«من دمشق إلى... هرمجـدون»

صباح أيوب

ماذا لو طرحنا على مواطني الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي السؤال الآتي: «أيهما أهمّ؟ أن نساعد إسلاميين ناقمين لقلب نظام علماني في سوريا أم نتجنب حرباً عالمية ثالثة؟»، هذا ما تقترحه الكاتبة ديانا جونستون في مقالها على موقع «كاونتربانش».

جونستون تجيب «أراهن بأن الغالبية الساحقة ستفضل تجنّب حرب عالمية ثالثة».
الدعوات الى عدم التدخل العسكري في سوريا باتت تتكرر أكثر فأكثر في الاعلام الاميركي والبريطاني، والذرائع المقدمة لذلك كثيرة، منها: الخشية من تفاقم الحرب الأهلية، تمدد الصراع الى خارج الحدود السورية، دعم روسيا وإيران للنظام وتسليحه، سوريا ليست ليبيا لا جغرافياً ولا ديموغرافياً ولا عسكرياً، سوريا جارة إسرائيل... والخلاصة تقول إن بشار الأسد باق إلى حين، وإن البديل غير جاهز وإن التجربة الليبية كانت كارثية.
وبالعودة الى سؤال جونستون على موقع «كاونتربانش»، تقول الكاتبة «لا أحد سيطرحه بصيغته المباشرة تلك، لأنه واقعي، والغرب، انطلاقاً من فوقيتهم لا يضيعون الوقت على الواقعية في السياسة الخارجية: فالولايات المتحدة مثلاً، بنظر سياسيينا، لديها القوة لـ«خلق الواقع»، لذا نحن لا نحتاج إلى أن نعير أي اهتمام لبقايا الواقع الذي لم نخلقه بأنفسنا». انطلاقاً، من هذا المبدأ، تشنّ جونستون هجوماً على الولايات المتحدة التي «ترى أنها كقوة عظمى ليست بحاجة إلى اللجوء الى الحلول الدبلوماسية لنيل ما تبغيه، وأن الامم المتحدة تحولت الى أداة بيدها». جونستون تدعو إلى اعتماد الحل الدبلوماسي في الأزمة السورية، والعمل على إيجاد حلول «قد لا تكون مثالية، لكن من شأنها أن توقف تدهور الاوضاع وتفاقمها». الكاتبة تنتقد كلام الامين العام للامم المتحدة نفسه، وتلطّيه خلف عقيدة «مسؤولية الحماية» الذي «استغلته قوات حلف شمالي الاطلسي بنحو سيئ لقلب النظام الليبي بالقوة».
أما عن الإعلام الغربي السائد، فتشير جونستون الى «نموذج مقولب» تعتمده وسائل الاعلام الغربية لتغطية الأحداث التي تشهدها الدول التي لا تنتمي الى «نادي الدول الغربية والأطلسية»، وهذا النموذج يعتمد على «تسمية حاكم البلاد ديكتاتوراً، لذا، فإن المتمردين يريدون التخلص منه فقط من أجل الاستمتاع بالديموقراطية على النسق الغربي. بالتالي، على الشعب كله أن يقف الى جانب المتمردين، وهكذا عندما تبدأ قوات الامن بالتصدي للتمرد المسلح يتحول المشهد الى: ديكتاتور يقتل شعبه. ولهذا السبب تقع على المجتمع الدولي وحلف شمالي الاطلسي مسؤولية حماية المواطنين بمساعدة المتمردين على مواجهة قوات الامن للتخلص ـ أو لقتل ـ الديكتاتور». وتتابع جونستون، «بعدها تحتفل هيلاري كلينتون بانتصارها، وتغرق البلاد بالفوضى». «لكن سوريا ليست ليبيا، فهي تمتلك جيشاً قوياً، ولديها حلفاء دوليون مهمّون، هي مجاورة لإسرائيل والأهم أن مجتمعها الديني أكثر تنوعاً، ما ينذر بتفجّر أكبر للوضع هناك».
ومن هذا «التفجّر» حذّر أيضاً توماس فريدمان، في مقاله في «نيويورك تايمز»، إذ قال «لنتذكّر أن مصر تنهار، تونس تنهار، ليبيا تنهار... لكن سوريا تنفجر». فريدمان، وبعد تشبيهه ما يجري في حمص الآن بما جرى في حماه عام ١٩٨٢، يقول «بات من الصعب اليوم معرفة أين تنتهي الطموحات الديموقراطية للثوار وأين تبدأ طموحاتهم الطائفية». الكاتب يخلص قائلاً «لا نريد حرباً أهلية في سوريا تزعزع المنطقة بأكملها»، ويقترح فريدمان حلاً على مستويين، «دبلوماسي من خلال إنهاء دعم روسيا وإيران والصين له، وداخلي سوري بيد المواطنين السوريين لإيجاد صيغة موحدة يجمعون عليها بكافة طوائفهم ويضغطون على الأسد لتنحّيه».
