البدو يغزون ويدمرون حواضر الأمّة..

يُعتبر التناقض أهم المصادر العملية لمعرفة صحّة منظومة القيم والمواقف المختلفة في حياتنا العملية وإلى حدّ كبير في منظومة مفاهيمنا الفكرية والنظرية. وبما أن الناس ذوّتت قيمها ومفاهيمها لم تعد هنالك حاجة لذكر الموقف النقيض؛ مثلاً لا ضرورة لذكر الكذب كلما ذكرنا الصدق، و/أو الموت كلما ذكرنا الحياة، واليمين كلما ذكرنا اليسار. هذا لا يعني أبداً أن التناقض هو بين النقيضين المحددين فقط؛ حيث يوجد بين الصدق والكذب، الحياة والموت، اليمين واليسار، مواقف وصفات لا نهاية لها، في المستوى النظري على الأقل. لذا تبرز حالات عدة لذكر صفة التناقض أو الموقف الذي يتواجد على مسار رأسَي خطّ التناقض. مثلاً عندما يقول قائل أنا لست رأسمالياً يتوجب عليه أن يحدد موقفه من النظام الطبقي بالقول أنا اشتراكي أو شيوعي؛ أو أنا ضدّ العدوان السعودي على اليمن مع المقاومة اليمنيّة أيّما كانت قيادتها وهكذا، لما في هذه المواقف من وضوح وتكليف، وهو الأهم.

الحواضر العربية

قبل خمسة أعوام تقريباً، انفجر الاحتقان الذي أنتجته سلطات الأنظمة العربية القُطرية النهبوية ضدّ شعوبها في كل من تونس ومصر وسوريا واليمن، (وبصورة أقلّ حدة في البحرين). وتمت عنونته بالربيع العربي والثورات العربية. إلا أن الواقع يشير إلى أن ما يحدث في هذه الأقطار ليس إلا تدميراً ذاتيّاً تقوم به طبقات أفقرتها أنظمتها ماديّاً ومعنويّاً وروحيّاً تقودها قوى ظلامية عميلة ارتهنت لمنظومة من أفكار التخلّف الديني الإسلامي، ووجدت من الأعداء الخارجيين حلفاء طبيعيين لها.

يمكن القول إن ما يحصل في كل من مصر وسوريا محاولة للقضاء على آخر حاضرتين قوميتيّن للأمة في العصر الحديث. الأولى مصر التي كانت حاضرة القومية العربية المدينية في الفترتين الفاطمية والناصريّة؛ والثانية سوريا التي كانت حاضرتها في الفترة الأموية. إضافة إلى مصر وسوريا، شكل العراق الحاضرة القومية المدينية للأمة في العصر العبّاسيّ، وحاول صدام حسين تجديد حاضرتها منذ سبعينيات القرن الماضي (...)، وكانت الجزائر حاضرتها في شمال أفريقيا في فترة ما بعد الاستقلال في ستينات القرن الماضي إلى تسعيناته. تم تدمير العراق بالعدوان عليه عام 1991 واحتلاله عام 2003. وصف محمد حسنين هيكل نتائج عدوان 1991 على العراق بالقول: انتصرت القبيلة على المدينة. وتمّ إيقاف واحتجاز تطور الجزائر وتأثيرها في الإقليم على إثر رفض النظام الحاكم القبول بنتائج انتخابات عام 1992، وفوز الجبهة الإسلامية واندلاع الصراع المسلح بين النظام والجبهة. أما اليمن الذي يسعى نظام آل سعود (وبعض المرتزقة العرب والأجانب) لتدميره، فله في تاريخ ووجدان الأمة مكانة خاصة لأنه أصل العرب، وحاضرته الأكثر تطوراً في تاريخ العرب قبل الإسلام (...)، وحصلت في جنوبه أول تجربة اشتراكية في تاريخ العرب المعاصر (1967- 1990). في العام 1997 التقيت في القاهرة بأشخاص كانوا من اليمن الجنوبي وعند الحديث عن معركة تدمير دولتهم في العام 1990 من قبل نظام الشمال المدعوم سعوديا، قالوا: لم تكن حربا، بل غزوا... سرقوا حتى الملابس عن حبال الغسيل!
ويتصدر مشاهد التدمير قوافل بدو الصحراء القادمين من قطر والسعودية وتركيا بتوكيل "إسرائيلي" أمريكي. وتركيا لا تزال تسلك بعقلية عصابات جدهم عثمان الذي تسلل إلى قبره الجديد في سوريا في العاشر من أيّار الجاري أحمد داوود أوغلو" رئيس وزراء أحفاده الجدد. مثل اللصوص.

