سورية وحطام المراكب المتعثرة(11)

الحركة التصحيحية عودة إلي الواقع وحكم سورية بالطريقة القديمة مع بقاء حزب البعث واجهة شعارية
حافظ الاسد لم يكن راغبا بالصدام مع سليم حاطوم... وصلاح البيطار رفض التخلص من قصة سني ـ علوي
صقر ابو فخر
في خضم الاضطراب العميم الذي شهدته سورية، ولا سيما بعد استقلالها في سنة 1943، كان نبيل الشويري شاهداً علي بعض جوانب هذا الاضطراب. فهو، منذ يفاعته الأولي، عرف ميشال عفلق كسـاحر وقديس معاً. وتدرج في مدارج السياسة وفي معارج الفكر السياسي علي يديه، وتفتح وعيه علي القومية العربية شبه العلمانية التي صاغها عفلق، ثم تمرد عليه وأسقط هالة القداسة عنه، وانحاز إلي أكرم الحوراني، ثم لم يلبث أن انخرط في التآمر السياسي والانقلابات العسكرية مع سليم حاطوم وبدر جمعة، وحُكم بالإعدام. وقادته مصائره اللاحقة في المنفي البيروتي، والباريسي، إلي إدارة الظهر للسياسة كلها، ثم راح، بهدوء، يعيد النظر في تجربته الشخصية، وأسلم عقله لحقبة من التفكير النقدي الهاديء. ولعل نبيل الشويري كان شبه مرآة عكست البعث نفسه وتجربته العاتية في الاضطراب السياسي والبلبلة الفكرية والتآمر وانقلاب الأحوال والأخطاء القاتلة، فضلاً عن النزوع الرومانسي إلي صوغ مشروع مستقبلي لدولة قوية موهومة.
لم يكن لنبيل الشويري أي شأن مباشر في سلطة البعث التي انبثقت في 8 آذار 1963، ولم يشارك في صنع الأحداث العاصفة التي شهدتها سورية منذ ذلك التاريخ فصاعداً، ولم يكن له أي دور في المصائر التي انتهي إليها البعث بشظاياه الكثيرة، إنما كان شاهداً راصداً لتجربة البعث في سورية، وكان، إلي ذلك، مناضلاً في ذلك الحزب إبان صعوده، ثم راقب بحسرة انحداره وتطايره في جميع الاتجاهات. وهذا الحوار هو خلاصة هذه التجربة. ومهما يكن الأمر، فإن أهمية هذا الحـوار لا تكمن في أنه يؤرخ لحقبة من التاريخ المعاصر لسورية، بل في محاولة إعادة قراءة الأحداث في ضوء التجربة الشخصية.

حركــة 23 شـــباط (فبراير) 1966
وسليم حاطـوم والتجربة اللبنانية

في هذه الأثناء وقعت حركة 23 شباط 1966 التي سبقت هزيمة حزيران (يونيو) 1967. لنتحدث قليلا عن دورك في مناوأة 23 شباط. كيف تروي تلك الأيام؟
كانت حركة 23 شباط 1966 معلنة مثلما كانت حـركة 8 آذار 1963 معلنة أيضاً. لكنني كنت ضد التعاون مع هـذه الحركة. بينما بعض رفاقي كانوا راغبين في التعاون، وعُرض علينا أن نصبح أعضاء في القيادة القطرية المؤقتة. وكنا في مجموعة أبرز من فيها خالد الحكيم وحمود الشوفي ومحمد بصل وأحمد أبو صالح.
أحمد أبو صالح كان معكم؟
نعم، لكنه سار مع الإخوان المسلمين في ما بعد.إنه متقلب وشعبوي لا يستقر علي موقف. هكذا كان وهكذا بقي. ناصري ثم بعثي ثم يساري ثم طائفي ثم مع الإخوان المسلمين. الخلاصة أنهم عرضوا علينا أن ينضم اثنان منا إلي القيادة القطرية.
