كيف صِرنا بشرا

عندما نتأمل إنجازات نوع الإنسان العاقل Homo sapiens وقدراته الإدراكية غير العادية، فمن المؤكد أنه يصعب علينا تجنب انطباع أولي أنه كان هناك بالضرورة، بشكل ما، عنصر من الحتمية في العملية التي أصبحنا من خلالها على الصورة التي نحن عليها الآن. ومن السهل أن نستنتج أن الحصيلة كانت رائعة لدرجة أنه يجب أن تمثّل تعبيرا نهائيا عن عملية ممتدة ومتدرجة من التقدّم والتحسين. كيف يمكن أن نكون قد أصبحنا هكذا بالمصادفة؟ لو أننا توصلنا إلى المنزلة الرفيعة التي نحن عليها عن طريق التطور، فإن هذا التطور لا بد أنّه كان عملية شاقة وطويلة الأمد استهدفت صقل السلالة وتحسينها، أليس كذلك؟ ومع هذا، لا يبدو أن التطور يعمل بهذا الأسلوب؛ لأن الانتقاء (الانتخاب) الطبيعي ليس ـ ولا يمكنه أن يكون ـ في حد ذاته عملية خلاّقة. إن الانتقاء الطبيعي يمكنه أن يعمل فقط على تعزيز أو حذف المستجدات التي تُحْدثها التغيرات الجينية العشوائية التي تقف وراء جميع الابتكارات البيولوجية (إن هذه التغيرات الجينية العشوائية تتأثر بالطبع بما كان هناك من قبل). وأحسن ما يوصف به التطور أنه عملية انتهازية، فهو ببساطة يستغل أو يرفض الإمكانيات عندما تظهر؛ وعليه فقد تكون الإمكانية نفسها مواتية أو غير مواتية. ويتوقف هذا على ظروف البيئة (بأوسع تعريف لها) في لحظة ما. وليس هناك شيء موجّه بشكل فِطري ولا حتمي بالنسبة لهذه العملية التي يمكنها أن تعكس نفسها بسرعة وخِفة في أي وقت تتغير فيه البيئة المتقلبة.

وفي الحقيقة، كما سنرى بعد قليل، إن أهم درس يمكن أن نستخلصه مما نعرفه عن أصلنا يقتضي فهم المعنى المراد من المصطلح «تكيُّف مُسبَق» exaptation الذي تزايد استعماله أخيرا. وهذا لفظ مفيد للتعبير عن الخصائص التي تظهر في سياقٍ ما قبل أن تُستغل في سياق آخر؛ أو عن العملية التي يتم بها تبني مثل هذه المستجدات في الجماعات. والمثال الكلاسيكي للتكيّف المسبق الذي يتحول إلى تكيف عادي هو ريش الطيور. فهذه البنى (الريش) أساسية في الوقت الحاضر لوظيفة الطيران عند الطيور، ولكنها ظلت ملايين السنين (قبل أن يظهر الطيران) تُستعمل بكل بساطة، فيما يبدو، موادّ عازلة أو ربما لم تستعمل قبل ذلك في شيء على الإطلاق. وهكذا فقد ظل الريش لزمن طويل تكيفا مفيدا جدا للحفاظ على درجة حرارة الجسم. ومن ناحية أخرى، كملحق لعملية الطيران، كان الريش ببساطة تكيّفا مسبقا حتى بدأ (فيما بعد بكثير) يتخذ دورا تكيفيا في هذه الوظيفة الجديدة. وهناك أمثلة كثيرة مشابهة، نذكر منها إمكانية قدراتنا الإدراكية التي تدعو إلى الفخر والمباهاة والتي ظهرت بمثل ما ظهر الريش تقريبا؛ أي على هيئة صفة أكثر تواضعا مما صارت إليه فيما بعد، وربما ذات فائدة هامشية فقط أو حتى نتاجا جانبيا لشيء آخر.

قبل نحو 000 28 عام، أقيم لهذا الرجل البالغ من العمر 60 عاما حفل جنائزي حافل بالطقوس. وقد دُفن مع تشكيلة غنية مما يزود به الموتى في قبورهم؛ وكان يرتدي أساور وعقود ومعلقات وسُترة مَخيطة عليها مئات الخرز من عاج الماموث. ويعدّ هذا القبر (مع قبرين لشابين في الموقع نفسه، في سنجير بروسيا) واحدا من أقدم الأمثلة الفريدة عن قبور البشر التي وُجدت في أوروبا.

دعنا نتأمل هذه الإمكانية بإمعان أدق، ولنبدأ من البداية. عندما وصل الكرومانيونيّون إلى أوروبا قبل نحو 000 40 سنة، من الواضح أنهم جلبوا معهم مجموعات كاملة تقريبا من السلوكيات التي تميز البشر الحديثين من جميع أنواع البشر الأخرى التي عاشت على الأرض. إن جميع أعمال النحت والنقش والرسم وحُلي الجسم والموسيقا، والترميز والفهم البارع للمواد المختلفة، والدفن المتقن للميت والزركشة المضنية للأدوات العملية ـ وغيرها الكثير، كانت كلها تشكل جزءا متكاملا من الممارسات اليومية لنوع الإنسان العاقل المبكر. وكل ذلك موثّق بشكل مثير في مواقع أوروبية قبل أكثر من 000 30 سنة.

