عاش الشيخ شزالت

عاش الشيخ شزالت
 عزيز نيسن



الاسم يشبه الاسم والمكان يشبه المكان والإنسان يشبه الإنسان والرجل كأنه الرجل والمرأة كأنها المرأة. إن ما نحكيه حكاية.. فإذا زل لساننا وذكرنا اسمكم فنرجو عفوكم ».. كان يامكان في أحد الأيام رجل في مدينة «بخارى» قلبه أطهر من الماء. عيناه في الأرض.جبينه في السماء.. ولا يتوانى لحظة عن ذكر الله. لا يقدم على سوء.. ولا يخطو خطوتين دون وضوء.. لا يعير انتباها لهراء.. ولا يقطع وقت صلاة.. بلغ الأربعين.. طوال حياته ما حفر أمام إنسان.. وما خلع ثيابه في الحرام. وما كتب حرفا دون معنى في كلام.. كان ملاكا لا ينقصه إلا جناحان.. اعتكف على الدعاء والرجاء وهو يكرر : «اللهم اجعلني أسمو في طريق الحق».. وفي نهاية الليلة الثالثة للدعاء سمع صوتا يدعوه أن يفتش في الأرض عن الشيخ «شزالت » ليهب نفسه له ويكون عبدا من عبيده.

قطع الرجل الجبال والوديان وسار على مدى صيفين وشتاء وفي النهاية وصل مدينة «بغداد ».. كان يسأل من يقابله عن الشيخ «شزالت».. لكن لا أحد كان يعرفه.. ووصل مدينة دمشق ومنها إلى مدينة شيراز لكنه لم يجد مايريد.. صار الرجل عجوزا شعره منسدل على كتفيه ولحيته إلى صدره وعاد من جديد إلى مدينته : «بخارى».. مرت أيام لم يذق فيها زادا ولم يغمض له جفن ولم تعد ركبتاه تقدران على حملة فانهار على جانب النهر.. نظر إلى الماء قائلا لنفسه : «لأجدد وضوئي وأقيم الصلاة ». وبينما كان يتوضأ رأى خيارة تنساب إليه مع تيارالماء..لم يستطع المقاومة.. التقط الخيارة ليسد جوعه.. خيارة كبيرة أكلها على مرتين مضغها وبلعها.. لكنه سرعان ما قال لنفسه : «أكلت خيارة لا أعرف صاحبها.. هذه ثمرة محرمة.. سأبحث عن حقلها ثم سأعرف صاحبها واستسمحه عن الخيارة التي أكلتها.. ونهض بسرعة وسار في عكس التيار فوجد حقل خيار وسأل عن صاحبه وعرف مكانه».


قرع الباب فوجد أصوات شتائم قوية تنبعث من الداخل.. وفتح الباب رجلا تتطاير من وجهه علامات الشر. وسأله : «ماذا تريد يا حمار ؟. فقال : أريد صاحب حقل الخيار».


ودخل الرجل ليجد أربعين غرفة في الدار.. في كل غرفة أربعون من اللصوص والأشرار يلعبون القمار.. كان صاحب حقل الخيار يجلس متربعا يجمع حصته من الرابحين. قال له الرجل مزمجرا : «ماذا تريد يا حمار ؟.. فروى له قصة الخيارة وطلب أن يسامحه فيها.. فقال الرجل : هذا الحقل ليس لي وحدي.. نحن ثلاثة أخوة. رجلان وامرأة. أخي الأصغر يسكن في مدينة تدعى بلخ أما أختي فتسكن في مدينة مروة والخيارة التي أكلتها ليس لي فيها سوى الثلث.. سأسامحك فيه إذا ما خدمت في هذا البيت الذي أديره في القمار عشر سنوات. ثم بعد ذلك اذهب لتحصل على ثلثي السماح من أخي وأختي».

لم يجد الرجل الزاهد مفرا من العمل عشر سنوات في المقمرة حارسا وكانسا وماسحا.. وخلال هذه السنوات تعلم كل ألعاب القمار وحيل الغش ليصبح مقامرا ما عرف التاريخ مثله. وما أن انتهت المدة حتى قال له الرجل : «سامحتك بثلث الخيارة التي أكلتها والآن اذهب إلى أخوي واستسمحهما.. أخذ العنوان وخرج إلى الطريق.. لكن لأنه اعتاد على القمار ما عاد يستطيع الاستغناء عنه. وفي كل مكان ينزل فيه كان يكسب من يلاعبهم. وإذا وقع في طريقه بيت في قرية حوله إلى مقمرة.

