ليبيا: بداية تقسيم؟

رضا عيسى

لم تكد ليبيا الخارجة من حقبة استبدادية صعبة دامت أربعة عقود ونيّفاً تتنفس هواء الحرية، حتى برزت إشكالية جديدة رآها البعض مشروعاً لتقسيم البلاد الى أقاليم فيدرالية ثلاثة، كما كان سائداً منذ ما قبل نجاح ثورة الفاتح في العام 1969 على يد العقيد الراحل معمر القذافي. بيد أن زعماء مدنيين في إقليم برقة في شرق ليبيا أكدوا أمس أن الدعوة إلى نظام فيدرالي «محاولة للحيلولة دون تقسيم ليبيا أو انفصال أي إقليم»، مع العلم أن هذه المنطقة تحتوي على غالبية نفط البلاد. وجاء في الاعلان ان الاقليم يريد نظاماً فيدراليا تتمتع من خلاله الاقاليم التاريخية برقة وفزان وطرابلس بقدر كبير من الاستقلال عن حكومة طرابلس

فيما كان سكان مدينة مصراتة أمس يستذكرون مرور عام كامل على أول معركة انتصر فيها شباب المدينة على كتائب العقيد الراحل معمر القذافي، كانت الأعين تترقب دعوة أطلقها بعض من طالبوا بالفيدرالية كخيار لنظام الحكم في ليبيا، قبل أن يعقدوا أمس في بنغازي مؤتمراً أعلنوا فيه تأسيس مجلس برقة.