من الذي قدم هذا العرض؟
صلاح جديد ونور الدين الأتاسي وجميل شيّا وإبراهيم ماخـوس. أنا شخصيا لم يعرض أحد علي أي شأن. رفاقي حاولوا إقناعي بأن نتعاون مع الحكم الجديد وأن نسعي للإصلاح من الداخل. فقلت لهم: لا، لن يخـرج أي شيء إيجابي من هذه الحركة. حركة 8 آذار لم يخرج منها شيء فهل سيخرج من هذا الانقسام شيء مختلف؟ واكتشفت لاحقا أن البعض كان موافقا علي التعاون من خلف ظهرنا مثل خالد الحكيم. وأذكر أن محمود الحكيم، وهو شقيق خالد الحكيم، وكان طبيبا مهما، أرسل شقيقه الصغير خليل الحكيم، وهو صيدلاني، إليّ في النقابة ليحذرني من التعاون مع الحكم الجديد ويطلب مني التشديد علي خالد الحكيم بألاّ يتورط، فالناس تقول إن هذا الانقلاب هو انقلاب العدس، فابتعدوا عنه. أحمد أبو صالح حاول أن يطلع عليّ بالعالي فأكلته . كان يريد أن يأكلني بالصوت العالي فأكلته بصوت أعلي. هو ليس من قماشتي لكنني لا أنكر عليه شجاعته وكرمه وفصاحته في الحديث وخفة دمه حتي أنه يحبب إليك اللهجة الحلبية البلدية عندما يبدأ بالسخرية والتنكيت. في أي حال بقينا في سورية وفي وظائفنا في الاتحاد والنقابات. لا نحن قاومنا الحكم الجديـد ولا هـم تعرضوا لنا. بين 23 شـباط (فبراير) 1966 و9 آذار (مارس) 1966 حدثت مؤامرة عسكرية كان علي رأسـها حمد عبيد الذي كان وزيرا للدفاع، وظن أن من حقه أن يبقي وزيرا للدفاع لا أن يأتي حافظ الأسد بدلاً منه.
كان حمد عبيد وزيرا للدفاع قبل 23 شباط؟
نعم، وتبين أنه كان مؤيداً لانقلاب 1966. هنا تثار الشكوك في كيف أن أقرب الناس إليه، أي جميل شيّا، كان عضوا في القيادة القطرية المؤقتة، لم ينصحه باتخاذ الموقف الصائب. أنا أعتقد أنهم اسـتخدموا حمد عبيد ليكشفوا موقع سليم حاطوم وموقع بدر جمعة في حلب الذي كان مسؤولا عن المخابرات، وكان محسوبا علي أمين الحافظ وهرب إلي الخارج. هذه المؤامرة هي مؤامرة من الحكم الجديد ضد عسكريين معارضين، ومؤامرة من عسكريين معارضين ضد الحكم. فجأة تلقيت مكالمة هاتفية في 8 آذار (مارس) 1966 تطلب مني التوجه إلي منزل خـالد الحكيم لأمر مهم. ذهبت إلي منزل خالد الحكيم في دوما لأجد أحمد أبو صالح قادما من حلب. وفي هذا الاجتماع أخبرنا أحمد أبو صالح بحضور خالد الحكيم أن بدر جمعة التقي في حمص حمد عبيد وأنهما يقودان قوات عسـكرية مستعدة للتحرك ضد السلطة الجـديدة، وأن قيادة المنطقة الوسطي، التي كان مصطفي طلاس علي رأسها ومعه اللواء الخامس المدرع، مستعدون للسير نحو دمشق. عندما سمعت هذا طق عقلي وقلت: غير معقول هذا الكلام ومستحيل. لكن رفاقي أكدوا صحته. فطلبت منهم فرصة لامتحان الوضع. وكنت ومصطفي طلاس أصدقاء قدامي وهو لا يغشني في أسـوأ الأحوال. فطلبت أن أذهب إليه وأتأكد هل هـو معارض للحكم الجديد أم لا؛ فقد شعرت أن هذه الرواية كاذبة. قصاري القول إنني ذهبت برفقة نذير النابلسي إلي حمص بحجة تفقد النقابات. وحين وصولنا إلي حمص عرجت علي مصطفي طـلاس في الثكنة. وفي أثناء اجتماعي معه فهمت من نظراته أنه مطلع علي مؤامرة حمد عبيد وأنه يريـد مني، إذا كنت عالقاً بهذا الفخ، أن أخـرج منها. فهو يعرف أنني علي صلة بجماعة حمد عبيد، وأنني ضد 23 شباط، ولذلك لم يستقبلني إلا بحضور ضابط لا أعرفه، وشرع يمدح أعضاء القيادة الجديدة فرداً فرداً ليفهمني أن موقعه الحقيقي مع 23 شباط.