وصل إلى البيت الذي يبحث عنه وقرعه ليجد رجلا ثملا يفتح له وسأله : ماذا تريد يا حمار ؟.. وحكى حكايته.. فأخذوه إلى صاحب البيت الذي طلب منه أن يسامحه في ثلث الخيارة. لكن الرجل أصر على أن يخدم في بيته المكون من أربعين غرفة في كل غرفة مشرب لمدة عشر سنوات حتى يسامحه.. وبعد أن انتهت المدة حلل الثلث الثاني من الخيارة التي أكلها في الحرام.. لكنه في المقابل تعلم فنون الشراب وطرد السكارى وأصبح سكيرا لا يوجد له مثيل في العالم.. صار يشرب في وقفة زجاجة وفي جلسة برميلا. وقال له صاحب البيت : سامحتك بثلث خيارتي والآن اذهب إلى أختي وها هو العنوان.


أخذ العنوان وذهب.. ولأنه اعتاد على الخمر والقمار فما عاد يستطيع دونهما صبرا. ولو صادف في طريقه قرية مؤلفة من بيتين حول الأول إلى مقمرة وحول الثاني إلى خمارة..وواصل سيره حتى وصل إلى البيت الثالث.. وما ان طرق الباب حتى وجد إمرأة عارية تفتح له الباب وهي تقول : تفضل يا روحي.. دخل.. كان في الداخل 40 غرفة في كل غرفة نساء عاريات ورجال يحتضونهن مع موسيقى وشراب وغناء. صاحبة البيت عجوز شمطاء صرخت في وجهه : ماذا تريد يا حمار ؟. فحكى لها الحكاية وطلب منها أن تسامحه في ثلث الخيارة الباقي ليستريح ضميره.

قالت له : بيتي هذا بيت دعارة. أديره بعيدا عن الدولة. إذا عملت عندي هنا عشر سنوات سأسامحك بثلث الخيارة. وإلا فلن أسامحك.. وعبثا حاول المقاومة.. وعندما لم يجد مخرجا خدم في البيت عشرة أعوام.. وفي هذه الفترة استقبل الزبائن واشترى واصبح في هذا العمل خبيرا ما عرف التاريخ مثله. وعندما انتهت المدة قبل ثوب المرأة واستأذنها.. فقالت له : سامحتك بثلث الخيارة التي أكلت.. هيا اذهب سهل الله لك الطريق. ليجعل الله التراب ذهبا بين يديك.

ومشى بلاد الله وعرف خلق الله.. قطع ودياناً وجبالاً..سار على مدى صيفين وشتاء.. ثم رأى في صباح أحد الأيام مدينة لا يعرف اسمها. كان ينبعث منها صوت الطبل والزمر.. قال لنفسه : لابد أنه العيد. دخل من باب المدينة ليجد زينة. أعلام وفوانيس.. طبول تقرع. ومزامير تصدح.. كان يسير وأمامه خمسة عازفين. وعلى بعد كل مئة خطوة تذبح الكباش والعجول والجمال والأغنام قرابين.. آلاف الأشخاص على جانبي الطريق احتشدوا وهتفوا بكل قوتهم «عاش الشيخ شزالت » دهش الرجل عندما وجد أشخاصا يلبسون معاطف رسمية يتوجهون إليه ويقبلون قدميه وثوبه ويديه. قال الرجل وهو في ذهول : ما هذا ؟. من هو الشيخ شزالت ؟ انني أبحث عنه منذ سنوات.. قال مقبلو اليدين والثوب والقدمين : «رحماك.. نحن الذين نبحث عن الشيخ شزالت.. تعال لتكون على رأسنا.. قال : لا بد أن في الأمر خطأ.. قالوا «شهرتكم ملأت الأصقاع ». قالوا : «توقفوا. أنا مصاب بعلة ». قالوا : «كلنا مصابون بعلة ».. قال : «لكنني مقامر».. قالوا : «كلنا مقامرون لكن لم يرتق أحد منا لسموك.. لهذا ستكون ملكنا » قال : «لكني أيضا سكير » قالوا : «نحن جميعا نشرب ولكن لا أحد يشرب مثلك ».. قال : «وأنا كذلك.....» قالوا : «أحسن يا سلطاننا.. تفضل بالجلوس على عرشكم».

فهم الرجل أنه أمضى ثلاثين عاما.. كل عشرة في مكان لكي يصل إلى علو «شزالت » وأن الشخص الذي يبحث عنه هو ذاته.. وقد انتظروه سنوات طويلة لكي يتوجوه وسط فرق الموسيقى. ودخل القصر. وجلس على العرش.