الحواضر والدين

هدفت هذه الحواضر إلى بناء دول قوية ذات بعد قومي، وقطاع عام قوي، مع ملامح مدينية علمانية واضحة أحياناً وضبابية أحايين أخرى. عملت قياداتها ونخبها جاهدة لتحييد الدين أو للحدّ من حضوره في حياة هذه الدول وشعوبها. وعندما لم تتمكن من تحييد الدين أو الحدّ من تأثيره، عملت على تعبئته بقيم قومية واجتماعية مثل المقولات التي تؤكد امتزاج العروبة والإسلام (وأبرزها عند ميشيل عفلق، 1910- 1989 وحزب البعث على العموم) وأخلاقية الأديان (وأبرزها عند أنطون سعادة، 1904- 1949 والحزب السوري القومي الاجتماعي على العموم) وعدم تناقض الاشتراكية مع الإسلام (أبرزها عند عبد الناصر، 1918- 1970 والناصريين إلى يومنا الراهن). وتبنت نخبها مفكرين إسلاميين مثل جمال الدين الأفغاني (1838 – 1897)، وعبد الرحمن الكواكبي (1855- 1902)، ومحمد عبده (1849- 1905) دون أن يدركوا تمام الإدراك الخلفية الدينية للمفكرين الثلاثة وخطورتها على العلاقة مع القومية العربية. ودون أي يعوا معنى عضوية الأفغاني في المحفل الماسوني وعلاقة محمد عبده مع المندوب السامي البريطاني. في المقابل لم تحاول هذه القوى العمل من أجل الوحدة الدينية للدول العربية والإسلامية.

كن فهم الظروف المحيطة وأنظمة الحواضر المذكورة ونخبها وموقفها من الدين والأديان والإصلاحيين عمومًا (...). لكننا عندما نعود إلى قراءة ذلك الموقف من خلال مقولة العرب "الأمور بخواتيمها"، وننظر في تداعيات كثافة وتكثيف حضور الدين في الحياة العامة السياسية والاجتماعية والتعليمية والخاصة بين أفراد من نفس الدين أو من دينين مختلفين على شاكلة الإخوان المسلمين وكل من خرج ويخرج من عباءتها من مثل حماس— مع الاحترام لدورها النضالي في فترة ولّت وغابت مع أول قطرة من دماء لاجئي اليرموك— إلى "القاعدة" و"أكناف بيت المقدس" و"أحرار الشام" و"جبهة النصرة"، وطبعتها الحالية وليست الأخيرة "داعش" التي تبدو الأكثر شراسة وخطورة على المجتمعات العربية، فإننا نَجزم قائلين: لقد أخفقت هذه الأنظمة والنخب بالكامل، الأمر الذي شكّل سبباً لإخفاق الحواضر بالكامل. بكلمات أخرى: تكمن الإشكالية في منح الأديان شرعية الحضور في الحياة السياسية العامة، وعدم تحييدها بالكامل خصوصاً في مناهج التربية والتعليم والأخلاق، والأهم، عدم تقديم قراءة وسرديّة عقلانيّة لها تأخذ من التاريخ وتطوره ومن العلوم الإنسانية والاجتماعية المختلفة منطلقاً لهذه القراءة والسرديّة. وكلنا يعرف التاريخ جيداً ومغزاه وامتداداته في الحاضر من عدم مشاركة الإخوان في ثورة عام 1952، ومحاولة اغتيال عبد الناصر بعد سنتين من نجاح الثورة، إلى الصدام المسلح بين الإخوان المسلمين مع الدولة السورية عام 1993، وتحوّل غالبية قوى الإسلام السياسي من "القاعدة" مروراً بـ"أكناف بيت المقدس" حتى "داعش" إلى أدوات (يديرها شيخ أجنبي) لتدمير حواضر الأمة المذكورة.