هل تعتقد أنه أبلغ عن مؤامرة حمد عبيد؟
طبعا. أنا أقـول لك إنها مؤامرة لكشف جماعة حمد عبيد، وهؤلاء اعتقدوا أنهم يهيئون لمؤامرة وهم واقعون في جب المؤامـرة. بعد خروجي من الثكنة اتصلت برفاقي وأخبرتهم أن القصة كلها كاذبة. وفي تلك الليلة أوصلني نذير النابلسي بسيارته إلي منزلي وذهب إلي بيته، واعتقدنا أن القصة انتهت عند هـذا الحد. لكن، في الرابعة صباحا قرع رجال الأمن باب بيتي واقتادوني إلي المعتقل بتهمة مقاومـة حركة 23 شباط 1966. وللحقيقة فإن بدر جمعة كان ضالعا في هذه الحركة. لكن حمد عبيد، ولأنه صديق جميل شيّا، كان مشكوكا فـي ضلوعه فيها. أحمد أبو صالح وخالد الحكيم كانا متآمرين فعلا. أنا نبهت رفاقي وأخرجتهم من اللعبة. وفي النهايـة حوكمنا بتهمة كتم معلومات. أي كتم للمعلومات هـذا، ولم تمـر ساعات الليل علي لقائنا مصطفي طلاس؟ أي كتم للمعلومات والمؤامرة غير واقعية إلا في رأس بدر جمعة؟
لو تتحدث بالتفصيل عن هذه الحادثة؟
عند الفجـر جاء ضابط واقتادني من البيت إلي مقر الشرطة في وزارة الداخلية، ووضعوا القيود في يدي، وعوملت كمجرم وقاتل وهارب ومتآمر. لم أكن أعلم أي شيء بالفعل. وبعد نحو ربع السـاعة أدخلوني علي محمد عيد عشاوي وزير الداخلية، وكان هذا الوزير زميلي في كلية الحقوق ورفيقي في الحزب. وكالعادة، تظاهر بالغضب علي تقييـدهم إياي، وأمرهم بفك القيود وقام مـن خلف مكتبه وصافحني، ووضع لي الكرسي لأجلس عليها. لم أقم بأي ردة فعـل هازئة أو غاضبة. لكنني، في أعماقي، احتقرته. وأثبت بسلوكه، في ما بعد، أنه ليس من أصحاب المبادئ. وهذا الوزير تربي في بيت جلال السيد وهو من عشيرة جلال السيد. قعدت، وأحضروا لي القهوة، فلم أشربها. ولأنه بدوي وابن عشيرة فهو يعرف ما معني عدم شرب القهوة التي يقدمها لضيفه. سألني عن منيف الرزاز ومنصور الأطرش وميشيل عفلق. وهؤلاء اختفوا بعد ساعات مـن قيام انقلاب 23 شباط. وكنت أعرف أين يختفي منصور الأطرش. وعلي الرغم مـن ذلك قلت لوزير الداخلية: أنا لا أعرف أين هو الآن ميشيل عفلق لأنني لم أره منذ سنوات. أمـا منصور الأطرش فأعرف أين هو، وأستطيع أن أذهب لأحضره إليك، وعليك الآن إمـا أن تعيدني إلي بيتي أو أن ترسلني إلي السجن، فأرسلني إلي الشـرطة العسـكرية. وبعد عـدة سـاعات جاءني عبد الكريم الجندي خجلا، ووضع بين يدي مجموعة من الأوراق وقلماً وقال: أكتب الموضـوع برمته. فجاوبته بصوت عـال: عيب عليكم الذي تفعلونه بي. أنا اعتقلت في بيتي في الرابعة فجرا وأهلي لا يعرفون ما القصة، والشرطة تحاصر البيت. لا معلومات لديّ، ولست ضالعا في أي أمر. دعني أتصل بأهلي علي الأقل. فأجابني عبد الكريم الجندي: لا تلمني. المسـألة فـي يد أبو سليمان أكنت تريد الكتابة أو لا تريد، اصطفل . وأبو سليمان كما هو معروف يعني حافـظ الأسـد الذي تم تعيينه وزيرا للدفاع وقائدا للجيش. وعندما هم بالخروج قلت له: خذ الورق فلا حاجة لي به واستعمله لأغراض أخري. فضحك وانصرف.