لعل قدراتنا الإدراكية التي نفخر بها نشأت بشكل ما كما نشأ الريش في الطيور،

أي: عملية «تكيفٍ مسبق» ظهرت في سياق ما، قبل أن تُستغل في سياق آخر.

إن الذي تشترك فيه جميع هذه الإنجازات السلوكية بشكل واضح هو أنها كانت مدعومة باكتساب عمليات الإدراك الرمزي. ولا يوجد شك على الإطلاق في أنّ هذا الاكتساب المعمّم، وليس ابتكار أي سلوكية من السلوكيات النوعية التي أوردتُها أو أي سلوكية أخرى، كان يقف وراء إدخال أنماط السلوك «الحديث» في قائمة مهارات سلالتنا. زِد على ذلك أن هذه القدرة الجديدة تتباين بشكل صارخ مع الإنجازات الأكثر تواضعا للنياندرتاليين الذين طردهم الكرومانيونيّون بسرعة ملحوظة من أوطانهم في أوروبا وغربي آسيا. وفي الحقيقة إن سلوكيات الكرومانيونيّين ـ تماما مثل سلوكياتنا ـ اختلفت بوضوح تام وبصورة كاملة عن سلوكيات أي نوع من البشر عاش قبل ذلك. وليس من باب تحقير النياندرتاليين مطلقا أو أي نوع بشري منقرض في الوقت الحاضر (حيث كانت إنجازاتهم ممتازة تماما، بموازينهم الخاصة) القول إنه مع ظهور الإنسان العاقل المرتكز سلوكيا على الرمز، تجسّد على المسرح نظام كينونة جديد. إن شرح كيفية حدوث هذه الظاهرة الجديدة غير العادية هو في الوقت نفسه شرح لكلتا المسألتين الأكثر إثارة والأكثر إرباكا في كامل علم البيولوجيا.

على ما يبدو، أن أحد عوامل التعقيد هو غياب أي نوع من الترابط بين الإنجازات التي تمت في السلالة البشرية، من تحديث سلوكي وتحديث تشريحي. نحن لدينا شواهد من بشر عاشوا قبلنا في بلاد المشرق Levant (أي بلاد الشام) وكانوا يشبهوننا تماما وذلك قبل نحو مئة ألف سنة. ولكن في الوقت نفسه، وفي تباين مثير مع ما حدث في أوروبا، صَمَد النياندرتاليون المشرقيون في المنطقة نحو 000 60 سنة بعد ظهور البشر الحديثين تشريحيا. والأكثر من هذا، وعلى امتداد هذه المدة الطويلة من التعايش (كيفما كان الشكل الذي اتخذه؛ ونحن صراحة لا نعرف شيئا عن الكيفية التي دبر بها مختلف البشر أمر اقتسام العيش في المنطقة كل هذه الآلاف من السنين)، وبقدر ما يمكننا استنتاجه من مجموعات الأدوات التي صنّعوها والمواقع التي تركوها وراءهم، فإن هذين النوعين من فصيلة البشر قد سلكا سلوكا متطابقا تقريبا. ومن الجدير بالذكر، أن النياندرتاليين لم يتخلوا نهائيا عن بلاد المشرق إلا قبل نحو000 45 سنة، حينما ظهرت تقنيات تصنيع الأدوات الحجرية المماثلة لتقنيات الكرومانيونيين. وكان من المؤكد تقريبا أن تبنّي السيرورات الإدراكية الرمزية هو الذي منح نوعنا مزية التقدّم، وقاد النياندرتاليين إلى الهلاك. ومن هنا، يبدو أنه لا مفر من الاستنتاج أن ظهور نوع الإنسان العاقل الحديث تشريحيا سبق بزمن طويل ظهور البشر الحديثين سلوكيا. ولكن في حين أن هذا يبدو غير متوقّع حدسيا (أفليس الأقرب للتصديق أن «نفسِّر» ظهور نوع جديد من السلوك بظهور نوع جديد من البشر؟)، فإنه في الواقع معقول جدا. فمن أين يمكن أن يتوطد تجديدٌ سلوكي ما لم يتم في نوع موجود من قبل؟

الدماغ والإبداع(**)

لا أحد يجادل في أنه لكي نفهم عمليات الإدراك في أي نوع من الفقاريات لا بد أن ننظر إلى الدماغ. ففي حالة فصيلة البشر فإن نوع إنسان نياندرتال Homo neanderthalensis زُود بدماغ يساوي حجم دماغنا، إلا أنه محفوظ في جمجمة مختلفة الشكل بصورة ملحوظة. وفي حين أننا نعرف من السجلات الآثارية الشديدة التباين التي خلّفها النياندرتاليون والكرومانيونيّون أن كلا منهما سلك سلوكيات متمايزة إلى أبعد الحدود؛ فإن المتخصّصين في دراسة تطور الدماغ البشري يجدون صعوبة في تعرُّف أية معالم على السطح الخارجي للدماغ (كما تظهر على هيئة انطباعات على السطح الداخلي للقحف) يمكن أن توحي بأي اختلاف وظيفي رئيسي بين دماغي إنسان نياندرتال والإنسان العاقل الحديث. ويَصدُق الأمر نفسه على أدمغة الأفراد المبكرين من نوع الإنسان العاقل الذين كانت حضارتهم المادية وأساليب حياتهم تشابه تلك التي كانت للنياندرتاليين. وهكذا فمن الواضح أنه لا يمكننا أن نُرجِع ظهور القدرات الإدراكية الحديثة ببساطة إلى عملية بطيئة استهدفت تحسين الدماغ وبلغت أوجها مع مرور الزمن. وهناك شيء آخر حدث غير الصقل المادي النهائي للآلية الإدراكية. وبالطبع، مع ظهور البشر من ذوي المظهر الحديث على المسرح، لا بد أن يكون قد جرى التمهيد لتبني العمليات الإدراكية الحديثة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنهم اكتسبوا آلية عصبية معينة.