لقد خرج مؤتمر برقة ببيان ختامي لسكان الاقليم لخّص في نقاط ثمان أهم قرارات المؤتمرين، الذين قرروا إضافة إلى المطالبة بالفيدرالية تعيين أحمد الزبير السنوسي رئيساً للاقليم، واعتماد دستور الاستقلال الصادر في عام 1951 منطلقاً، مع رفض الاعلان الدستوري وتوزيع مقاعد المؤتمر الوطني وقانون الانتخاب.
اعلان الاقليم وتعيين السنوسي رئيساً له (أقدم سجين في العالم، حسب تقديرات منظمة العفو الدولية، عضو في المجلس الوطني الانتقالي) دفعا بالعشرات في عدة مدن ليبية، بينها طبرق ودرنة والبيضاء وبنغازي وأجدابيا، وهي مدن تتبع الاقليم جغرافياً، إلى الخروج في تظاهرات حملت شعارات ترفض إعلان الإقليم، معتبرين إعلان الفيدرالية بمثابة أول مسمار يُدق في نعش وحدة ليبيا.
وأمام مخاوف التهميش في الشرق، وكابوس التقسيم في الغرب، لم يأخذ الكثيرون في ليبيا دعوة القلة إلى الفيدرالية على محمل الجد عند ظهورها إلى العلن قبل أسبوعين في خبر اذاعته احدى المحطات الفضائية، حتى أن البعض صنف الخبر في خانة أخبار كاذبة كثيرة سبقته، فيما رآه البعض الآخر فقاعة اعلامية، إلا أن الأيام القليلة التي سبقت موعد المؤتمر شهدت تصاعد وتيرة الدعوة، التي يعتبرها البعض طوق نجاة للتخلص من تهميش مقيت عانته مدن الشرق في ظل مركزية تفرض عليهم تبعية لطرابلس (الغرب).
في مقابل ذلك، قابل أهالي الغرب هذه الدعوات برفض شرس بحجة تقسيم التراب الليبي جغرافياً وسيطرة أهل برقة على موارد النفط الليبي، والتي تعتبر ثروة سيادية لكل الليبيين، حسبما ذكر البعض.
وأمام هذا المشهد، ما كان من رئيس المجلس الوطني الانتقالي مصطفى عبد الجليل الا التذكير بنضال أهل ليبيا من أجل وحدة التراب الليبي، محذراً من مخاطر الإرث الذي خلفه النظام السابق. واعتبر تشكيل مجلس برقة أمراً خطيراً يهدد الوحدة الوطنية لليبيا وبداية لمؤامرة على ليبيا والليبيين»، محملاً أطرافاً عدة مسؤولية ما حدث في بنغازي. كما وجّه اتهامات لدول عربية مجاورة بالوقوف وراء مؤتمر برقة ودعمه وتمويله، داعياً الليبيين إلى الوقوف مع المجلس الوطني الانتقالي لبناء دولة تتلاشى فيها المركزية.
وتحدث عدد من الليبيين عن إعلان برقة، إذ رأى الكاتب الصحافي الليبي، عبد الله الكبير، أنه يزيد من الصعوبات في المرحلة الراهنة «لعل المطالبة بالفيدرالية في الوقت الراهن تدفع بالأمور لتتطور في طريق التقسيم، وربما سنسمع دعوات أخرى لمجموعات ومناطق أخرى تطالب بذات المطالب، وربما تدعو مجموعات متطرفة من التبو إلى مؤتمر يخرج بنفس النتائج». ويشير الكبير الى أنه «بسبب سيطرة ميليشيات من الزنتان ومصراتة على العاصمة ونفوذهم فيها، يخشى المطالبون بالفيدرالية من أن يجدوا أنفسهم خارج اللعبة وسط تنامي نفوذ هاتين المنطقتين». الكاتب الليبي يشدد على أن «ليس من حق من اجتمعوا في مؤتمر برقة تحديد نظام الحكم السياسي في ليبيا». ويدعو الى ضرورة الاحتكام إلى استفتاء «يشارك فيه سكان الإقليم ليكون الفيصل في شرعية المطالبين بالفيدرالية من عدمها».
من جهته، يرى مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني الفيدرالية «بداية التقسيم، والتقسيم يؤدي حتماً إلى الخلاف، ويفتح الباب للنزاع على أشياء كثيرة منها: مصادر الثروات، وهذا هو الذي يريده الأعداء».
لكن رغم الواقع الحالي هناك من هو مطمئن، فالكاتب والناشط السياسي الليبي، الحبيب الأمين، يرى أن الاعلان «لا يمثل إلّا من كتبه ووافق هواه وغرضه وهم قلة من العاطلين من الدور بزمن الثورة ومريدي إعادة التموضع بعد قيامها لكونهم من مريدي النظام البائد وسرّاق المال العام». ويرى أن هؤلاء يتخوفون من إبعادهم عن الساحة اذا ما نجحت الثورة في أهدافها، «والتي ستلغي الواجهات الفاشلة من هؤلاء ومن معهم من فلول وأعوان النظام السابق». ويرى أن الأزمة الحالية «أزمة طبيعية أعقبت الخروج من الحرب والاختلال الموجود منطقي ومتوقع ولا يتعدى كونه اجراءً ضعيفاً لإعادة تدوير عجلة البلاد».
بدوره، يعتقد الصحافي والناشط السياسي أبوبكر البغدادي، أن غياب طرابلس عن المشهد هو ما سبب قصم ظهر ليبيا. ويرى أن «العاصمة الليبية قصّرت عن أداء دورها كعاصمة، وغابت عن الثورة تماماً، فطرابلس لم تثر على إداراتها التي هي إدارات الدولة، ولم تنف خبثها كما فعلت المدن الليبية الأخرى الأقل أهمية، طرابلس لم تعش أيام الثورة كما ينبغي، ثوار طرابلس لم يقوموا بالدور المنوط بهم، وخلدوا للدعاية والأمن، فيما عاث المفسدون الذين يسيطرون على مفاصل الدولة فساداً في المؤسسات والوزارات، بعدما شكّلوا لوبيات ضغط جعلت من الوزارات مرتعاً لهم».
وبحسب البغدادي فدعاة الفيدرالية «انفصاليون، لا شك، وإعلانهم بالشكل المزري الذي عرضته الشاشات، وسوّقت له القنوات، أمر مخجل ومستفز، هؤلاء يساومون على مكاسب، فإما أن تُعطى لهم، وإما فإنهم سيقسّمون البلاد، وأنا وبعدي الطوفان، حفنة لا يمثلون أي نسبة من الشارع الليبي ولا حتى في بنغازي نفسها، بضع مئات يعلنون فيدرالية! أي نكتة هذه؟». ويثق البغدادي في فشل ما دعا إليه مؤتمر برقة «واثق من فشل المشروع، وما أزعجني هو أحمد الزبير السنوسي، فقد أثبت أنه أقل من عادي، بعدما كنا نظنه من الرجال المحترمين».
وبقي لسان حال الليبيين كما جاء في احد شعارات الرافضين للفيدرالية: «لا للفيدرالية، ليبيا وحدة وطنية».

(الأخبار)