «لم اجده». فقلت: «كيف لم تجده! لقد استطلعنا المكان البارحة».

الحقيقة ان النظام كان بسيطاً وكان في استطاعة مواطن عادي ان يسأل عن ولي العهد وان يطلب مقابلته. دخلت انا والخويلدي الحميدي واستطلعنا وقمنا بجولة حول القصر وحددنا المكان الذي يمكن ان يقفز منه وجلسنا على السور. وقلت له حين تأتي بالسيارة العسكرية لن تحتاج الى من يساعدك على التسلق. كان معنا ابو بكر يونس لكنه لم يكن مكلفاً هذه المهمة.

نفذ الخويلدي ما اتفقنا عليه ودخل باحة القصر فرأى الباب الحديد مقفلا. اطلق النار من رشاشه فتحطم الزجاج ولم ينفتح الباب. هرب حراس القصر واتصلوا بقيادة الشرطة وابلغوها حصول اطلاق نار في مقر ولي العهد الذي اتصل بدوره بقيادة الشرطة. لم يستطع الخويلدي الدخول. جال حول المقر فلم يعثر على حراس، عندها رجح ان لا يكون ولي العهد موجودا وظن انه في قصر ثان، أي قصر الضيافة. بعدها جاء الخويلدي مع الجنود الى باب العزيزية والتقيناه عند الباب. وسألني ماذا نفعل فقلت نذهب لاحتلال الاذاعة باعتبار ذلك هدفاً مهماً. وصلنا فرأينا حراس الاذاعة في حالة استنفار بعد تلقيهم اتصالاً من قيادة الشرطة. نزلنا من السيارات فشهر الحراس اسلحتهم ورد الجنود باطلاق النار فسقط ثلاثة قتلى وجريح. وكان هذا الصدام المسلح الاول في «حركة الفاتح». الصدام الآخر حصل في رئاسة الشرطة المدنية.

اعتقال ولي العهد

نجحنا في احتلال الاذاعة. ووصل عمر الحريري، وكان في كتيبة مدرعات، فركبت في مدرعته واتجهنا الى منزل عبدالعزيز الشلحي الذي كان يفترض ان يعتقله ابو بكر يونس ويأتي به الى باب العزيزية وقد استطلعنا معا منزله. ذهب ابو بكر الى المكان لكنه حاول الدخول بواسطة المدرعة فراح يناور. ايقظ صوت المدرعة الشلحي الذي سارع الى الفرار الى المزرعة الملحقة بمنزله.

الحقيقة ان الخويلدي وابو بكر قاما بخطوة مفيدة، وهي انهما تركا جنودا في المكانين حين تعذر عليهما تحقيق الهدف. وبعد وقت حاول الشلحي العودة الى منزله ولم يتنبه الى وجود الجنود فقبض الرقيب عليه واحضره في سيارة مدنية الى باب العزيزية. لم تكن عملية احضار ولي العهد من مهمة عمر الحريري، ولكن لدى مروره في الطريق قال له الجنود هناك ضوء في قصر ولي العهد. دخل عمر القصر وقبض عليه وجاء به الى باب العزيزية.

> ماذا قال ولي العهد لحظة دخول الحريري؟

- سأله «هل انتم من جماعة الشلحي»؟ لا بد ان اذكر هنا ان الخطة كانت تقضي بأن لا نتحرك من الاذاعة في طرابلس قبل ربطها باذاعة بنغازي، وهكذا بدأنا ببث الاناشيد العسكرية. اتصلنا ببنغازي فرد علينا محمد المقريف، رحمه الله، فأبلغناه السيطرة على الاذاعة وسألناه عن معمر القذافي فقال انه لم يصل. وانتظرنا وصول معمر من الرابعة الى السادسة صباحا. ووصل في حوالي السادسة وكنا ربطنا الاذاعتين بفضل تعاون الفنيين الذين نبهونا الى اهمية السيطرة على مراكز الارسال فارسلنا عسكريين الى تلك النقاط.

