دير شبيغل تروي حكاية بابا عمرو على لسان "سيافها"

تمكنت أولريكه بوتس مراسلة الصحيفة الألمانية "دير شبيغل" بتاريخ 26 من شهر آذار من لقاء المسؤول عن تنفيذ عمليات الإعدام في بابا عمر عندما كان المسلحون يسيطرون عليها. وذلك في إحدى مشافي طرابلس. وكشفت "أولريكه بوتس" عن الوجه الآخر لـ"الثورة" الذي قلما تطرقت إليه وسائل الإعلام الغربية . ويكشف التحقيق ، الذي جاء تحت عنوان " جلاد (أو سيّاف) باباعمرو"، عن ممارسات إجرامية مشينة لـ"الثوار" بحق المخطوفين من المدنيين والعسكريين، وعن إنشائهم "كتيبة للدفن" وأخرى للتحقيق أو الاستجواب ، ومقبرة خاصة بمن يقتلونهم . وتنقل المراسلة عن أحد أبرز "السيافين" قوله إن عمليات القتل تجري ذبحا بالسكاكين ، وإن 20 بالمئة من المخطوفين جرى ذبحهم بهذه الطريقة ، أي أكثر من مئتي ضحية من أصل حوالي 600 مخطوف!

جلاد "بابا عمرو"

في عاصمة الثورة السورية حمص يضع الثوار قوانينهم بأنفسهم. ثمة محاكم ميدانية وكتائب من الجلادين. أحد هؤلاء الجلادين هو حسين الذي تتمثل مهمته في ذبح الجنود النظاميين المأسورين. قصة ثورة فقدت براءتها

تقرير أولريكه بوتس، بيروت

لا يكاد حسين يتذكر المرة الأولى. كانت في مقبرة وكان الوقت عصرا أو مساء. لم يعد يعلم بالضبط. لكن المرة الأولى على أية حال كانت حوالي منتصف أكتوبر/ تشرين أول الماضي والرجل الذي قتله حسين كان شيعيا بالتأكيد. اعترف الرجل، وفقاً لكلام حسين، أنه قام بقتل نساء محترمات لأن رجالهن وأبناءهن شاركوا في الاحتجاجات ضد بشار الأسد. يستحق الرجل الذي كان جنديا في الجيش النظامي الموت إذاً!

لم يلق حسين بالا إلى احتمال أن تكون اعترافات الجندي قد جاءت تحت التعذيب ، ولا إلى خوف الموت في عيون ضحيته التي كانت تردد الصلوات. إنه سوء الحظ الذي أوقع الجندي في أيدي المتمردين. أخذ حسين سكينه وذبح الجندي من الوريد إلى الوريد. بعد ذلك قام رفاق حسين مما يسمى بـ" كتيبة الدفن" بدفن الجثة الغارقة بالدماء كيفما اتفق في رمال المقبرة الواقعة إلى الغرب من بابا عمرو، الحي الذي كان آنذاك تحت سيطرة المتمردين في عاصمة الاحتجاجات حمص.

بإعدامه الجندي اجتاز حسين "معمودية النار" وأصبح واحدا من "كتيبة الدفن" في حمص. أعضاء الكتيبة الذين لا يتجاوز عددهم بضعة أفراد يقتلون باسم الثورة السورية. أما التعذيب فيدعه أعضاء الكتيبة لآخرين: "لدينا كتيبة اسمها (كتيبة الاستجواب)، هذه الكتيبة تنجز الجانب القذر من العمل"، يقول حسين الذي يتلقى العلاج حاليا في مستشفى في مدينة طرابلس اللبنانية بعد إصابته في ظهره في الهجوم البرّي الذي شنّه الجيش السوري على بابا عمرو.

يتماثل حسين للشفاء في لبنان الذي يشعر فيه بالأمان ويتوق إلى العودة وإلى "متابعة العمل" الذي يعتبره عملا نظيفاً نسبياً. "يستطيع كثير من الرجال ممارسة التعذيب، لكن قلة قليلة فحسب قادرة على ممارسة القتل باليد"، يروي حسين ويضيف: "لا أعلم لماذا، لكن القتل باليد لا يمثل مشكلة بالنسبة إليّ. هذا ما جعل رفاقي يوكلون لي وظيفة الجلاد الذي ينفذ الحكم. هذه وظيفة لا يقدر عليها إلا مجنون مثلي".

كان حسين قبل أن ينضم إلى "كتيبة الفاروق" في بابا عمرو في أغسطس /آب الماضي يعمل كتاجر. يقول الشاب البالغ 24 عاما من العمر: "كنت أتاجر بكل شيء من البورسلان إلى الألبان".

كيف فقد الثوار براءتهم

الاحتجاجات التي سالت فيها دماء كثيرة مستمرة منذ عام ضد نظام الرئيس الأسد. وتُظهر قصة حسين كيف أن المتمردين أيضا فقدوا براءتهم في هذه الفترة. ثمة أسباب كثيرة لذلك، أسباب يسردها حسين كمن يحفظها عن ظهر قلب: "لم يعد ثمة قانون في سوريا. يقوم الجنود والشبيحة (بقتل الرجال وتشويه الأطفال ....) حسب قوله . إذا لم نتحرك نحن فإن أحدا لن يحاسب هؤلاء على ما قاموا به"، يقول حسين ثم يضيف: "تم اعتقالي مرتين وعُذبتُ أنا أريد الانتقام بطبيعة الحال. ".

