فيتوريو أغفر لنا هواننا

، مشهد أول قتلوا به الإبوة فينا، ألاّ وهو مشهد" محمد الدرة" وهو بين أحضان والده يستصرخ فينا الرجولة ، التي أبت إلا السكون والتخاذل والعجز عن تلبية النداء والإستغاثة، وأُصمت الآذان عن السماع، فتجرع الحلق العلقم والمرارة، وتساقطنا كأوراق الياسمين في فصل الخريف، وأصبح اللون الأصفر الجاف لون دماؤنا السارية على ناصية البدن، فلم نعد نملك من حلم الرجولة سوى شذرات من الإستطهار على مذبح الأبوية التي تهاجمنا بنظرات زهراتنا الموجوعة بعجزنا، وتخاطب فينا صمتنا عن ترك محمد يُقتل مستغيثاً.
أما المشهد المصور في الذاكرة، فهو تلك الرضيعة البريئة" إيمان حجو" التي سقطت محتضنة ثدي أمها، تصارع الموت الذي قتل فينا الأمومة، وهز أركانها وزحزحها عن ثباتها الذي سطر صفحات من التاريخ للمرأة الفلسطينية" الأم" التي غرست الحنان بالنضال في نسوة العالم، ولقنت التاريج معالم من الحقيقة.
ولم نتوقف طويلاً أمام الصفحات البيضاء، لأن البياض أمامنا كثير، والدماء لم تجف بعد، لا زالت تغرس فينا نبتة الإصرار والتحدي، وتعلمنا ما لم نتعلمه من مجرات سابرة أمام ناظرينا، وأمام فواجعنا المتواصلة والمتصلة بحلقات الألم، كسلسلة من الصخور النارية تحرقنا عشرات المرات يومياً، فتحرق فينا الأنفس الضعيفة أمام هالات الزمن الذي أنهكنا، وأوهننا، وأبقى لنا الأبدان شاهداً على قهرنا، ومطاردتنا.
إنها اللحظة التي نستجمع فيها عزائم الشدائد، وصلابة الجأش، وما تبقى من حكمة في قعر ما نحمله من أفكار، ونبدأ برسم صورتنا المتحركة بين الثبات والاهتزاز، الصبر والخضوع، لننتصر على إرادتنا إن إستطعنا، ونُهزم الجرح النازف، وندير مفاتيح الصبر لنشرع أبواب صوامعنا مع نسمات فجر مخضب بالدم، والذكرى، ومُعَمد بالصمود في قلاع حراسها دموع.
هي تلك الصورة التي سقطت عن الجدران وتهشمت، وأضحت ركام مبعثر فوق أشلاء الوفاء الذي تضرج بدماء هذا الثابت فوق أرضنا، صادحاً، " هنا ما يستحق التضحية من أجله".
إنه المشهد الثالث الذي اسقط الوفاء من عرش إعتزازنا، واسقط ما كان لنا نتحدث عنه، فترنح صريعاً أمام مقتل "فيتورينو" فأفقدنا الوفاء والمروؤة وما تبقى فينا، فصدمنا ونحن ننظر لأنفسنا بمرآة الزمن.
فلم يعد لنا سوى القول:
وأنت صديقتي العذراء
ما دامت أغانينا
سيوفاً حين نشرعها
وأنت وفية كالقمح
ما دامت أغانينا
سماداً حين نزرعها
سقط القلم من بين إبهامي، وتاهت أفكاري، وتشرذم إستقراري، ومسحت ذاكرتي، فأضحت صفحة بيضاء منقاة من الدنس.
إمتزج اللون الأسود بالأسود، وزعزعت أوصالي بأعاصير الصدمة، أمام السؤال من قتل " فيتورينو" ؟ من قتل فينا الوفاء؟ ومن وأد فينا المروؤة؟
لا إجابة، عجز حتى عن البكاء بحرارة أمام ذاك الجثمان المسجى على عرش الوفاء، ضعفنا وهزلت أرادتنا أمام الحقيقة، ولا زلنا نشعر بالوهن فلا نقوى على الإستقواء والثبات أمام دم لم يجف بعد.
ذاب كثير يحط فوق رؤوسنا المستديرة، وكأنه الشهيد الذي أبكانا، ولم نبكي عليه، جعل القلب يدمع ........ ونردد ألم نقتل صديقنا؟!!
لن نلتقي بعد الأن، ولن نراه يحادث أطفالنا، ولن نسمع منه أقصوصات الحب لغزة. لأنه كان وحده يدرك ويعرف لماذا هو هنا؟ ونحن لم نشعر به، ولم يتداركنا هذا الإحساس لأننا على موعد مع سقوط الوفاء يوماً أمام الإنسان المهاجر من أحضان ربيعه، لاجئاً لحضن ودفء غزة الذي لم يشعر به أو يحسه سواه ولكن............. افتقدناه نحن.
ماذا سيخط القلم؟ وماذا ستكتب الدماء لأجلك؟ وعن اي شيء سنحدث أطفالنا ومستقبلنا؟ ومن اين نستوحي الشجاعة بطلب مغفرتك وغفرانك عن ذنوبنا ومعاصينا، وطامتنا؟
أنحدث عصافير الصباح عن حلم صرعته غزة؟ أم نبتهل بالظلمات أن تغفر لنا معاصينا؟
أنا في تالي زماني صرت رمزاً للهوان
ساء فعلي فغدا يهرب مني من يراني
شاربي طولته أوصلته عيني وذاني
ولقد هندزت قمبازي على الطرز اليماني
غير أن الله قد شقلب مجدي بثواني
ولقد ولى زماني ورماني عن حصاني
ولا أملك من الكلمات سوى القول أنا في تالي زماني، صرت رمزاً للهوان .......... فأغفر لنا " فيتورينو"