معمر يتأخر

> معمر حضر في السادسة؟

- كان المطلوب من معمر ان يتقدم وسط مدينة بنغازي وتحديداً عبر شارع جمال عبدالناصر وكان اسمه شارع الاستقلال. وكان الهدف الايحاء بالسيطرة على المدينة. كانت هناك طريق اقصر للوصول الى الاذاعة وهي طريق البحر وتستغرق المسافة عشر دقائق. لكن الخطة نصت على اجتياز قلب بنغازي في اتجاه معسكر بركة والاذاعة لردع اي مجموعات عسكرية اخرى عن التحرك. نفذ مصطفى الخروبي ومحمد المقريف الخطة ووصلا الى الاذاعة من خلال وسط المدينة.

سألت مرات عدة عن معمر الذي كان يفترض ان يكون اول الواصلين. في السادسة الا عشر دقائق جاء من معسكر قار يونس. البيان الاول كان متفقاً عليه فقد جاء به معمر الى طرابلس وقرأناه واتفقنا عليه لكن نقطة اضيفت اليه لاحقاً وهي المتعلقة بالاجانب. قال معمر انه تنبه الى هذه النقطة وأراد طمأنة الاجانب المقيمين في ليبيا الى ان احداً منهم لن يتعرض لهم. هذه الفقرة اضيفت فعلاً، لكن هل كانت كتابتها تستلزم كل هذا التأخير. أنا سمعت من الضباط انهم عندما انتظروه ولم يأت رجع احدهم الى معسكر قار يونس فوجده مستلقيا على السرير يستمع الى الاناشيد العسكرية وقد وضع رجلا على رجل وكان يكتب هذه الفقرة. في السادسة بدأت الاذاعة بثها العادي بالبيان الرقم واحد.

> هل صحيح ان كلمة السر في الانقلاب كانت القدس؟

- نعم وقد تقرر ذلك في اجتماع سرت. واتفق ايضا على النص المكتوب لأمر التحرك. واصرارنا على ذلك مرده الى رغبتنا في توثيق مجريات الاحداث.

تنسيق مع القاعدة الاميركية

> نجحت الحركة فماذا فعلت؟

- حوالي الخامسة صباحا ذهبت الى السفارة المصرية وأبلغتهم نجاح الحركة، والامر نفسه بالنسبة الى السفارة العراقية. نسيت ان اذكر ان سيارة شرطة عسكرية اميركية من قاعدة ويلس حضرت بعد سيطرتنا على الاذاعة بدقائق معدودة، وعلى رأسها ضابط. وأبلغوني ان الجنود اوقفوا ضابطاً اميركياً. خرجت وسألته عن وجهتهم فقال انهم كانوا في طريقهم الى حي الاندلس لاحضار ضابط زميل حان موعد خدمته. شرحت له ان الجيش سيطر على السلطة وقلت له: ليس مسموحاً لك بالتحرك خارج القاعدة. عد الى قاعدتك وأبلغ قيادتك هذا الكلام.

وقفل الضابط الاميركي عائداً الى قاعدته. بعدها بنحو ساعة اتصل بنا ضباط من سلاح الجو الليبي الذي كان جزء منه يعمل من قاعدة ويلس. وخلال الحركة كانت هناك تعليمات باعتقال اي ضابط برتبة مقدم وفوق فورا وارساله الى معسكر باب العزيزية. اعتقل ضباط من سلاح الجو وكنا نعرف تعاطفهم مع الحركة من دون ان يكونوا اعضاء في التنظيم. طلبنا من هؤلاء الاتصال بالاميركيين وابلاغهم ان القوات المسلحة انهت النظام الملكي وسيطرت على ارجاء البلاد المختلفة وان يطلبوا تشكيل لجنة مشتركة ليبية - اميركية للاتفاق على اي تحرك اميركي سواء داخل القاعدة او خارجها. تجاوب قائد القاعدة وكان كولونيلا اسود، وشكلت لجنة مشتركة. وكان هناك تعاون جيد ولم تحدث اي مشكلة.