هل كنت تعرف حافظ الأسد قبل ذلك؟
لم أكن أعرفه. لكنني التقيته مرة واحدة بعد 8 آذار (مارس) 1963. جئته طالبا خدمة شخصية. كان هناك قريب لإحدي صديقات أختي، وهو ضابط في الطيران. وطلبت مني صديقة أختي السعي لتسوية أمره لأنه ملاحـق بإحدي التهم ومختبئ في أحد الأمكنة. كان حافظ الأسد يومها قائدا للطيران برتبة رائد. ولما طلبت مقابلته حدد لي موعدا وقابلته خمس دقائق فقط. وقد استقبلني في مكتبه واقفا، ويبدو أن وقتـه كان ضيقا ولا يريد إضاعته. رويت له قصة هذا الضابط بعدما قدمت نفسي إليه، فقال لي: قل لي من هو هـذا الضابط؟ فقلت: أريد منك وعدا بأن هذا الضابط لن يمسسه أذي، فقال: يا سـيدي وعدناك. فذكرت له اسم الضابط. وعند ذلك هز رأسه وقال لي: اتق شر من أحسنت إليه. كان ضابطا مسرحا أتينا به وسلمناه وظيفة في الطيران المدني، فعاد ليتآمر علينا، ومع ذلك لن نسوّد وجهك مع من وعدتهم بتسوية أمره. وهكذا حُلّت مشكلة قريب صديقة أختي. أعود إلي البداية. اعتقلوني في استراحة الضباط في مدرسة الشرطة العسكرية في بلـدة القابون. كانوا يسمحون لنا باستعمال الهاتف، وفي الصباح يأتي إلينا أحد الرقباء ومعه ورقة وقلم ويسأل كل واحد منا عما يريد أن يتناول في وجبة الغداء.
كأنك في فندق رخيص؟
كنا نطلب الطعام من أي مطعـم حتي إن ابن أختي الصغير الذي كان يسـكن معنا في بيتنا بعد وفـاة أبيه، وكان مولعا بي جدا وله نحو تسع سنوات، أتي به جده، أي والدي، إلي السجن في إحدي الزيارات، فأصر علي البقاء معي، وبالفعل نام عندي. فندق ولكن ممنوع الخروج منه، والغرف مفتوحة بعضها علي بعض. وكان في هذا السجن صلاح البيطار وحمد عبيد وسليمان العلي وجميل حداد وأحمد أبو صالح وخالد الحكيم (الذي سلم نفسه بواسطة حافظ الأسد) وصلاح الضللي ونذير النابلسي. وفي ما بعد جاءنا فهمي العاشوري الذي كان وزيرا للداخلية في عهد صلاح البيطار. وبعد ثلاثة أشهر زارنا وزير الداخلية محمد عيد عشاوي ومعه قائد الشرطة العسكرية. فقد كانوا يعاملوننا علي أساس أننا رفاق وربما نعود إلي التفاهم معا. وعندما عاد حافظ الأسد من مفاوضات سد الفرات في موسكو، جاء إلي السجن واستدعاني أنا وخالد الحكيم وأحمد أبو صالح، وكان معه سليم حاطوم وشريف الشاقي وهو ضابط يساري وبعثي وناجي جميل. فوجئنا بوجود سليم حاطوم وشريف الشاقي. وفي هذا اللقاء ظل ناجي جميل واقفا ومستعدا طوال الوقت مع أنه برتبة مقدم، بينما يحمل شريف الشاقي وسليم حاطوم رتبة رائد. كان سليم حاطوم وشريف الشاقي مرَحين متضاحكين، أما حافظ الأسـد فجلس بكل وقار بعدمـا سلم علينا وحدثنا بلباقة، وحكي لنا تفصيلات عن مفاوضات سـد الفرات وعن الكسب الوطني الكبير الذي تم إنجازه مع الاتحاد السـوفياتي. فجأة قاطع خالـد الحكيم حديث حافظ الأسد قائلا لـه: أبو سليمان، سد الفرات علي عيني ورأسي، لكن السد الـذي بينكم وبين الشعب كيف ستزيلونه؟ لـم تعجب النكتة حافظ الأسـد، لكنه أجابه: ماذا تريد؟ حكم العمال والفلاحين؟ الاتحاد السوفييتي دولة العمال والفلاحين ولكن عندما يُضرِب العمال في المصانع يقمعهم الجيش. والحقيقة أن حافظ الأسد اشتهر بعقله العملي وحركته التصحيحية. حافظ الأسد حزبي قديم جدا ومناضل في الحزب منذ أن كان طالبا حتي أصبح ضابطا. فهو ابن الحزب وتربي في الحزب. وأنا أعتقد أنه لاحظ مبكـرا أن الواقع لا يتغير بالكـلام، بل لكي يتغير الواقع، لا يكفي أن يغير المرء كلامه فقط ويقول أنا صرت تقدمياً، بل يجب أن يكون تقدميا فعلا، وعليه أن يتثقف ويتعلم. المهم أن حافظ الأسد سار في تجربة انقلاب 23 شباط (فبراير) 1966 حتي سنة 1970، وهذه المرحلة كانت مجرد خطابات وعنتريات وإغراق الأسطول السادس بالبحر وطـرد المستعمر بالكلام وقمع الناس بطريقة مروعة، علي طريقة عبد الكريم الجندي والحرس العمالي الذي اخترعوه والذي صار يقتحم أعضاؤه المكاتب لإخراج من فيها من البرجوازيين، تماما كالثورة الثقافية التي حصلت في الصين في عهد ماوتسي تونغ. هذا السلوك ما كان يرضي حافظ الأسـد الذي كان يمتعض منه باستمرار ويوحي للناس بأنه ضد هذه التصرفات. نور الدين الأتاسي لم يكن ميالا إلي هذه الممارسات وكذلك صلاح جديد وإبراهيم ماخوس. هذه التصرفات كانت تأتي من أناس أمثال محمد عيد عشاوي ويوسف زعين وعبد الكريم الجندي.
