غاز غامض يستخدم ضد المحتجين في مصر والبحرين واليمن

بقلم كام ماكغراث

بدأ النشطاء من مختلف أنحاء الشرق الأوسط في الإبلاغ عن مادة سامة غامضة، ربما هي غاز الأعصاب المحظور، داخل السحب الكثيفة للغاز المسيل للدموع الذي تستخدمه قوات الأمن لقمع التظاهرات المناهضة للأنظمة في الأشهر الاخيرة.

وقال محمود حسن، خبير التسويق "شعرت بدوار وضعف لعدة أيام، ولم تتوقف يداي عن الإهتزاز والإرتجاف" بعد إستنشاق الغاز المسيل للدموع خلال تظاهرة في القاهرة ضد الحكم العسكري.

وأكد محمود حسن الذي دخل المستشفى الشهر الماضي للعلاج، أن الغاز المستخدم ضد المتظاهرين كان أقوى عدة مرات من الغاز الذي استخدمته قوات الأمن خلال إنتفاضة 18 يوماً التي أطاحت بالديكتاتور المصري حسني مبارك في فبراير الماضي.

"لم يكن هذا غازا مسيلا للدموع، لقد كان شيئاً آخر"، كما يقول محمود، "فقد تسبب في حروق بالجلد والرئتين، وقد سقطنا جميعاً على الأرض وأجسادنا تتشنج دون أن نتمكن من التحكم بها".

ويشتبه في أن غاز مماثل هو الذي تسبب بمقتل ثمانية مدنيين على الأقل في البحرين منذ فبراير الماضي.

وفي اليمن، أفاد الأطباء أن متظاهرين مناهضين للنظام تعرضوا لما يبدو أنه غاز مسيل للدموع، فوصلوا للمستشفيات الميدانية مشلولين، وفاقدي الوعي، أو مصابين بالتشنجات. ولم يكن للعلاج الروتيني الخاص بالتعرض للغاز المسيل للدموع أي تأثير.

"إننا نشهد الأعراض على أعصاب المريض، وليس في جهازه التنفسي. وأنا متأكد بنسبة 90 في المئة من أن الغاز الذي استخدم هو غاز الأعصاب وليس الغاز المسيل للدموع " كما قال الدكتور سامي زيد، الطبيب بمستشفى العلوم والتكنولوجيا في صنعاء، في مارس الماضي.

الغاز المسيل للدموع التقليدي هو مسحوق أبيض مكون من ortho- chlorobenzylidene-malononitrile، المعروف بإسم CS.

وقد وضعت هذه المادة الكيميائية في الخمسينيات للسيطرة على الحشود، وأثبتت أنها مصدر إزعاج وكبح قوي ولكنها أقل سمية من chloroacetophenone CN التي استبدلتها إلى حد كبير.

ومن غير الواضح ما إذا كانت التقارير العديدة عن الغاز السام الذي يشل القدرات تنطوي على مركب كيميائي واحد أو مركب مصنع، أو عدة مركبات. إلا أن الأعراض التي لوحظت سواء في القاهرة أو صنعاء متشابهة بشكل واضح: إحساس بحرقة شديدة في الجلد والرئتين، وغثيان، وشلل، وتشنجات، والموت في بعض الحالات.

وكانت عبوات قنابل الغاز المسيل للدموع، التي حصل عليها المتظاهرون من مواقع الإحتجاج بمدن عربية، تحمل علامات من عدة شركات مختلفة.

ومعظم عبوات القنابل التي تم العثور عليها قرب ميدان التحرير في القاهرة، بعد الاحتجاجات الأخيرة، حملت علامة الصانع التالية: "الأنظمة التكتيكية المختلطة Combined Tactical Systems CT بعد إستنشاق الغاز المسيل للدموع خلال تظاهرة في القاهرة ضد الحكم العسكري، وهي شركة أميركية تنتج مواد كيماوية مهيجة وذخائر الغازات لقوات الجيش والشرطة في جميع أنحاء العالم.

كما حملت عبوات قنابل CS الأخرى علامات شركة المختبرات الإتحادية من الولايات المتحدة ومصنع الأسلحة البريطانية "شيمرينج ديفنس/Chemring Defence".

"نعتقد أن قنابل CTS هي التي تسبب أعراضاً غريبة (التي جرى الإبلاغ عنها في مصر)" ، كما يقول شريف عازر من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان. "لكننا وجدنا أيضا بعض العبوات بدون علامات على الإطلاق".

في المقابل ، فإن معظم عبوات القنابل التي تم العثور عليها في البحرين تحمل علامات الشركة الأمريكية "NonLethal Technologies".

وتقوم المختبرات الإتحادية، والأنظمة التكتيكة المختلطة (CTS) ، و Chemring، وشركة الأمن الفرنسية SAE Alsetex بتوريد الغاز المسيل للدموع لهذه الدولة الخليجية العربية في السنوات الأخيرة.

وشركة الأنظمة التكتيكة المختلطة (CTS) هي المورد الرئيسي لمواد مكافحة الشغب للحكومة اليمنية. وقد خرج نشطاء حقوق الإنسان، ممن يحققون في مزاعم وجود الغاز السام المسيل للدموع، بعدة نظريات.

وكان أول تلك النظريات أن المادة التي استخدمت ضد المتظاهرين في مختلف أنحاء المنطقة هي dibenzoxazepine CR، وهي شكل من الغاز المسيل للدموع تفوق فاعليته عشر مرات ال CS باعتباره غاز مسيل للدموع لا يسبب الأذى.

وينتج العامل الكيميائي المستخدم لمكافحة الشغب آثارا مماثلة ل CS، ولكنه يسبب أيضاً الألم الشديد على الجلد والأغشية المكشوفة، والتي تصبح أكثر إيلاماً عندما يتم غسلها بالماء.