> هل تعتقد انه لم تكن هناك اي مساعدة خارجية؟ وهل تعتقد انه لم تكن اي جهة خارجية على علم بحركة الفاتح من سبتمبر؟

- انا سألت اللواء محمد احمد الذي كان سكرتيرا لعبدالناصر: هل طلب منكم عمر الواحدي ان تلتقوا عنصراً من عناصر تنظيم ليبي موجود في القاهرة فنفى. انا كنت في المخابرات وسألت المخابرات العامة المصرية فقالت انها لم تكن على علم. انا اعتقد ان معمر كان الوحيد الذي لديه امكان لايصال معلومات من هذا النوع الى مصر عن طريق المركز الثقافي العربي في طرابلس وكان مديره مصرياً ومن العناصر الناشطة جداً في المخابرات المصرية. وكان مدير المركز الثقافي في بنغازي قوياً ومحترماً وكان معمر يزوره في بيته. وبعد نجاح الحركة ونقل مدير المركز في بنغازي طلبه معمر بالاسم فعاد الى ليبيا وعمل معنا في الاتحاد الاشتراكي.

ورقة التنازل

> هل وقع ولي العهد على ورقة تنازل؟

- اعتقل عمر الحريري ولي العهد وجاء به الى معسكر باب العزيزية وترك اولاده وزوجته في القصر. وبعد زيارتي للسفارتين المصرية والعراقية وابلاغهما ما حدث عدت الى باب العزيزية فوجدت ولي العهد معتقلاً في الغرفة نفسها مع عبدالعزيز الشلحي. وطلب ولي العهد مني ان يكون وحيدا في غرفة وان لا يكون خصوصاً مع الشلحي. وقال انه صلى ركعتين وحمد الله لأن الشلحي لم يكن على رأس الحركة العسكرية لأنه لو كان لاستهدف حياته. قلت له ان في امكاننا فصله عن الشلحي في النوم لكن السجن يضم اربع غرف وصالة جلوس وبالتالي فلا بد من ان يلتقيا خلال النهار.

منذ اليوم الاول كانت زوجة الشلحي معه. لكنها اعيدت لاحقاً الى منزلها. وطلبت من ولي العهد ان يسجل بصوته التنازل عن العرش فقال: هاتوا اي ورقة وانا مستعد للتوقيع عليها ما دام الشلحي ليس على رأس هذه الحركة.

> ألم تصوّبوا المسدس الى رأسه كما تردد؟

- لم يصوب المسدس الى رأسه ولم يُستخدم العنف. لو رفض التنازل ربما كانت استخدمت معه وسائل اخرى، لكنه بدا مستعداً كأنه متطوع. نحن كنا كتبنا صيغة التنازل، وبمجرد ان قال اكتبوا اي شيء وانا مستعد للتوقيع عليه اعطيناه الورقة فوقعها. وأبلغني ان زوجته واولاده لا يزالون في البيت فركبت سيارة ميكروباص وتوجهت الى قصره واصطحبت السيدة حرمه والاولاد والمربيات الاسبانيات وطلبت من زوجته ان تصطحب معها كل ما يخصها من مجوهرات واوراق ووقفنا خارج البيت وكنا نحدثها بواسطة احدى العاملات، ومن وقت الى آخر كانت حرم ولي العهد تكلمني من الطابق العلوي، وهي من اسرة وطنية نكنّ لها احتراماً شديداً. وقلت لها انها اذا كانت تريد نقل الامتعة فنحن على استعداد لمساعدتها. غبت نحو ثلاث ساعات وحين عدت كانت استكملت جمع حوائجها فنقلناها الى منزل والدها وبقيت فيه الى ان خرج ولي العهد الى الاقامة الجبرية فالتحقت به. لقد عوملوا معاملة انسانية واخلاقية.

> هل كان هناك قرار بعدم قتل ولي العهد؟

- كان هناك قرار من اللجنة التنفيذية بعدم اراقة الدماء في الحركة العسكرية. كل الضباط اصروا على ان تكون الحركة بيضاء. كل الذين سقطوا لا يتجاوز عددهم 15 بعضهم بسبب اخطاء.