وسليم حاطوم؟
سليم حاطوم لم يحكم. لكنه كان مشاركا في حركة 23 شباط. ومنذ 8 آذار (مارس) 1963 حتي اغتياله فإن نصف عدد السفالات التي حدثت فـي دمشق إما ارتكبها أو كان مشاركا فيها. وفي أي حـال فإن سليم حاطوم شارك في حركة 23 شباط ثم ندم لأنه كان يأمل في أن يكون جزءا من الحكم، لكنه اكتشف أن الأحداث راحت تتخذ منحي طائفيا، فتضايق كما تضايق إبراهيـم ماخوس الذي ذهب إلي صلاح البيطار قبيل 23 شباط (فبراير) وقال له: دعنا نتخلص مـن أمين الحافظ والطرح الطائفي الذي يطرحه وتفضل أنت للحلول محل أمين الحافظ ونضعك علي رأسنا ونتخلص مـن قصة سني ـ علوي. لكن صلاح البيطـار لم يقبل العرض. نعود إلي حافظ الأسد: عندما يئس من أن يتغير البعثيون ليغيروا الواقع، عاد هو إلي الواقع. أي إذا لم نستطع تغيير الواقع فلنكن واقعيين. الحركة التصحيحية هي عودة إلي الواقع وحكم سورية بالطريقة القديمة المعروفة مع بقاء حزب البعث واجهة من الشعارات والكلام، وكذلك الجبهة الوطنية وأحزابها. علي أن ما أقوله إنما هو تحليل أو مطالعة أو رأي يحتمل الخطأ ولكنه مبني علي مراقبة ومعرفة بالظروف وتطوراتها وبالشخص وبتاريخه. الخلاصة، أننا في ذلك اللقاء في السـجن، وبعد أن تحدث حافظ الأسد وخالد الحكيم تحدث أحمد أبو صالح قائـلا له: يا أبو سليمان نحن متفقون علي أننا ضد أمين الحافظ وصلاح جديد معـا، فلماذا أبعدتم أمين الحافظ وأبقيتم علي صلاح جديد. فانتفض حافظ الأسد فورا وقال له: صلاح جديد ليس عسكريا وليس معه عسكري واحد.
معقول؟
بالفعل. صلاح جديد كان ترك الجيش لحافظ الأسد وانصرف إلي الحزب.
كان أميناً عاماً مساعداً.