الدين المتوحشّ: "داعش"

تعتبر"داعش" وأشباهها أكثر الزوّار غير المرغوب بحضورهم في كل منزل وبيت في الوطن العربي (والشعوب التي تُدين بالإسلام) وذلك بفعل وسائل الإعلام المختلفة، ليس فقط لأنها تلعب دوراً مركزياً في تدمير سوريا والعراق ومصر واليمن، بل لأن عنفها وخطابها الغيبي والطائفي باتا يهددان بالتمدد إلى مناطق جغرافية وديموغرافية ومجالات فكرية كنا نعتقد أننا بمنأى عنها. من منا كان يفكر أنها ستصل إلى سوريا، الحاضرة الأكثر علمانية في الوطن العربي؟ ومن كان يفكر أنها ستتمكن من تجنيد فصائل وشباب فلسطينيين لمحاربة أهل بلاد الشام وتدميرها بينما "الأقصى الشريف" و"أرض الرسالات" تحت بساطير "اليهود"؟ من كان يفكّر أنه ستقضي على الفسيفساء القومية الإثنية الدينية الأكثر غِنًى في أعرق بلاد الكون، العراق والشام؟ ومن كان يفكر أنها ستتمكن من جرّ جيش عبد الناصر إلى حرب خاسرة ومدمرة في سيناء؟ (عدا عن تأجيره لعربان الجزيرة لتدمير اليمن). من كان يفكر أنها ستتمكن من خلخلة أسس العيش المشترك- على علّاته- بين جناحي الأمة المسلمين والمسيحيين وسلبهما- والتأكيد على هما- الأمان المعيشي اليومي وحسن الجوار؟ من كان يفكّر أنها ستتمكن من القضاء على العقل والمنطق؟ والأسئلة كثيرة، وهي ليست برسم الجواب التقليدي عنها، بل برسم تجاوزها وإلى الأبد. لقد باتت مسلكيات داعش وأشباهها الإجرامية— من أكل الأكباد وجزّ الرؤوس وحرق الناس أحياء وبيع الناس في أسواق النخاسة— كوابيس تراود الكبار قبل الصغار في المنام. (للتعرف أكثر على فكر وممارسات داعش يمكن العودة إلى كتاب "إدارة التوحش" لـ"أبو البكر ناجي").