> هل كان الجيش متعاطفاً لحظة الحركة؟

- قبل ان نشرع في تنفيذ الاهداف جمعنا الجنود وقلنا لهم ان الجيش سيخلص البلاد من النظام القائم وكان التجاوب كبيراً. كان في معسكر باب العزيزية مركز للبحرية الليبية التي لم يكن معنا في التنظيم سوى ضابط واحد منها واسمه سالم ولم يحضر في الساعة المحددة للتحرك. ورفض الضابط المناوب في مركز البحرية الانضمام الى الحركة لكن العسكريين انضموا حين ايقظناهم واعتقلوا الضابط ثم جاء سالم وشارك. وكانت قيادة الشرطة في سيدي عيسى اول من استنفر بعد اتصال ولي العهد. حاولنا اعتقال رجالها، وحصلت مقاومة فأصيب خليفة حنيش في الاشتباك لكنهم استسلموا بعدما ردت القوات عليهم بنيران كثيفة.

معمر يطلق النار

> ماذا كانت رتبكم انت ومعمر لحظة تنفيذ الحركة العسكرية؟

- كنت برتبة نقيب ومعمر برتبة ملازم اول. كنا جميعاً نقباء باستثناء معمر وأبو بكر والمحيشي. كان معمر نقيباً لكن محكمة عسكرية قضت بتأخير ترقيته ثلاثة اشهر بسبب اساءة معاملة عسكري كان في وحدته. كانت في صفوف الضباط الاقدم منا انتقادات لمعمر، وكنا نعتبر ان هذا الكلام يستهدف التنظيم وكنا ندافع عن تصرفات معمر ونعتبرها من مبالغات المثالية.

> لماذا لم يذهب معمر الى الاذاعة كما كان مقرراً؟

- يقول الضباط انهم جمعوا الجنود للانطلاق وان معمر القى خطبة ثم تناول رشاشاً واطلق طلقات عدة فحصلت فورة حماسة كبيرة وصعد الجميع الى السيارات بمن فيهم معمر. وعندما تخرج من معسكر قار يونس يفترض ان تسير نحو اربعة كيلومترات ثم تنعطف يميناً للدخول الى وسط البلد. ويقول الضباط ان معمر انعطف شمالاً بدل الانعطاف الى اليمين ثم تذكر ان عليه ان يمر في وسط بنغازي فرجع للحاق بالقوة فاكتشف انها سبقته. ثم تذكر البيان الذي نسي ان يحمله معه فعاد الى المعسكر. هذا ما يقوله هو. انا يقيني انه اتخذ قرارا بعدم التحرك قبل التأكد من نجاح العملية لئلا يتحمل المسؤولية في حال الفشل.

في اجتماع اوائل آذار (مارس) الذي حضره عدد كبير من ضباط منطقة الشرق نوقش موضوع شكل السلطة بعد نجاح الحركة. وظهر اجماع على نقطة هي ضرورة ان يعود العسكريون الى المعسكرات. وتسليم البلد الى القوى الوحدوية العربية النظيفة، وكان المقصود بذلك اعضاء مجلس النواب وبعض القيادات في الاحزاب. وكان هناك تركيز على جمعية عمر المختار في بنغازي وعناصر حزبية وعناصر من حزب المؤتمر في طرابلس.

كانت هناك حياة برلمانية في ليبيا واتخذت شخصيات كثيرة مواقف ضد القواعد وضد عدوان 1967 وقادت الحركة الشعبية ضد النظام. ويسجل لهؤلاء اننا اتصلنا بهم ولم يفشوا الاسرار واظهروا مستوى عالياً من الاخلاق. اذاً كان القرار تسليم السلطة الى المدنيين.