نعم، هنا سكت أحمد أبو صالح. وكان فحوي كلام حافظ الأسد انك يا أحمد أبو صالح، إذا كنت تقصد أن أمين الحافظ سني وصلاح جديد علوي فقد وضعنا أمين الحافظ خارجاً لأنه قام بتحريض طائفي داخل الجيش وكانت له جماعة تناصره. أمـا صلاح جديد فلم يرتكب خطأ عسكريا وهو ليس عسكريا في أي حال، لأنه أصبح شـبه مدني وليست لديه جماعة تؤيده. وفـي نهاية اللقاء عاد الأسد إلي هدوئه وقال: يا إخوان لنتحدث بصراحة. أنتم لا تريدون العودة إلي الحزب. فإذا أردتم العودة أهلا وسهلا، وإذا لم ترغبوا في ذلك لنبق أصدقاء، وسنعقد لكم محكمة مؤلفة من خمسة قضاة أكثريتها من جماعتكم مثل سليم حاطوم وشريف الشاقي (ودلّ عليهم باليد) إلاّ إذا كانت لكم شكوك فيهما، وضحك. ثم أضاف اسم عز الدين إدريس المحسوب علي اليسار وأحمد المير، علي أن يكون رئيس المحكمة مصطفي طـلاس. أي أن 3 من 5 أعضاء لـن يحكموا عليكم. إنها محكمة شكلية وستخرجون، قبل ذلك، بكفالة. أي أن المحاكمة ستجري وأنتم طلقاء، وتنتهي القصة بشرط وحيد هو ألا تتسربوا من خلف ظهرنا إلي الثكنات العسكرية. في هذا اللقاء لم أتكلم قط لأنني رفضت مهزلة خالد الحكيم وردات الفعل الطائفية لأحمد أبو صالح. وفي هذه المرة الثانية التي التقي فيها حافظ الأسد وجدته راجح العقل ولا يستطيع الواحد منا التحدث إليه بخفة.

من اصحاب العقل البدوي

اتهمت بتأييد المحاولة الانقلابية التي قادها سليم حاطوم؟
نعم، وسأروي لك قصة سليم حاطوم. كنت من أصحاب العقل البدوي، أي أنني لا أتخلي عن رفاقي حتي مع عدم قناعتي بأفكارهم أو بتصرفاتهم. وعندما وقعت المحاولة الانقلابية التي خطط لها سليم حاطوم اعتبر حافظ الأسد أننا غدرنا به بعدما أخرجنا بكفالة عشرة آلاف ليرة سورية مـن السجن، ولم تعقد المحكمة أصلا. وكان مضي علينا خارج السجن أربعة شهور.
كان منصور الأطرش في هذه الأثناء معتقلا؟
الجميع اعتقلوا. ولكن نحن كنا في القابون وهم في استراحة قائد الجيش.
قصدت أن منصور الأطرش اعتقل بناء علي اعترافاتك.
بناءً علي المعلومات التي أدليت بها عن المكان الذي يختبئ فيه.
هل ترك هذا الشيء نوعا من القطيعة بينكما لاحقا؟
استغرب منصور الأطرش أن أكون اعترفت بسرعة. ولاحقا حينما خرج من السجن والتقينا لم يعاتبني لكنه أخبرني أنهم قالوا له: ابن عمك وصاحبك فرط فورا . فأجابهم: شو هوي لوح شوكولاته يفرط بعد ساعة أو نصف الساعة من اعتقاله؟ . فقلـت له إن حافظ الأسد وجبران مجدلاني جاءا إلي بيته وطلبا من زوجته، أختي، أن تدلهما علي مكان وجوده لأنهما يريدان التحدث إليه، وأن الوضـع كله أهلية بمحلية بينكم وبين الانقلابيين، لا هو وضع نضالي ولا هم يحزنون ولا معني أصلاً للاختفاء!
كم أمضيتم في السجن؟
أربعة أشهر وخرجنا في 10 تموز (يوليو) 1966. وعندما خرجنا علمنا أن الأمور كانت تغلي في داخل الجيش لأن انشقاقاً حقيقياً حدث بين سليم حاطوم والآخرين. كان بدر جمعة ذكياً ونشيطاً ورئيساً لمخابرات الجيش في حلب، فاختفي وراح يدبر مع سليم حاطوم مؤامرة. وفي الوقت نفسه كانت القيادة القومية برئاسة منيف الرزاز ومعه فهد الشاعر تتصل بالضباط الذين لم يرتاحوا لحركة 23 شباط والذين رغبوا في إعادة أمين الحافظ إلي موقعه لأسباب طائفية مغطاة بغلالة واهية مـن شرعية القيادة القومية للحزب. حصل اجتماع بين فهد الشاعر وسليم حاطوم، وراح كل واحد