صور في كهف لاسكو الفرنسي لحيوانات من العصر الجليدي كهذا الثور المنقرض aurocks (شكل من الماشية البرية). وكثيرا ما تكون هذه الصور مصحوبة بحشد من الرموز المعنوية، مثل ما نلمحه هنا من علامات على الرقبة والظهر والفخذين. يبلغ عمر كهف لاسكو نحو 000 17 سنة.

دعنا مرة أخرى ننظر لحظة إلى ما توحي به معرفتنا عن العملية التطورية. أولا من المهم أن نتذكر أن البنى الجديدة لا تنشأ من أجل هدف معين. إنها ـ ببساطة ـ تنشأ تلقائيا كنواتج جانبية لأخطاء في النسخ تحدث روتينيا عندما تنتقل المعلومات الجينية من جيل إلى الذي يليه. والانتقاء الطبيعي بكل تأكيد ليس قوة مولِّدة تستدعي إيجاد بنى جديدة، ولكن يمكنه فقط أن يتعامل مع تغييرات تقدّم له، فإما أن يزيل متغيّرات غير مرغوب فيها، أو يشجع متغيرات ناجحة. إننا نرغب في أن نتكلم من وجهة نظر «التكيفات»، لأن هذا يساعدنا على استكمال الأحداث عن كيفية وسبب ظهور أو نجاح مستجدات معينة في مسيرة التطور؛ ولكن في الحقيقة لا بد أن جميع المتغايرات الجينية الجديدة نشأت كتكيف مُسبق. ويكمن الفرق في أنه بينما تكون التكيفات هي سمات تحقق وظائف محددة يمكن تعرُّفها (والتي لا يمكنها القيام بها بالطبع إلا بعد أن تَحدث تلك التكيفات فعلا)؛ فإن «التكيفات المسبقة» هي ببساطة سمات ظهرت وكانت جاهزة للقيام بوظائف جديدة.

هذا هو الإطار العام الذي علينا أن ننظر من خلاله إلى كل من تطور الدماغ البشري كما نعرفه حاليا، وظهور الوظيفة الإدراكية الحديثة للدماغ. لقد كان هناك، بلا أدنى شك، ازدياد في متوسط حجم الدماغ البشري خلال المليوني سنة الماضية، ولو أن هذا لا يعطينا الكثير من المعلومات عن الأحداث الفعلية في تطور الدماغ البشري. لكن مثال النياندرتاليين ـ وحتى بصورة أكثر دلالة الحديثين تشريحيا وليس سلوكيا ـ يُبين لنا أن ظهور القدرة الإدراكية الحديثة لم يتضمن ببساطة مجرد إضافة القليل من المادة العصبية؛ أي تلك الإضافة القليلة النهائية إلى حجم الدماغ التي وضعتنا على حافة الخطر. إنه لم يتضمن أيضا إضافة أي بنى دماغية رئيسية، لأن التصميم الأساسي للدماغ ظل متماثلا بشكل ملحوظ في جميع الرئيسيات العليا. وعوضا عن ذلك، فإن دماغا مكيفا تكيفا مسبقا، ومزودا منذ أمد بعيد (لا يعلمه إلا الله) بإمكانات مهملة للتفكير الرمزي، قد هُيِّئ للاستعمال بطريقة ما.

مع الأسف لم يُعرف بالضبط ما الذي منح الدماغ ذلك التكيف المسبق من أجل الأهداف الإدراكية الحديثة. وسبب هذا على الأرجح أنه في الوقت الذي نعرف الكثير عن بنية الدماغ وكذلك عن أيّ من مكوّنات الدماغ تكون فعّالة في أثناء أداء وظائف معينة، فإنه ليست لدينا أي فكرة إطلاقا عن الكيفية التي يحوِّل بها الدماغ كتلة من الإشارات الكهربائية والكيميائية إلى ما نألفه جميعا، مثل الوعي وأنماط التفكير. وهذه الكيفية هي التي ستكون حاسمة للفهم إذا ما كان لنا أن ندرك بالضبط ما الذي يتيح لنا أن نكون «بشرا».

مازال في الإمكان استخدام مصطلحات عامة للتكلم عن تطور الإدراك الحديث؛ فمثلا هناك رأي يقول بأنه في وقت ما (قبل ما بين 50 و60 ألف سنة) وقع حادث تنويع speciation event في السلالة البشرية أدّى إلى نشوء كيان جديد معبِّر رمزيا. وهذا يعني أن ذلك النوع الجديد ربما امتلك تحورات عصبية سمحت بأنماط سلوكية حديثة. وربما يكون من المناسب الاعتقاد في ذلك، لأنه على أحد المستويات سيجعل الأمور سهلة بالتأكيد. ولكن المشكلة على ما يبدو هي أن الإطار الزمني لا يسمح بذلك. ولكي يكون هذا التفسير مقبولا، كان يجب أن يظهر نوع بشري جديد مماثل تماما للنوع الذي كان موجودا من الناحية البدنية، ولكنه أكثر منه ذكاء، وأن ينتشر بعد ذلك في شتى أنحاء العالم القديم في أمد زمني قصير، مزيلا جميع أنواع أسلافه. وليس هناك أية إشارة على الإطلاق إلى أنّ شيئا كهذا قد حدث. وهذا ما يتركنا مع بديل واحد واضح فقط.