> هل عارض احد؟

- لم يعارض احد. في اليوم الثاني للاجتماع صعدنا الى سيارة معمر وكان يقودها بنفسه وكان معنا محمد نجم ومصطفى الخروبي ورحنا نناقش عملية التنظيم وهل نعلن قيام حكومة مدنية فور قيام الجمهورية ونشكل رئاسة اركان للجيش ونعود الى المعسكرات ام ننتظر اسبوعاً او عشرة ايام. وكان الاتفاق على ان لا تزيد الفترة اللازمة لتسليم المدنيين السلطة على شهر واحد وان يرجع العسكريون الى وحداتهم.

وكانت الحركة العسكرية منسجمة مع هذا الخط، ومنذ اليوم الاول طرحت فكرة تشكيل حكومة مدنية وتردد اكثر من اسم لرئاستها. واقترح عمر المحيشي اسم محمود المغربي، وكان هذا في السجن وقد تعرف معمر اليه اثناء زيارة للاخوة القوميين العرب وبينهم الضباط الذين فروا الى الجزائر في احداث 1967 مثل ابن طاهر والشارف، وكان بين السجناء شقيق احد الضباط المنضوين في التنظيم. المهم انهم تعرفوا الى المغربي في احدى الزيارات. وقد تشكلت الحكومة في اليوم الثامن لنجاح الحركة.

> اين كان عبدالحميد البكوش آنذاك؟

- كان سفيراً في باريس وجاء الى البلاد واعتقل. اما رئيس الحكومة قبل حركة الفاتح فكان انيس القذافي. اعتقل البكوش مثل كل المسؤولين السابقين، وكان من مؤيدي صفقة التسليح التي كنا نعارضها خوفاً من ان تكون مدخلاً لحصول المسؤولين على عمولات. كان اعداد الضباط يتم بطريقة غريبة. اقاموا دورة لمدة شهرين لتعليم الضباط الانكليزية ثم ارسلوهم لتلقي التعليم بالانكليزية. كيف يمكن ان يستوعب هؤلاء الضباط الذين اوفدوا؟ كانوا يكتبون لنا ويقولون: لا نفهم ماذا يقول الضباط الانكليز خصوصاً ان المصطلحات الفنية والتقنية تحتاج الى امتلاك اللغة. شكوا لقيادة الاركان والمسؤولين لكن الهمّ كان تمرير الصفقة ومرت.

الحكومة الاولى

> متى اجتمعتم بعد حركة الفاتح؟

- اجتمعنا في اليوم الرابع. جاء معمر وآخرون الى طرابلس واتفقنا على اسم محمود المغربي. كان اول اسم طرح اسم علي الفقيه حسن وهو رجل فاضل ووطني وارسلنا في طلبه وتحدثنا معه. خرجنا بانطباع اننا لن نستطيع التعاون معه اولا بسبب فارق السن فهو تجاوز السبعينات وكنا نحن في العشرينات. ثانياً ان الرجل حاسم وعنيف، وآراؤه قاطعة في كل شيء. ثالثاً شعرنا بأن موقفه هو التالي: انتم قدمتم ما عليكم والآن يجب ان تذهبوا وان مهمتكم انتهت بسقوط الملكية. طبعاً ارفق كلامه بالثناء والشكر على ما قمنا به، لكنه كان واضحاً وقاطعاً لجهة اعتقاده ان دورنا انتهى بمجرد سقوط النظام القائم.

اجرينا معه حواراً عاماً فاكتشفنا ان كل الاسماء التي يقترحها هي اسماء من جيله في حين كنا نحن نريد جيل الشباب. كان معمر حاضراً في هذا الاجتماع. امضينا يومين في اجتماعات متواصلة في طرابلس ثم عدنا الى بنغازي وشكلت الوزارة. فكرنا في محمود وبشير المغيربي ثم وجدنا في الدكتور محمود المغربي ضالتنا فهو رجل عروبي وقومي وصاحب خبرة وتاريخ سياسي ورجل عملي، وهو غير حزبي، ولا يرتكز على قبيلة بمعنى ان ليس لديه ما يثير المخاوف من احتمال تفرده بالسلطة. حضر المغربي واتفقنا على الاشخاص. لم يكن يعرف الناس كثيراً لانه لم يكن عاش طويلاً في البلد. طرحنا اسماء فقبل بعضها ورفض بعضها الآخر. وفي النهاية توصلنا الى تشكيلة واعلنت. وكنا نحن اعلنا قيام مجلس قيادة الثورة من الاسماء الـ 12 المعروفة. كنا نحن في الداخل نعتبر معمر رئيساً للمجلس وكان يوقع بهذه الصفة.