روبرت فيسك يدعو، من جهته، الغرب وواشنطن تحديداً الى تغيير نظرتهم للأمور والاقتراب أكثر من الواقع، والى محاولة فهم الموقع الحالي للأسد سياسياً واستراتيجياً. فيسك يكتب في مقاله في «ذي إندبندنت» أن «وابل الصور المروّعة الآتية من حمص عبر فايسبوك، وتصريحات الجيش السوري الحر، وتأفف هيلاري كلينتون من التعامي الروسي عن معاناة السوريين، لا تعكس الواقع». وهنا ينتقد فيسك اتهام الولايات المتحدة روسيا بتجاهل جرائم القتل بحق السوريين ويذكّر «بتجاهل الأميركيين للمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين وآخرها حوالى ١٣٠٠ قتيل في غزة». وبالعودة الى سوريا، يقول فيسك إنه «اذا نظرنا الى الشرق الاوسط، نرى أن الخليج انقلب ضد الأسد، وتركيا كذلك، صحيح، لكن ماذا يرى الأسد من نافذته؟»، يسأل فيسك ويجيب «هو يرى إيران الوفية والداعمة، والعراق الوفي الذي يرفض فرض العقوبات، ولبنان الوفي أيضاً والرافض للعقوبات. ومن حدود أفغانستان حتى البحر الأبيض المتوسط تصطف الدول الحليفة للأسد والتي ستقيه، على الأقلّ، انهياره اقتصادياً». الكاتب البريطاني يعلّق على تعامي الغرب عن الواقع وتوهمّه بأن الكل سينقلبون على الأسد، الا أن الواقع يشير الى أن بشار ليس وحيداً. من جهة اخرى، وخلافاً للواقع الليبي، يشرح فيسك، أنه «صحيح أن البحرية البريطانية حطّت في بنغازي، لكنها لن تستطيع فعل ذلك في طرطوس، لأن الروس لا يزالون هناك».
دعوة جديدة لدراسة الواقع السوري، جاءت في مقال باتريك كوكبورن، على موقع «كاونتربانش»، إذ ذكّر الكاتب بعدد المرات التي تنبأت فيها الخارجية الاميركية وإسرائيل والاردن باقتراب سقوط الأسد... ولم يحدث ذلك. كوكبورن يضيف أن «أي عملية حساب واقعية ستبيّن أن الرئيس السوري سيظل في الحكم حتى عام ٢٠١٤». كما أن أي حديث عن «عزلة الأسد هو كلام مبالغ فيه».
زميلة كوكبورن على الموقع الصحافي، دانيا جونستون، تنتقد أيضاً الأوهام الغربية البعيدة عن الواقع السوري وتقول إن «الغرب يتكلم دائماً عن ضرورة أن يوقف الديكتاتور قتل شعبه، وكأنه اذا فعل ذلك تعود كل الأمور الى طبيعتها مباشرة. والناس سيعاودون أشغالهم بانتظار حلول الانتخابات الحرة التي ستجلب بشائر التناغم والتعايش وحقوق الانسان. لكن في الواقع، اذا غادر الجيش السوري الآن المناطق التي يتواجد فيها متمردون فهذا يعني منحها لهم». «ومن هم هؤلاء المتمردون؟» تسأل جونستون، «نحن لا نعلم بكل بساطة. لعلّ أيمن الظواهري يعرفهم أكثر منا». «وفي ظل مجموعات خارجة عن السيطرة تقاتل من أجل السيطرة، تعدّ دعوات الغرب الى الأسد للتنحي بمثابة تدمير ذاتي للنظام وليس تغييره».
من جهته، يعرض دايفيد روبرتس، من المعهد البريطاني المتخصص بشؤون الأمن والدفاع RUSI، الأسباب التي تحول دون التدخل العسكري في سوريا، وهي: أولاً، عدم التشابه بين ليبيا وسوريا كتركيبة جغرافية وديموغرافية، إضافة الى أن بعض المدن الرئيسية مثل دمشق وحلب لا تزال بيد النظام، والجيش السوري يبدو بعيداً كل البعد عن الانفراط كما جرى مع الجيش الليبي. ثانياً، مدّ المتمردين السوريين بالسلاح من قبل الغرب ودول الخليج، سيقابله دعم روسي وصيني بالسلاح لنظام الأسد، أي تعميق للأزمة وتهديد لأمن المنطقة. ثالثاً، لا توجد خطة بديلة لغاية الآن ترسم ملامح فترة ما بعد الأسد، ماذا عن القومية السنية؟ ماذا سيحلّ بلبنان والجولان؟ كيف ستحمي إيران حزب الله؟ وهل ستقبل روسيا خسارة مرفئها الوحيد على البحر المتوسط بسهولة؟
والبدائل؟ يقترح تقرير المعهد البريطاني خطة عربية للضغوط الدبلوماسية والتي قد تبدأ بطرد سفراء روسيا والصين وسوريا من البلدان العربية وتنتقل الى حصار عربي نفطي شامل على سوريا.