ابن تيمية ليس وحده

يكثر الحديث في وسائل الإعلام المختلفة سواء من مؤيدي "داعش" أو منتقديها وأعدائها أنها تتبّع منهج "شيخ الإسلام" ابن تيمية (1263- 1328). وبطبيعة الحال يصبح فقه ابن تيمية مثاراً للحديث بين مؤيد وناقد ورافض، دون معرفته معرفة تؤسس لرفض مفاهيمه وفقهه قبولاً أو نقداً أو رفضاً قاطعاً، ودون الغوص عميقاً في منابع هذه المفاهيم وهذا الفقه. لكن ليس من الإنصاف ربط "داعش" مباشرة بابن تيميّة. خاصة وأن لابن تيمية صفات أخرى تدعونا للإقتداء به مثل مقاومته غزو التتار للشام عام 1303، حين قال: "قتال هؤلاء واجب بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق المسلمين". ولن ننسى محاولاته في الإصلاح الإداري منعاً للفوضى والفساد وهو الذي عاش في فترة تردي العرب- المسلمين وتعرض بلاد الشام للاحتلال التتاري، كما أشرت. لكن، هل ابن تيميّة بريء من الاتهامات الموجهة إليه!؟ بالطبع، لا. لذا يجب قراءته والتعامل معه في سياق أوسع؛ أي في سياق المنابع التي غَرَف منها من حنابلة وغزاليين؛ أتباع الإمام أحمد بن حنبل (780- 855) والإمام أبي حامد الغزالي (1058- 1111)؛ وكذلك سياق من أتوا بعدهما وسلكوا مسالكهما في الفقه والمعاملات أمثال مؤسس الوهابية، مرجعيّة نظام آل سعود، محمد بن عبد الوهاب (1703- 1791) ورشيد رضا (1865- 1935) والباكستاني أبو الأعلى المودودي (1903- 1979)، وعبد الله عزام (1941- 1989)، وهو ذاته السياق الذي أنتج أبو مصعب الزرقاوي (1966- 2006)، وأسامة بن لادن (1957- 2011). ما علاقة المذكورين الثمانية بموضوعنا؟
يعتبر هؤلاء جميعاً من المتشددين فقهياً في المعاملات. ويمكن اعتبار الحنابلة أكثر المذاهب تشدداً في الفقه الإسلامي. وهم الذين شكلوا مرجعيات لمن خلفوهم من المذكورين باستثناء الغزالي، الذي كان شافعياً.

جميعهم أعلوا من شأن النقل على العقل. قال ابن تيمية عن هذا المنهج: "يقال إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دلّ على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول (ص)، [...]". واعتبر العقل غير كاف لفهم الصفات الإلهية والخطاب الديني، وعارض بالتالي منطق العقليين. وعلى هذا النهج سار الثمانية المذكورين أعلاه.

هاجم ابن الغزالي العقل: أي الفلاسفة في كتاب يُعتبر الأهم في علم الكلام الإسلامي "تهافت الفلاسفة" الذي تناول فيه عشرين مسألة في الإلهيات والطبيعيات يأخذ الفلاسفة بها. فبدّعهم في سبع عشرة مسألة وكفرّهم في ثلاثة مسائل وهي: قِدم العالم، بعث الأرواح دون الأجساد، وأهمها- بتقديري على الأقل- هي مسألة أن الله يعرف الكليّات دون الجزئيات (سنعود إلى هذه المسألة عند حديثنا عن ابن رشد). بكلمات أخرى: رفض الغزالي الفكر والنشاط العقليين وأعلى من شأن النقل (دون نقده) كثيراً. عاش الغزالي في فترة الغزو الصليبي لبلاد العرب، لكنه لم يكتب كلمة واحدة ضدّه علماً أنه كتب "400 قِرطاس" كما يقال عنه (سيقول بعض الغزاليين أن شيخهم وفق بين العقل والنقل. لكن هذا غير صحيح برأيي).

كان محمد بن عبد الوهاب حنبليّاً متطرفاً، واعتبر أن الإسلام الصحيح هو الذي وضع أسسه ابن تيميّة. ورفض شرعية الاختلاف في الإسلام بقوله: "من دخل في دعوتنا فله ما لنا وعليه ما علينا ومن لم يدخل معنا فهو كافر حلال الدم والمال". وكان بدوياً جلفاً رفض مظاهر العمران الموروثة، فقام بهدم العديد من المعالم الأثرية الإسلامية في مناطق سلطته في شبه جزيرة العرب. ويمكننا أن نرى في من يأخذون بفقهه عداءهم للعمران والإختلاف، إلى درجة أن آل سعود لم يبقوا على معلم أثري واحد من الإسلام الأول، ولولا معارضة منظمات معمارية أجنبية لهدموا قبر الرسول (كما تداولت وسائل الإعلام مؤخراً) وأتموا تحويل كلّ من مكة والمدينة (مهد الإسلام) إلى غابة إسمنيّة "مدينة سوداء- مدينة بيضاء" كـ"تل أبيب".