بدلا من أن نبحث عن بعض المستجدات التشريحية ربما كان من الأفضل أن نبحث عن نوع من الحوافز الحضارية التي تستجيب لها قدراتنا الإدراكية غير العادية. فلو أن الدماغ البشري الحديث بكل طاقاته الكامنة قد تكوّن في بنية جمجمة إنسان حديث قبل نحو 100 - 150 ألف سنة، لكان قد صمد مدة طويلة من الوقت كنوع من التكيف المسبق، حتى لو استمرت الكتلة العصبية في أداء وظائفها بالطرائق القديمة. ونحن لا نمتلك إلا النزر اليسير من الأدلة التي كنا نحب أن نحوزها، والتي لها علاقة مباشرة بأصل نوع الإنسان العاقل وانتشاره. ومع ذلك، فنحن نعرف أن نوعنا (الإنسان العاقل) نشأ في هذا الإطار الزمني العام، ربما في إفريقيا. ونعرف أيضا أنه انتشر بسرعة في أنحاء العالم القديم من مركز نشأته أيّا كان هذا المركز.

إضافة إلى ذلك، إذا حدث في وقت ما، قبل نحو 60 - 70 ألف سنة مثلا، تجديد ثقافي في إحدى الجماعات البشرية، أدى إلى تنشيط إمكانات العمليات الإدراكية الرمزية التي كانت تكمن في الدماغ البشري طوال الوقت، لأمكننا بسهولة تفسير الانتشار السريع للسلوكيات الرمزية بآلية بسيطة من الانتشار الثقافي. إن الأمر الأكثر إقناعا (وبالتأكيد الأكثر قبولا) هو أن ندّعي أن الشكل الجديد من التعبير السلوكي انتشر بسرعة في الجماعات التي كان لديها إمكانات لاستيعابه، وهذا خير من أن نعتبر البديل وهو أن الانتشار العالمي للقدرة البشرية الفريدة جاء عن طريق عملية إحلال كامل لجماعة بشرية بأسرها. فأي مجزرة تلك التي كانت ستحدث من دون شك لو تحقق هذا البديل؟ ومن ناحية أخرى فإن التبادل الثقافي بين الجماعات البشرية هو ظاهرة واسعة التوثيق عبر التاريخ المدون. ومن الواضح أن هذه الظاهرة يجب أن تكون التفسير المفضل للنجاح السريع في مجال السلوكيات البشرية المنتشرة رمزيا. ومع هذا يبقى أن نتساءل: ماذا كان هذا الحافز الثقافي الجديد؟

الإدراك وفن الترميز(***)

عندما نتكلم عن «عمليات ترميزية» في الدماغ أو العقل فإننا نشير إلى قدرتنا على استخلاص عناصر من خبرتنا وتمثيلها برموز عقلية منفصلة discrete. ولا شك في أن الأنواع الأخرى لديها الوعي في بعض النواحي، ولكنهم ببساطة ـ في حدود علمنا ـ يعيشون في العالم كما يعرض نفسه عليهم. ومن دون شك فإن البيئة بالنسبة إليهم تبدو كيانا متصلا continuum، وليس كما نراها نحن مكانا مقسما إلى عدد ضخم من العناصر المنفصلة التي نطلق عليها نحن البشر أسماء خاصة. وعن طريق فصل عناصر البيئة، يتمكن البشر بصورة دائمة من أن يعيدوا ابتداع العالم في عقولهم مع مظاهره الخاصة. وما يجعل هذا ممكنا قدرتهم على تشكيل الرموز العقلية والتعامل معها، والتي تتوافق مع عناصر نلاحظها في العالم داخل أنفسنا وخارجها. وغالبا ما يُظهر أفراد الأنواع الأخرى مستويات من الاستدلال الحدسي intaitive reasoning متفاعلين مع حوافز من البيئة في أساليب معقدة جدا، لكن البشر وحدهم هم الذين يمكنهم أن يربطوا ويعيدوا ربط الرموز العقلية بصورة كيفية، ثم يسألوا أنفسهم أسئلة مثل: «ماذا لو؟». إن القدرة على عمل ذلك، أكثر من أي شيء آخر، هي التي تكوِّن أساس إبداعنا الذي نفخر به.

على مدى مليون سنة قبل أن تكون لدينا أدلة على أن أسلافنا استخدموا

لغة ما، كان لدى البشر سبيل صوتي يمكنه إنتاج أصوات الكلام الواضح.