وقد تم استخدام النموذج عالي الثبات من الغاز المسيل للدموع من قبل القوات الإسرائيلية لقمع التظاهرات في الأراضي الفلسطينية. كما كان يستخدم من قبل الجيش الأميركي لطرد المقاتلين من الأعداء، ولكن استخدامه على المدنيين استبعد بسبب خصائصه المسرطنة.

في حين أن هناك روايات لأناس شاهدوا عبوات قنابل الغاز المسيل للدموع وعليها علامات CR في مصر والبحرين ، إلا أن الصحفيين ونشطاء حقوق الانسان الذين يحققون في القضية لم يتمكنوا من التحقق من صحة إدعاءاتهم.

"لقد رأينا عبوات قنابل وعليها علامة CS فقط، على الرغم من أننا لا نستطيع استبعاد أن بعض العبوات قد تم تغيير علامة الصانع عليها أو العبث بها لزيادة فاعليتها"، كما يقول عازر.

وثمة إتهام آخر شائع هو أن قوات الأمن تستخدم غاز مسيل للدموع منتهي الصلاحية.

فصلاحية غاز CS تتراوح من ثلاث إلى خمس سنوات، لكن نشطاء في البحرين ومصر قد نشروا صوراً لعبوات قنابل عليها تاريخ إنتاج منذ أكثر من عشر سنوات. وهم يقولون أن مكونات CS الكيميائية تتغير مع الزمن وتشكل مشتقات خطرة.

ومن المثير للقلق هو تراكم malononitrile داخل العبوات المنتهية الصلاحية. فعند تسخينها، تتحلل البودرة الحمضية وتتحول إلى غاز هيدروجين السيانيد السام للغاية، وهو نفس الغاز الذي استخدم لتأثيره القاتل في ألمانيا النازية.

هذا ووفقا للمصادر الطبية، تتضمن أعراض تسمم السيانيد الإحساس بالضعف، والغثيان، وصعوبة التنفس. ويمكن أن تؤدي التركيزات الأعلى إلي فقدان الوعي الذي يليه التشنجات، وارتعاش العضلات وانقطاع النفس. فأقل من جرام من مادة السيانيد يكون قاتلا للبشر.

وأشار الدكتور رامز مصطفى، طبيب الأعصاب في جامعة عين شمس بالقاهرة، إلى أنه لاحظ وجود كثير من هذه الأعراض خلال زياراته للمستشفيات الميدانية بميدان التحرير في الشهر الماضي.

" لقد رأيت أنا وزملائي الحالات التي يتسبب فيها الغاز المسيل للدموع بالتشنجات والحركات الاإرادية للمتظاهرين"، كما قال مصطفى لوكالة إنتر بريس سيرفس. "فحتى في التركيزات العالية، لا يؤثر الغاز المسيل للدموع العادي على الجهاز العصبي. وقد كانت هناك تقارير تفيد بأن بعض الناس ماتوا من الأزمة التنفسية".

إلا أن الخبراء يختلفون بشأن إمكانية تشكل المواد الكيميائية القاتلة بشكل عفوي مع الوقت أو التخزين الخاطئ لقنابل الغاز المسيل للدموع. وهم يجادلون بأن CS يفقد فعاليته مع مرور الوقت مثل أي دواء.

"عادة ما تفقد الغازات المسيلة للدموع فعاليتها، وأحيانا (لا) تشتعل حتى لبدء عملية نشر الغازات عند انتهاء صلاحيتها"، وفقاً لكامران لوغمان، الرئيس السابق لشركة Zarc الدولية، وهي شركة مصنعة للبخاخات الكيميائية غير القاتلة في كاليفورنيا، "هذه المواد لا تتحول إلى مادة كيميائية أخرى".

ويرجح أن الأعراض التي تمت ملاحظتها هي نتيجة للتعرض المفرط. فمنذ بدايات الربيع العربي، كثفت قوات الأمن استخدام الغاز المسيل للدموع لمواجهة تحمل المتظاهرين المتزايد للمواد الكيميائية-سواء كان ذلك بسبب التعرض المتكرر لها أو لاستخدامهم وسائل مادية مثل الأقنعة الواقية من الغاز والنظارات الواقية.

وتظهر أشرطة الفيديو الشرطة وهي ترمي تظاهرات الشغب بالغاز المسيل للدموع بكميات كبيرة، وغالبا في الأماكن الضيقة.

كما قد يدفع التعرض لجرعات أكبر من الغاز المسيل للدموع، الفرد إلى نقطة "التركيز الذي لا يحتمل"، وهي الكمية المطلوبة لجعل المتظاهرين عاجزين تماماً.

وفي حين أن الهامش بين التركيز الذي لا يحتمل والتركيز الذي قد يتسبب بإصابة خطيرة هو هامش مرتفع، إلا أن الدراسات قد أظهرت أن تعرض الجسم البشري لفترات طويلة أو مكثفة من الغاز المسيل للدموع يؤدي لتأييضده إلى السيانيد القاتل.

هذا ولم تثبت التجارب المخبرية حتى الآن اي نتائج حاسمة. وأعلن مسؤولون في وزارة الصحة المصرية أن عبوات قنابل الغاز المسيل للدموع المستخدمة، والتي فحصتها الوزارة، لا تتضمن أي سموم قاتلة.

أما عمليات التحليل المستقلة فتزعم أنها وجدت أن الغاز المسيل للدموع، المستخدم في القاهرة، يحتوي على خليط من 2.5 في المئة من البروم- سيانيد والزرنيخ - على الرغم من عدم إمكانية التحقق من ذلك. ويتم إجراء مزيد من التجارب في الوقت الحالي.
(ips)