ربيع الجيوش بدل ربيع الشعوب، ودمشق بينهما

يوماً فيوماً، تتكشّف أبعاد جديدة من لعبة «ربيع العرب»، كما تقرَّر أن تكون تسمية عماده، على صفحات الإعلام الغربي وبأقلامه. وهي لعبة يبدو أن واشنطن تحاول احتواءها على خطين: خط الأنظمة الحليفة الساقطة، ونموذجها مصر، وخط الأنظمة العدوة «المارقة»، ونموذجها سوريا.
ففي المجموعة الأولى، كانت تونس، والقاهرة، وكان ثمة مرشحون كثر بعدهما. أنظمة هرمة منخورة، شاخت وتكلست، وباتت عاجزة عن الاستمرار على حالها، كما عن التطور في اتجاه أيّ حال فضلى. فجأةً، ولأسباب قد يكون للتاريخ القريب مجال مسحها وتدقيقها، جاء التغيير. بين جيل الفايسبوك، وأجيال المقهورين تحت وطأة ثروات الاقتصاد الافتراضي لأولاد الكمبيوتر الذهبيين، بين جسد البوعزيزي المتّقد شعلة، وأجساد الإستابليشمانت «الزومبية»، بين نموذج «المقاومة» المنتصرة في لبنان وغزة، ونماذج «الخنوع» المتجسّد إيديولوجيا نظام... حصلت الانتفاضة هناك. لم تكن طبعاً ثورة. لم تكن ثمة أيديولوجيا بديلة جاهزة، ولا إسقاط لكل بنى النظام. ولا حتى طبقة ثائرة تملك أكثرية، أو جهوزية لملء فراغ أحدثته، ولم تكن ربما تتوقعه في هذا الوقت وهذه السرعة. فوراً اندفع عاملان لملء الفراغ المذكور: الإسلاميون والعسكر.

عند هذا الحد، بدا أن واشنطن ـــــ تحت وطأة الحدث المصري وقبله التونسي ـــــ راحت تفكر في عملية «احتواء مزدوج» للزلزالين اللذين ضرباها. من جهة أولى، الرهان على العسكر، ومن جهة ثانية، التعاون مع تركيا، لمحاولة استنساخ نماذج عربية، من «إخوان» إسطنبول، أو «العدالة والتنمية». وبدا واضحاً أنّ الاحتواءين الأميركيين المذكورين، مخطط لهما أن يكونا على سرعتين زمنيتين مختلفتين: الاحتواء عبر العسكر للمدى الراهن والمباشر. والاحتواء الإسلامي للمدى الزمني الأبعد.

هكذا، في خلال أسابيع قليلة، بدأ «ثوار» ميدان التحرير ورفاق البوعزيزي، يحسون بالخيبة. الغنوشي هنا يدشن عودته بعودة الحجاب إلى «صورة» تونس. وهناك القرضاوي يوزّع فتاواه العصرية عن الحداثة وثقافة السماح... في غضون أقل من شهرين، بات واضحاً أن «ربيع الشعوب»، الذي حلم به كثيرون، تحوّل إلى ربيع الجيوش في القاهرة وتونس، وحتى في الدول الأخرى التي لم تعرف غير إرهاصات الربيع. وخلف العسكر، «إسلاميون طيبون» كما تسمّيهم واشنطن، ينتظرون دورهم، وتنتظر هي نجاحهم في امتحانات الاعتماد، تماماً كما كان يفعل نجم الدين أربكان، الأب الروحي للحكم التركي الحالي، في زمن دولة الجيش في أنقرة. إنها لعبة البزّة والعباءة، أو الكاسكيت والعمامة، نجحت أميركياً بين البوسفور والدردنيل، فلماذا لا تجرَّب في مستنقعات ما بين المحيط والخليج؟

في هذا الوقت بالذات، تحرك الوضع في البحرين. وسارع بعضهم إلى الوقوع في الأخطاء، على خلفية الإحساس بأوهام الانتصار. فبدأ غليان الخليج. وهو ما سمح بالحسم هناك عبر ذلك الجسر السعودي. أحس أهل الرياض بالنشوة، ممزوجة برعبهم من الحصار «الفارسي». فيما كانت ليبيا تدخل حالة من الاستنزاف والنزاع، والمغرب ينجح في عملية حوارية تغييرية هادئة. وسط هذا المشهد، ولدت لحظة أميركية ـــــ سعودية، تعتقد بإمكان الإفادة أكثر من الضربة البحرينية. والذهاب أبعد في المواجهة مع إيران... لكن بالواسطة. هكذا، ولد «ربيع دمشق». على مدى أسبوعين، انهمرت الاتصالات السعودية والخليجية الأخرى والتركية وحتى الفرنسية، على السوريين. في الشكل، الرسالة سطحية: كيف نساعدكم على إصلاح النظام. في العمق، الرسالة واضحة: ابتعدوا عن طهران، تحت طائلة نقل الشرارة إليكم. اكسروا الجسر الذي يزعج، ولكم منا كل ما يدهش. أما استمراركم في وصله، فسيدفعنا الى إيصال النار إليكم.
غير أن اللعبة تبدو أكثر دقة وخطراً. ماذا لو لم يقبل السوريون؟ هل تتحرش تركيا بوكر الدبابير الكردي، هي من تستقبل على أرضها، أكبر نسبة من أبناء تلك الأمة المتطلعة إلى وحدتها؟ وبعد انفجار كهذا، ماذا يبقى من «العدالة والتنمية»، وما الذي يمنع عودة الأصيل إلى أصالته، أو أصوليته، بين أوروبا وإسرائيل؟

هكذا تبدو حسابات الجميع في تلك اللعبة القاتلة. غير أن أهم ما فيها لبنانياً، ظهور «ربيع دمشق» بعناوينه الجلية. فبعد اجتماع الشيخ البوطي ـــــ أحد أبرز قادة ذلك الربيع ـــــ في القصر الرئاسي، خرج معدداً مطالب الشق التوأم من «ثورة الأرز»: إعادة المنقبات إلى التدريس حرصاً على تعليم الانفتاح للأجيال الطالعة، إقامة معهد إسلامي، على طريقة «المدارس» الطالبانية، وافتتاح فضائية إسلامية، لمن لم يصله خطاب القرضاوي بعد... كان ثمة حرف ناقص بعد، فتكلم عبد الحليم خدام، كأنه سنونوة الربيع الدمشقي
جان عزيز
(الأخبار)