بالطبع لايزال الاستدلال الحدسي مكوِّنا أساسيا في عملياتنا العقلية. إن ما فعلناه هو أننا أضفنا إلى هذه القابلية الأساسية القدرة على التعامل الرمزي. وعلى سبيل المثال، فإن التقدير الحدسي للعلاقات فيما بين الأشياء والأفكار يمثل ـ بصورة شبه مؤكدة ـ قوة مؤثرة في العملية الإبداعية العلمية الأساسية تضاهي قوة التمثيل الرمزي؛ ولكن في نهاية الأمر، إن ذلك الترابط الفريد بين الاثنين هو ما يجعل العلم (أو الفن، أو التقانة) ممكنا. ومن المؤكد أن الاستدلال الحدسي يمكن أن يأخذك بمفرده شوطا بعيدا. لقد خَلّف النياندرتاليون وراءهم لمحات قليلة قيمة من القدرات الرمزية في السِّجل الغني الذي أورثوه إيانا عن حياتهم، ومن الواضح أن الرموز لم تكن بصورة عامة عاملا مهما في حياتهم. ومع ذلك فإن إنجازاتهم لم تكن تقل لفتا للأنظار؛ وكل ما يمكن قوله إن إنسان نياندرتال دانت له السيطرة على العالم الطبيعي، الأمر الذي لم يسبقه إليه أحد في التاريخ البشري المبكر. حقا إنه ليبدو من الإنصاف اعتبار النياندرتاليين ممثلين لأكثر أساليب العيش تعقيدا وإثارة، تلك الأساليب التي أمكن تحقيقها بالعمليات الحدسية وحدها.

وهذا سيؤدي إلى السؤال الذي لا مناص منه عن النياندرتاليين، والذي يودّ كل شخص أن يجد الإجابة عنه، وهو: هل كانوا يتكلمون؟ كثير من الناس، وبخاصة من يتأملون الأدوات الحجرية الجميلة المدهشة التي صنّعها النياندرتاليون بهذه المهارة، يجدون من الصعب الاعتقاد أنهم لم يكونوا يتكلمون. فكيف يمكن لهم، بغير استعمال اللغة، أن يورِّثوا مثل هذه المهارات المميزة على مر الأجيال؟ حسن، منذ زمن غير بعيد قامت مجموعة من الباحثين اليابانيين بمحاولة تمهيدية للتعامل مع هذه المسألة. قاموا بتقسيم عدد من طلبة الجامعة إلى مجموعتين، وعلّموا إحداهما كيف يصنع أفرادها أداة نياندرتالية حجرية نموذجية وذلك عن طريق شروح شفوية وافية تدعمها إيضاحات عملية. أما المجموعة الأخرى فعلّموها بمثال صامت فقط. إن مما كشفته هذه التجربة بصورة مثيرة هو: أن صنع أدوات حجرية ليس بالعملية السهلة! ولم يحقق بعض الطلبة أي براعة في ذلك قط. لكن الشيء اللافت للنظر بصورة أكبر هو أن المجموعتين كلتيهما لم تظهرا أي فروق أساسية، لا في سرعة اكتساب المهارة في صنع هذه الأدوات ولا في الكفاءة التي صنعتها بها. ويبدو أن التعلم بالمثال الصامت يكفي تماما لنقل التقنيات المعقدة المستخدمة في عمل الأدوات الحجرية.

تمثال دقيق جدا (طوله أقل من 5 سم) منحوت من عاج الماموث قبل ما يزيد على 000 32 سنة، ربما يكون أقدم عمل فني معروف. تعبِّر خطوطه الرشيقة عن جوهر الحصان أكثر من أن تظهر التزاما بالنسب الغليظة لجسم الحصان في تلك الفترة الجيولوجية. عُثر على التمثال في ڤوگل هيرد بألمانيا.

ومع أن هذه التجربة استخدمت بشرا حديثين فقط ولم تستخدم نياندرتاليين، فهي تُظهر بقوة أننا مرة أخرى نرتكب خطأ أساسيا بافتراض أن أسلوب حياتنا هو الأسلوب الوحيد للقيام بالأعمال في هذا العالم. إن هذا لا يعني بالطبع أن النياندرتاليين لم يكن لديهم شكل من أشكال الاتصال الصوتي. وعلى كل حال فمثل هذا الاتصال شائع بين جميع الثدييات. وليس هناك شك على الإطلاق في أن النياندرتاليين كانوا يتكلمون بشكل ما. إنما الذي كانوا يفتقدونه بالتأكيد تقريبا هو اللغة بالمعنى المألوف لنا.

اللغة وظهور الإدراك البشري(****)

إذا كان هناك مظهر واحد فقط من مظاهر الوظيفة العقلية البشرية يرتبط بشدة بالعمليات الرمزية أكثر من غيره، فإن هذا المظهر هو بالتأكيد استعمالنا للغة. إن اللغة بحق هي الوظيفة الرمزية العقلية النهائية، وإنه من المستحيل تماما أن نتصور عملية التفكير، كما نعرفها، في غياب اللغة. ويرجع هذا إلى أن الكلمات تقوم بوظيفة وحدات الفكر البشري كما نفهمه على الأقل. إن الكلمات هي بلا شك الوسط الذي نشرح به أفكارنا ومن خلاله نؤثر في عقول الآخرين، لحكم مخلوقات اجتماعية. وعليه فلو أننا نبحث عن عامل مفرد من عوامل الانطلاق الثقافي فَتَح الطريق أمام الإدراك الرمزي، فإن اختراع اللغة هو أبرز المرشحين لذلك. وفي الحقيقة ربما يكون هو الاختراع المعقول الوحيد الذي أمكن تعريف هويته حتى الآن. فما الذي عساه قد حدث؟ هنا لا بد لنا أن نعود إلى أفكار متعلقة بعملية التكيّف المسبق، ذلك لأن اللغة هي الملكة الفريدة التي يبدو أنها لم تنشأ من لغة بدائية لبعض الرئيسيات الشبيهة بالقردة العليا. ومازال المتخصصون يجادلون في أنه لما كانت القدرة العامة على اكتساب اللغة مودعة بصورة شاملة وبعمق في النفس البشرية، فإن هذه القابلية لا بد أن تكون موصولة بكل دماغ بشري سليم، حيث تكمن كنتيجة لعمليات التكيف الدارْوِنية «العادية» عن طريق الانتقاء (الانتخاب) الطبيعي.