منهما يتحدث عن انقلاب عسكري. وكان وضعهما مكشوفا. فالمخابرات، وعلي رأسها عبد الكريم الجندي، وضعت يدها علي هذا الأمر وبدأت باعتقال الأشخاص واحداً واحداً. حافظ الأسـد لم يكن يرغب في الصدام مع سليم حاطوم، فأظهـر له أن أمره مكشوف. وأنا بنفسي طلبت الاجتماع إلي سليم حاطوم مع خالد الحكيم لنحذره من الثرثرة. فذهبنا إلي حرستا حيث كانت كتيبة المغاوير التي يرئسها سليم حاطوم وهناك قلـت له: يا أخي، الانقلاب نصف نجاحه هو السرية وأنتم الآن مكشوفون. ثم هل لديك قوة تستطيع أن تنفذ بها الانقلاب بعدما كشفت قصتكم؟ ألا تري غضبهم وكيف يتصرفون وماذا حصل مع ناصر سابا فـي التحقيق؟ إن عبد الكريم الجندي يعذب بالكهـرباء. وأضفت: أتينا إليك لنقدم لك اقتراحا مضمونه التالي: إذا كنت لا تريد التوصل إلي تسوية مع جماعة 23 شباط بإمكانك القيام بعصيان فقط. الانقلاب فشل، لكن العصيان ربما يصل إلي نتيجة ولا سيما أننا قادرون علي إسنادكم شعبيا، فلدينا عمال النقل ونحن مستعدون لدفع العمال إلي التظاهر في الشوارع ما يزودكم بقوة للتفاوض وتعديل ميزان السلطة. وأجابني سليم حاطوم بالحرف الواحد: سوف أحمل كتيبتي علي كتفي وأذهب بها إلي السويداء وأقاتل من هناك ولست مستعدا للتفاوض مع جماعة 23 شباط. لم يخطر في بالي أن هناك خطة في رأسه. وتبين، لاحقا، أنه وضع خطة العصيان مع فـرع الحزب في السويداء، وكانوا يتوقعون مجيء صلاح جديد ونور الدين الأتاسي إلي السويداء للزيارة، وعند ذلك يعتقلونهما كرهائن ويتفاوضون مع حافظ الأسد. والمؤسف أنني كنت وخالد الحكـيم ونذير النابلسي خارجين للتو من السـجن، ونقابات العمال تقيم لنا الحفلات في الغوطة. رفيقنا محمد بصل لم يكن فـي السجن، لكنه كان يحضر هذه الحفلات في بعض الأوقات، ومع هذا لم يفكر أي واحد من جماعة سليم حاطوم بأن يحذرنا من تبعات ما يخططون له فنختبئ علي الأقل. كنا نعيش حياتنا اليومية، ونخرج وندخل باعتياد، بينما كان الإخوان يحضرون لحركة 8 أيلول 1966. لهذا اتهمتنا السـلطة بإخفاء المعلومات، فقالوا: لماذا لم تخبروننا بما كان يجري التخطيط له؟ فهل نحن مخابرات لهم؟ وهذه هي قصة كتم المعلومات التي حكموا بها عليّ.
ثم ماذا جري لك في ما بعد؟
لو لم يخبرني معارفي في الحي أن الجيش نزل إلي الشـوارع وهو في حال الاستنفار لما عرفت بحركة 8 أيلول 1966. عند ذلك لم أعد إلي المنزل، وتمكنت من تجهيز بعض الملابس وحاولت السفر إلي بيروت في مهمة للمجلس الملي الارثوذكسي. لكن الطريق إلي بيروت أغلقت علي الفـور. فعدت إلي دمشـق واختبأت فـي أحد المنازل غير المراقبة. في هذه الأثناء فشل العصيان بالطبع، وفـر سليم حاطوم إلي الأردن عبر السويداء، وهرب خالد الحكيم ونذير النابلسي إلي الأردن أيضا ولكن عبر البادية. وبقيت أكثر من أسبوعين مختبئا في دمشق، ووصلتني معلومات عن أن هناك أوامر بألاّ أصل حياً إلي السجن في حال اعتقالي.

الخروج للبنان

كيف خرجت من مخبئك وغادرت إلي لبنان؟
أحـد معارفي من رجال الجمارك أخذني بسيارته إلي جديدة يابوس، وأنزلني في مكان يتسلل منه المهربون. وبعد مسيرة ثلاث ساعات في الجبال وصلت إلي قرية بيادر العدس في لبنان وهناك اعتقلتني دورية من الجيش اللبناني.
لنكمل قصة التآمر.
أنا حتي قيام حركة 8 أيلول 1966 لم أتآمر قط. لكن في المنفي الجديد في بيروت بدأت أتآمر فعلا.