اعتبر رشيد رضا الوهابية تجديداً للإسلام "على طريقة الشيخ ابن تيمية (كتاب "الوهابيون والحجاز"، 1926). وكان رضا على علاقات طيبة مع يهود القاهرة في بداية المشروع الصهيوني. وأكد كذلك على عداء الإسلام للقومية العربية.
كان أبو الأعلى المودودي من المحرضين على انسلاخ باكستان عن الوطن الأم، الهند. وبذلك يكون قد أسهم في تقديم خدمة استراتيجية للاستعمار البريطاني في حينه. كان صاحب فكرة "الجامعة الإسلامية" في المدينة في العام 1962. وقد تخرج منها آلاف الطلبة من كل أرجاء العالم الإسلامي وفق المنهج الوهابي. وحرّض أتباعه العرب المسلمين ضد العروبة.
يعتبر عبد الله عزام أبرز مريدي المودودي، ويعتقد أن العلاقة بين القومية العربية والإسلام يجب أن تكون صداميّة، لذا وهو الفلسطيني- الأردني غادر "أرض الرباط" (العربية) ضمن قوافل الـC.I.A —بواسطة أسامة بن لادن— والتي جندت ربوات من شباب المسلمين لتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي، بينما "الأقصى الشريف" لا يزال تحت بساطير الاحتلال.

الذي يقال عن عزّام يمكن قوله عن أبي مصعب الزرقاوي الذي ذهب إلى العراق قبيل الغزو عام 2003 وأسهم إسهاماً كبيراً في خلط المقاومة بالإرهاب.

وكذلك ابن لادن، المقاول الرئيس عند الـC.I.A الذي جند عشرات الآلاف من شباب العرب المسلمين ضمن إطار تنظيم القاعدة الذي فرّخ التنظيم الإرهابي "داعش". و"انقلابه" على أمريكا في وقت لاحق جاء لتوكيله القيام بمهمة جديدة: هي العمل على تدمير الحواضر العربية.

تقديم هذه الرموز للإسلام هو الذي مهّد الدرب للحركات الإسلامية الأكثر رجعيّة ودمويّة في تاريخ الإسلام. ونجمل القول أن جميعهم تعاونوا أو صمتوا تجاه أعداء الأمة الخارجيين (باستثناء ابن تيمية). كما أن جميعهم حيّدوا العقل وحاربوه. وجميعهم ناصبوا الثقافات والحضارات التي سبقت الإسلام العداء كمثل تحطيم تماثيل بوذا في أفغانستان وتدمير شواهد حضارة بلاد الرافدين في العراق. وجميعهم عملوا على تدمير شواهد عمران المسلمين الذين سبقوهم مثل تحطيم أضرحة الصحابة في الجزيرة مثلما فعلوا بتماثيل المعري‒ أحد أبرز رموز العقل عند العرب (973- 1057)، و ابن عربي‒ سلطان العارفين (1165- 1240) في الشام. ليقدّموا لنا إسلاماً بدويّاً عنيفاً منفلت من أيّ عقلٍ وعِقال.

راهنيّة ابن رشد

في بداية هذا المقال أشرت إلى ضرورة ذكر النقائض لتحديد موقفنا وتوضيح ما نريده بدقّة متناهية. وفي هذا السياق نذكر أبو الوليد ابن رشد (1126- 1198) والرشديين عموماً، وهم على النقيض من مدرسة ونهج ابن تيميّة والغزاليين.
بدأ ابن رشد نهجه ناقداً لكل من سبقه من متكلمين وأشاعرة وفلاسفة (والنقد أساس الإبداع)، وتحديدا مسألة تغليب النقل على العقل أو التوفيق بينهما. ووضع الحكمة التي هي العقل أو الفلسفة أساساً لمنهجه في فكره وفلسفته. ونقصد "الحكمة" التي هي المنهج العقلي أو الفلسفة.