من المؤكد أن اللغة لا يعاد إبداعها في كل جيل، وإنما يعاد التعبير بها، مثلما يتعلم كل طفل لغته (لغاته) الأم كجزء عادي ومدهش من عملية النمو. وبعبارة أخرى ليس هناك إنكار لوجود غريزة لغوية في العقل البشري. ومع ذلك، فإن ما نحتاج إلى تفسيره، ليس فقط كيف اكتُسبت هذه الغريزة الفطرية وإنما كيف ظهرت بهذه السرعة غير المسبوقة.

وكما لاحظنا فإن الانتقاء الطبيعي ليس بذاته قوة خلاقة ولا يدفع شيئا جديدا للوجود، ولكنّه يستثمر ما هو موجود بالفعل. إن هذا يسهل الأمور بالنسبة إلينا؛ لأنه ـ بقدر علمنا ـ خلال ظهور الفكر الرمزي، لم يظهر أي دليل على التوجه البطيء الذي نتوقعه وفق الانتقاء الداروِني. أما الذي لا بد أن يكون قد حدث، بدلا من ذلك، فإنه بعد فترة طويلة (لا ندري تفاصيلها تماما) من التوسع الدماغي غير المنتظم، وبعد عملية إعادة ترتيب في السلالة البشرية، طرأ شيء ما مهّد الطريق لاكتساب اللغة. ربما اعتمد هذا الإبداع على ظاهرة البزوغ، حيث يتم بالمصادفة ارتباط بين عناصر سابقة الوجود يفضي إلى شيء ما غير متوقع تماما. والمثال الكلاسيكي لصفة البزوغ هو الماء؛ إذ إن معظم خصائصه اللافتة للنظر لا يمكن التنبؤ بها إطلاقا من خصائص مكوّنَيْه: الهدروجين والأكسجين. ومع هذا فإن اتحاد هذين المكونين ينتج شيئا ما جديدا تماما لا يُتوقع إلا بعد حدوثه فقط. ويزودنا هذا البزوغ، إضافة إلى التكيف المسبق، بآلية قوية في العملية التطورية، وهي بحق قوة تدفع الإبداع في اتجاهات جديدة.

مقارنة بين الرأس والرقبة للإنسان الحديث وإنسان نياندرتال (مُعاد تركيبه) تبين الفرق في بنية السبيل الصوتي vocal tract. إن البلعوم الأطول في الإنسان الحديث هو الذي يجعل من الممكن إحداث المدى الكامل للأصوات اللازمة للكلام الواضح.

علينا، في حالة الإمكانية اللغوية ووجودها الفطري عند جميع البشر في الوقت الحاضر، أن نفترض أنه حدث في أول الأمر تغير عصبي لدى بعض جماعات السلالة البشرية. ويُفترض أن هذا التغير كان ضئيلا نوعا ما من الناحية الوراثية، وربما ليس له علاقة بتاتا مع التكيف بمعناه الكلاسيكي. ولما كان الدماغ ـ خلال المراحل المبكرة لنمو الطفل، يعيد ترتيب وسائل اتصالاته عن طريق إحداث مسارات نوعية من كتل غير متمايزة من الاتصالات العصبية، فإنه من الممكن أن تكون هذه الحادثة غير وراثية، وهذا يتوقف على مثيرات النمو. وعلى أي حال، فإنه يبدو مؤكدا أنها لم تترك أثرا في السجل الأحفوري (المستحاثي)، وإن كان تأثيرها، في نهاية المطاف، في البقايا الآثارية للكرومانيونيين وخُلفائهم كبيرا. وكما أن حجر (إقليد) العَقْد keystone ليس إلا جزءا قليل الشأن من العَقد (القنطرة) arch، ولكنه، في الوقت نفسه، أساسي تماما بالنسبة لسلامة البناء ككل، فإن هذا الإبداع الذي نحن بصدده هو العنصر المادي النهائي الذي كان لا بد من وجوده لإتاحة الفرصة لظهور اللغة والتفكير الرمزي، وكل ما نتج عنهما من عواقب مصيرية بالنسبة للعالم. ومتى ما وجد هذا العنصر في موضعه فإن الإمكانية الكامنة المنغرسة فيه يمكن أن تظل غير مستثمرة، لا تحدث ضررا، إلى أن يطلقها من عقالها مثير ثقافي في جماعة بعينها. ويكاد يكون هذا الحافز هو اختراع اللغة، وإن كان من العسير إثبات ذلك. وكل واحد اليوم له لغة، الأمر الذي يوحي بأنها كانت مكتسبا عظيم الفائدة. وإذا كانت هذه اللغة مفيدة بالقدر الذي نحب أن نعتقد، فليس من المدهش أنها، وما صاحبها من أنماط رمزية سلوكية، كانت فيما بعد قادرة على الانتشار السريع بين الجماعات البشرية في العالم كله.

من بين الإمكانيات المتعددة للكيفية التي يمكن أن تكون قد اخترعت

بها اللغة هي تكوّن شكل أوّلي ابتدعه الأطفال وليس الكبار.