في الحكومة اعطيت وزارة الداخلية لموسى احمد ووزارة الدفاع لآدم الحواز. وكنت اعتبر موسى احمد من تنظيم الضباط الاحرار في حين ان آدم الحواز لم تكن له علاقة بالتنظيم، وكان حتى آخر يوم رأيته فيه يصر على انه الأب الروحي للتنظيم. اعتقد انني زرته في السجن اواخر 1973 ووجدته يصر على انه الأب الروحي للتنظيم.

ترقية القذافي الى رتبة عقيد

> من منح القذافي رتبة عقيد؟

- ارفع رتبة بين الضباط الاحرار كانت رتبة مقدم وهي لموسى احمد وكان لا بد من اعتباره من التنظيم على رغم انضمامه الى تنظيم عبدالمطلب عزوز ومكي ابو زيد (الناصريين) لكننا اعتبرناه من الضباط الاحرار لانه لعب دوراً اساسياً في الحركة، إذ تحرك على رأس كتيبته من درنة وسيطر على نقاط حساسة ومهمة تابعة لقوات الشرطة. كان لا بد من ان يمنح معمر رتبة اعلى. اعطي رتبة عقيد وهكذا انتقل دفعة واحدة من ملازم اول الى عقيد. نحن كنا ضد الرتب الكبيرة وكانت الرتبة في الواقع تنظيمية اكثر منها عسكرية، وقررنا ان تكون ارفع رتبة في الجيش رتبة عقيد.

تسليم السلطة الى المدنيين

> كيف كان الجو في الايام الاولى بعد حركة الفاتح؟

- في الايام الاولى كانت فكرة تسليم السلطة الى المدنيين واردة وظلت كذلك في الشهور الثلاثة الاولى. وكان معمر يستخدم هذه الورقة حين نصطدم معه اذ كان يقول: سنسلم السلطة الى المدنيين وسنعود الى المعسكرات. استخدم هذه الورقة كثيراً بغرض تمرير مواقف معينة وقرارات معينة، ولكسب المزيد من الصلاحيات. وتأكد لنا لاحقاً انه لم يكن في وارد تسليم السلطة الى المدنيين.

قدم احد اعضاء مجلس قيادة الثورة وهو محمد نجم اقتراحاً لتوسيع المجلس عن طريق ضم الحكومة اليه لتصبح السلطتان الاشتراعية والتنفيذية سلطة واحدة كمرحلة اولى. قدم محمد نجم اقتراحه واستقال. وللتاريخ يجب ان نقول ان اول من طالب بالديموقراطية واعادة الحياة البرلمانية هو الرائد محمد نجم. وآخر ما فعله كانت محاكمته للتنظيم الذي يتزعمه موسى احمد واصدر على المتهمين بالمشاركة في المحاولة الانقلابية احكاماً مخففة. اعتقل المتهمون في اليوم الذي كان مقرراً ان يقوموا بمحاولتهم، ولو لم يضبطوا لكان هناك احتمال نجاح هذا الانقلاب ذي الاتجاه الناصري. وكانت هذه المحاولة الانقلابية الاولى واعتقل اصحابها في 24 ديسمبر (كانون الأول).

كان هناك اذاً اقتراح بتوسيع مجلس قيادة الثورة. اما الاقتراح الآخر فكان الدعوة الى انتخابات حرة وديموقراطية وكانت امامنا تجربة انتخابات الاتحاد الثلاثي الذي ضم سورية ومصر وليبيا. هكذا ظهر في 1972 اصرار على اجراء انتخابات وان يسمح بحرية الصحافة. لكن كل هذه الاحلام دفنت.