قرأ ابن رشد أرسطو (384- 322 ق. م) الذي سبقه بستة عشر قرناً من منطلق نقديّ أيضاً، وشرحه وترجمه. وسرعان ما شقّ طريقاً مستقلاً. ويعتبر أرسطو أول من أعلى شأن المنطق والعقل بين الفلاسفة والمفكرين.
تمكن ابن رشد من استخدام مقولات وأدوات ومناهج من خارج الأديان لفهمها وقام بتطويرها لتواكب الراهن وحوّلها نهجاً لفهم الأديان كافة. لذا استعارها الأوروبيون (المسيحيون) في معركة التنوير التي لم تكن أقلّ قسوة ممّا يجري في بلادنا. وصفت الكنيسة الكاثوليكية ابن رشد بـ"الكلب الكَلِب" وعاقبه دانتي (1265- 1321) بالجحيم.

إن القيمة العليا لابن رشد تكمن في إمكانية استخدام فلسفته خارج وداخل الأديان مع بقائها مستقلة عنها. أضاف ابن رشد "الحكمة" كمصدر جديد من مصادر التشريع (إلى جانب القرآن وما صحّ من السنة عند السنة. أما عند الشيعة والأباضية فالأمر يختلف كثيرا). يقال أنه أراد "التوفيق" بين الدين والفلسفة في "فصل المقال ما بين الشريعة والحكمة من اتصال". إلا أنّني أعتقد أنه أراد الغَلَبة للحكمة، "إن الدين أو الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي، كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته"- كما قال.

أكد ابن رشد على ضرورة التأويل في النصوص (المنهج الذي رفضه الغزاليون) بحيث تخضع للبرهان العقلي ويجري تحليلها بمنطق الملاحظة والتجربة والاستنتاج.

كان ابن رشد معتزليّا وقال بخلق القرآن وليس نزوله أو تنزيله. ولم يقرأ قصصه قراءة حرفية كما هو الحال عند غالبية الفقهاء والمُفسرين. نستدل على ذلك من خلال تعليقه على قصة "عاد وثمود" في ديوان القاضي ابن بندود قائلاً: "والله عاد وثمود ما كانا". وقال أيضاً بِقِدَم العالم.

عرض ابن رشد فلسفته في كتابه "تهافت التهافت" الذي ردّ به على كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة". وكما أشرت سابقاً في هذا المقال أن أهم مسألة في النقاش الذي لا يزال دائراً إلى يومنا الراهن بين أتباع كلاً منهما هي معرفة الله بالكليّات (التي قالها ابن رشد) أو بالكليّات والجزئيات التي قال بها الغزالي وأتباعه. فقد نفى ابن رشد معرفة الله بالجزئيات. ويكون بهذا قد اعتبر نشاط الإنسان وتفكيره الحرّ مستقلاً عن الله. أي أنه، الإنسان، هو العامل الأساس في الحياة بكل حقولها ومستوياتها. أي الإنسان حرّ بما يفعل ويقول ومسئول أيضاً عن أفعاله وأقواله. استعار الغزالي مقولته المذكورة من نظرية "الفيض" (Apoxa) في الأفلوطينية المحدثة.

وقال ابن رشد بالمساواة بين الرجال والنساء بدليل مقولته: "قلت: إن النساء من جهة وأنهن نوع واحد [مع الرجال] في الغاية الإنسانية، فإنهن يشتركن وإياهم [الأفعال الإنسانية] وإن اختلفن عنهم [عن الرجال] بعض الاختلاف [...]". وأضاف أيضا: "[...] فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات وغير ذلك" (مختصر كتاب السياسة لأفلاطون).
وعندما كان قاضياً حارب ابن رشد عسف النظام فأعاد أملاكاً لأصحابها بعد ثمانين سنة من مصادرتها منهم.
هذا هو ابن رشد، لذا نريده بديلا عن ابن تيميّة والغزاليين. ونريده أيضاً في إطار القومية العربية التقدميّة.

أحمد الأشقر