هذا ما يتعلق بانتشار اللغة من مركز نشأتها. ولكن كيف قُدِّر لهذه المستجدة المصيرية أن تُبتكر؟ ذلك سؤال مستقل تعجز خبراتي عن التفكير فيه. ولكن ما دامت ركيزة اللغة موجودة، فإن الإمكانيات كثيرة؛ وأكثرها قبولا لدي تلك التي مضمونها أن نوعا بدئيا من اللغة قد ابتدعه الأطفال وليس الكبار. وإذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أن الدماغ ليس بنية جامدة مثل الكرة المطاطية، وإنما كينونة دينامية تعيد تنظيم نفسها في أثناء نموها (وفي الواقع، إن هذا قد يستمر طوال الحياة إذا ما وُجدت المنبهات المناسبة) فليس من المستبعد أن سليفة بدائية لِلُغةٍ ما ـ كما نألفها اليوم ـ قد بزغت عند مجموعة من الأطفال في سياق لعبهم. ومثل هذه اللغة البدائية ربما تضمنت كلمات ـ أي أصواتا ـ جرى نظمها مع معانٍ إضافية. ومن الصعب أن نتصور لماذا، إذا ما حدث هذا الابتكار، لا يتبناه المجتمع ككل في آخر الأمر. في جزيرة يابانية كانت تعيش قردة الماكاك عند الشاطئ، قام باحثون بإطعامها البطاطا الحلوة. ولكن هذه الأطعمة الشهية ما لبثت أن غطتها رمال وحصى الشاطئ. عندئذ بدأت الماكاك الفتية بغسل البطاطا في البحر لتزيل عنها الرمل والحصى. ومر بعض الوقت قبل أن تحذو القردة البالغة حذوها: الإناث أولا، ثم في النهاية الذكور المسيطرة. وبلا شك، إن بعض الذكور الأكبر سنا والأكثر سيطرة ترفعت عن المشاركة في هذا السلوك مفضلة أن تتعايش مع الرمل. لكن الفكرة الحسنة هي الفكرة الحسنة دائما ـ وإنه من الصعب في حالة اللغة أن نعتقد أنّها لا تنتشر في المجتمع بسرعة بمجرد ظهور مفهوم ارتباط الكلمات بالأشياء والأفكار.

كذلك فإن الانتقال من أسلوب حياة غير لغوي إلى أسلوب حياة لغوي كالذي نألفه اقتضى قفزة إدراكية وعملية ضخمة. ويبدو من المحتمل أن إضافة فن تركيب الجُمل syntax كانت حادثة مستقلة ومتأخرة الحدوث، ولو أنه من المحتمل أنها صارت حتمية مع حلول ظاهرة ارتباط الكلمات بالأشياء. ويبدو من غير المعقول على الإطلاق أن يكون التقدم من حالة الكلام غير الواضح إلى حالة اللغة الواضحة ـ كما نعرفها ـ قد تم في خطوة واحدة. ومن المؤكد أن عملية تمت على مراحل متعددة تبين بشكل أفضل الطريقة التي يكتسب بها الأطفال لغة ما، حيث يبدؤون باكتساب المفردات بسرعة كبيرة، يلي ذلك تركيب الجمل، ثم بناؤها(1) بعد بلوغ الأطفال سن عامين تقريبا. إن تاريخ ظهور اللغة معقد بلا شك. وفي الحقيقة إن هذا الظهور يبدو فقط ممكنا من وجهة نظرنا نحن، لأننا نعرف أنه لا بد قد حدث. ومن الواضح تماما أن اللغة تتغير بعد نشأتها وتتعقد وتتشعب كثيرا مع تزايد ممارستها وتبنيها. ولكن البناء العام للغة في كل مكان في الوقت الحاضر، وبغض النظر عن الثقافة، يرجع بالتأكيد إلى حقيقة أن القاعدة الأساسية كانت موجودة بالفعل في كل فرد قبل أن تظهر اللغة نفسها بوقت طويل.

إن الآلات الموسيقية من الأدلة المثيرة على تمتع البشر الأوائل برقة الشعور؛ كهذا الناي (الفلوت) المصنوع من العظم، والذي عثر عليه في موقع فرنسي، ويرجع إلى ما قبل نحو 000 32 سنة.

ولكن يبقى عامل آخر واحد بحاجة إلى شرح؛ فلكي تتكلم تحتاج إلى دماغ يخبر سبيلك الصوتي vocal tract بما يجب أن يفعله، وأنت تحتاج إلى سبيل صوتي يستجيب بشكل مناسب إلى تعليمات دماغك. لكن السبيل الصوتي لحيوان بدائي من الرئيسيات لا يمكنه الاستجابة بهذه الطريقة. وفي الحقيقة إن البشر البالغين هم المخلوقات الوحيدة التي يمكنها من الناحية المادية صنع الأصوات اللازمة لإنتاج الكلام الواضح. (حتى القردة العليا تفتقر إلى هذه المقدرة، وإن كان بعض الطيور يمكنها تقليد الكلام). وهذه القدرة لدى البشر لا تتأتى بلا ثمن؛ فالبنى الرئيسية التي يتكون منها السبيل الصوتي هي الحنجرة (وهي بنية في الرقبة تسكنها الحبال الصوتية)، والبلعوم (وهو الأنبوب الذي يعلو الحنجرة وينفتح في التجويفين الفموي والأنفي)، واللسان وجهازه المصاحب له. تتولد الأصوات الأساسية عند الحبال الصوتية، ثم يأتي بعد ذلك تعديل هذه الأصوات في البلعوم والممرات الهوائية التي فوقها. وفي الثدييات النموذجية بما فيها القردة العليا (وفي البشر المولودين حديثا) يكون وضع الحنجرة عاليا في الرقبة، وتبعا لهذا يكون البلعوم قصيرا محدِّدا limiting بذلك إمكانات تعديل الأصوات المنطوقة. وبعكس ذلك في البشر البالغين، تقع الحنجرة إلى الأسفل في الرقبة، الأمر الذي يجعل البلعوم أطول ويزيده قدرة على تعديل الأصوات المنطوقة. والثمن الذي أشرت إليه قبل قليل هو أنه بينما يُمكِّن الترتيب في البشر من وجود مجموعة كبيرة جدا من الأصوات، فهو أيضا يمنع تزامن عمليتي التنفس والبلع، مما يؤدي إلى الإمكانية غير السارة ـ الاختناق حتى الموت.