كيف تآمرت ومع من وعلي مَن؟
في البداية طلبت من خالد الحكيم ونذير النابلسي مغادرة الأردن، وهددتهما بقولي إنكما إذا بقيتما في الأردن فسأصدر بيانا أقطع فيه علاقتي بكما واتهمكما اتهامات شـتي، وعليكما أن تأتيا إلي بيروت لنتحدث. جـاء المسـكينان إلي بـيروت وأخبراني أنهما هـربا إلي الأردن لأنهما لم يجدا من يهرِّبهما إلي لبنـان، بل وجدا مـن يهرِّبهما إلي الأردن فقط. وكنت تأكدت أن أوامر صـدرت للحرس العمالي تقـول إنه إذا ألقي القبض علي المطلوبين تحضرونهم إلي السجن. ما عدا ثلاثة يجب ألا يصلوا إلي السجن أحياء هم: سليم حاطوم وخالد الحكيم ونبيل الشويري.
من أصدر هذه الأوامر؟
لا أدري.
ومن هو مصدر معلوماتك؟
عبد العزيز حرويل الذي كان نائبا عن البعث وصديقاً لجلال السيد. وهذا يعني أنه استقي المعلومات من أوساط محمد عيد عشاوي.
فر سليم حاطوم إلي الأردن ومعه بدر جمعة ومصطفي الحاج علي أليس كذلك؟
وطلال أبو عسلي.
حسنا، هل تبين لك أن حـركة 8 أيلول 1966 كانت مجـرد عصيان بقيادة سليم حاطوم أم أن تحريضا خارجيا كان وراء هذا العصيان؟
كان هناك خط مع الأردن، رصدته في ما بعـد، له صلة ببعض الأشخاص من آل الأطرش، وكان همزة الوصل مع سليم حاطوم شخص يدعي صابر المعّاز. وبعد فشل العصيان أقيم معسكر في الأردن لتجميع المتطوعين من جبل العرب.
أين أصبح صابر المعّاز هذا؟
لا أعرف عنه شيئا.
ألم يعد إلي سورية؟
أظن أنه عاد، لأن القصة انتهت بعد حرب 1967.
بعد سنة 1967 قُتِل سليم حاطوم.
نعم. بعد مقتل سليم حاطوم ما عاد هناك خطر علي السـلطة الجديدة. عبد الله الأطرش سجن، ثم جعلوا منه نائبا، وهو حتي الآن يفوز بالنيابة في كل دورة.
في تلك الفترة كان منيف الرزاز لا يزال في دمشق. وقيل أنه حاول من مخبئه أن يعيد تنظيم الحزب. ما صحة هذا الكلام؟
منيف الرزاز كان مشاركاً في عصيان سليم حاطوم مع فهد الشاعر.
مَن مِن القيادة السابقة للحزب كان في دمشق في تلك الأثناء؟
صلاح البيطار كان في السجن معنا. بعد ذلك نقلوه إلي استراحة قائـد الجيش، ثم هرب بعد ذلك هو وشبلي العيسمي.
هل اعتقل أكرم الحوراني؟
لا. أكرم الحوراني لم يستطيعوا اعتقاله.
ميشيل عفلق كان خارج سورية؟
بقي فترة في دمشق ثم هرب إلي الساحل السوري لدي أقرباء زوجته، ثم إلي طرابلس في لبنان وبعد ذلك اختفي في بيروت، ثم غادر إلي البرازيل.
لنتابع قصة تآمرك الذي بدأ من لبنان.
بدأت قصة التآمر بالفعل بعد مجيء خالد الحكيم ونذير النابلسي إلي بيروت من الأردن. تحدثنا مع صلاح البيطار الذي كان وصـل قبلنا إلي بيروت. وأخبرنا خالد الحكـيم ونذير النابلسي إن في الإمكان تجهيز كتيبة في الأردن تكون مهمتها إثارة العصيان وشن حرب العصابات ضد السلطة الجديدة في سورية، وأن سليم حاطوم وبدر جمعة يعتقدان أن بعض القوي فـي الجيش من الممكن الاتفاق معها. أنا، بصراحة، لم أصدق هذا الحديث كثيرا، كان بـدر جمعة ووليد طالب وصلا إلي بيروت. وللعلم فإن وليد طالب كان صديقــــي جداً وهو الذي عرفني إلي بدر جمعة، فظننت أن هناك بالفعل قوي في الجيش تؤيد هذا المسعي، فأقنعت نفسي بالمحاولة. المهم أننا اتفقنا علي أن نذهب أنا وخالد الحكـيم إلي الأردن، ونقنع سليم حاطوم بالسفر إلي باريس علي أن يلحق بنا بدر جمعة ووليد طالب، وهناك نتركهم لينفتح كل واحد منهم علي الآخر ويعرضوا ما لديهم من قوي عسكرية.