وهذا وحده يشير إلى ضرورة وجود مزية تعويضية قوية في التشكيل البشري للسبيل الصوتي، ولكنها للأسف ليست القدرة على الكلام. ونحن نعرف ذلك لأن سقف السبيل الصوتي هو نفسه قاعدة الجمجمة. وعليه فحيثما تكون هذه المنطقة محفوظة في الأحافير (المستحاثات) فإنه يمكننا إعادة بناء الصورة العامة التي كان يبدو السبيل الصوتي عليها أثناء الحياة. فالبنية ذات الحنجرة المنخفضة والبلعوم المرتفع تكشف عن نفسها في ثنية في عظام قاعدة الجمجمة. لقد بدأنا نرى شواهد على هذا الانثناء في نوع الإنسان العامل Homo ergaster الذي عاش قبل نحو مليوني سنة. كما تُظهر جمجمة نوع إنسان هايدلبرگ Homo heidelbergensis من إثيوبيا أنها وصلت بالفعل إلى درجة من التحديث قبل نحو 600 ألف سنة. وهكذا فإن السبيل الصوتي القادر على إحداث كلام واضح، اكتسبه البشر قبل أكثر من نصف مليون سنة، أي قبل أن تتوافر لدينا أي شواهد مستقلة على أن أسلافنا كانوا قادرين على ممارسة اللغة أو على التكلم.

واضح إذا أن السبيل الصوتي البشري للبالغين لم يكن في الأصل تكيفا «من أجل» الكلام الحديث modern speech، ولو أنه من المحتمل أن يكون قد أضفى بعض الميزات في سبيل ظهور شكل من أشكال اللغة البدائية للاتصال الصوتي. وعليه، فما الحكمة من وجود هذا السبيل الصوتي البشري؟ لا بد حتما من العودة إلى فكرة التكيف المسبق. فعلى الرغم من عيوب الانثناء في قاعدة الجمجمة، فقد ظهر هذا الانثناء وظل مدة طويلة جدا قبل أن يُستفاد من مزاياه اللغوية. ولعله أضفى بالفعل خلال تلك المدة الطويلة مزايا معينة في إنتاج أشكال عتيقة من الكلام ـ أشكال لسنا في موقف يمكّننا من أن نتبينها. أو ربما قدّم بعض المكاسب فيما يختص بالتنفس، وهو موضوع مازال غير مفهوم عند أفراد فصيلة البشر المنقرضة. وعلى أي حال، علينا أن نستنتج أن ظهور اللغة ومتعلقاتها التشريحية لم يكن يخضع لعملية الانتقاء الطبيعي، مهما بدا لنا ـ في نظرتنا إلى الوراء ـ أن هذه المستجدات مفيدة.

وهكذا، لا يوجد لدينا حاليا سبيل للخروج حتى بأقل السيناريوهات إقناعا عما حدث عند نشوء تلك المخلوقات غير العادية، التي هي نحن، من دون أن نلجأ إلى عملية التكيف المسبق المتواضعة. وواضح أننا لم نكن نتاجا لعملية ضبط دقيقة ومستمرة عبر آلاف السنين، وأن معظم تاريخنا كان مسألة مصادفة. ولم «تقصدنا» الطبيعة قط لنشغل مركز الصدارة في العالم الحي، ذلك المركز الذي وجدنا أنفسنا فيه، لسبب ما!

--------------------------------------------------------------------------------

المؤلف

Ian Tattersall

يشغل وظيفة أمين متحف بقسم الأنثروپولوجيا في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي بمدينة نيويورك. هذه المقالة مُستلّة من أحدث كتبه، «القرد في المرآة» (هاركوت، 2002). وثمة كتب أخرى حديثة للمؤلف «التحول إلى بشر: التطور والتفرد البشري» (هاركورت بريس، 1998) والإنسان النياندرثالي الأخير: الظهور والنجاح والانقراض الغامض لأقرب أقربائنا من البشر (ويستڤيو، 1999)» و«بشر منقرضون» بالاشتراك مع (ويستڤيو، 2000).

Scientific American, December 2001

--------------------------------------------------------------------------------

(*)HOW WE CAME TO BE HUMAN

(**)The Brain and Innovation

(***)Cognition and Symbolism

(****)Language and the Emergence of Human Cognition

--------------------------------------------------------------------------------

(1) sentence structuring