ويختتم حسين عباراته بالقول: "عندما يكبر الأطفال في فرنسا فإنهم يكبرون مع اللغة الفرنسية، لذا يتقنون لغتهم بعد ذلك. نحن السوريين تربينا على لغة العنف، لذا نحن لا نتحدث لغة غيرها".

رغم كل ما يسوقه حسين من أسباب لتبرير أخذ الحق باليد من قبل المتمردين ، فإن ما فعله في حمص يقع تحت طائلة ما أطلقت عليه منظمة "هيومان رايت ووتش" في تقريرها الأخير وصف "إساءات بالغة لحقوق الإنسان من قبل المتمردين السوريين". لا يُخفي حسين ورفاقه الموجودون للعلاج في مستشفى طرابلس "ويؤكد حسين :نحن الثوار نحاول حماية الشعب ونحارب الجزارين. نحن نقاتلهم بشدة أينما التقيناهم"، يقول رفيق لحسين اسمه الحركي أبو رامي..

"الإمساك بالكلاب"

تحولت حمص خلال عام من الأحداث إلى عاصمة للثورة. وحتى قبل أسابيع قليلة مضت كان المتمردون يسيطرون على أحياء كاملة في المدينة، أهمها حي بابا عمرو الذي اجتاحته القوات الحكومية في بداية شهر آذار/ مارس الجاري. ولينتقل بعدها القتال بين المتمردين والقوات الحكومية إلى حي الخالدية المجاور.

بحسب أبو رامي وحسين ، فإن جهاز القضاء البديل الذي أنشأه المتمردون في حمص في الخريف الماضي لا يزال قائماً ويمارس عمله حتى اليوم، وعند الإمساك بمؤيدي النظام فهم يمثلون أمام محكمة ميدانية يرأسها "أبو محمد" قائد المتمردين في حمص ويساعده أبو حسين رئيس لجنة التنسيق. يضيف حسين: "أحياناً تضم لجنة المحاكمة المزيد من الرجال". تقوم "كتيبة الاستجواب" بتقديم تقرير عن اعترافات المتهمين لديها، وغالباً ما تكون بحوزة هؤلاء لقطات فيديو على هواتفهم الخليوية تثبت الفظائع التي مارسوها ضد المتمردين، وفق ما يقوله حسين. "هنا تتأكد بسرعة حقيقة أنهم مذنبون". في حال إدانة السجناء يتم تسليمهم إلى "كتيبة الدفن" التي تقودهم إلى حديقة أو مقبرة. وعندها يأتي دور حسين مع سكّينه.

قام حسين حتى الآن بذبح أربعة رجال فحسب. وهذا يجعله الأقل خبرة في مجموعة "السيافين" في حمص، الأمر الذي لا يبدو أن حسين راضياً عنه. ويقول مبرراً ذلك: "جُرحت أربع مرات في الأشهر السبعة الماضية، وغبت طويلاً عن القتال". بالإضافة إلى ذلك، كانت لديه واجبات أخرى. يقول مضيفاً: "كنت مسؤولاً عن استخدام رشاش ثقيل من نوع BKC. ولذا قتلت عدداً كبيراً من الرجال بالرصاص، أما الذين ذبحتهم بالسكين فهم أربعة فقط". يقول حسين إن هذا الأمر يجب أن يتغير قريباً: "آمل أن أغادر المشفى في الأسبوع القادم وأن أتمكن من العودة إلى حمص لأمسك مجددا بالكلاب وأذبحهم".

هل كانوا جميعاً مذنبين؟ هل كانت المحاكمة عادلة؟ لا شك في ذلك!؟

يقول أبو رامي رفيق حسين: "بدأ المتمردون في حمص عمليات الإعدام بانتظام بدءا من شهر آب/أغسطس من السنة الماضية . وذلك بعد فترة قصيرة من تصاعد الصراع في البلاد. في بدلته الرياضية يبدو أبو رامي مريضاً عادياً يقضي فترة النقاهة في المستشفى. لكن" أبو رامي" عضو بارز في الجماعات المقاتلة في حمص. المتمردون السوريون الآخرون في المستشفى يظهرون الاحترام حين يحيونه ويصغون بانتباه حين يبدأ بالكلام.

يقول أبو رامي: "منذ الصيف الماضي أعدمنا 150 رجلاً، أي حوالي 20 بالمئة فحسب من الأسرى الذين كانوا لدينا. أما أولئك الذين لا تتم إدانتهم ولا يحكم عليهم بالموت، فتجري مقايضتهم بالمتمردين أو المتظاهرين الذين يعتقلهم الطرف الآخر". وثمة عمل إضافي يقع على عاتق مجموعة "السيافين" يأتي من صفوف المتمردين أنفسهم. يقول أحد المقاتلين: "عندما نضبط سنياً يتجسس علينا أو عندما يقوم أحدهم بخيانة الثورة، فإننا نقوم باجراء محاكمة سريعة". وبحسب "أبو رامي" فإن "كتيبة الدفن" التي يعمل فيها حسين قامت بإعدام 200 إلى 250 خائناً وعميلا منذ بداية التمرد.

ليس لدى "أبو رامي" أدنى شك في أن جميع الذين تم إعدامهم كانوا مذنبين فعلا، ولا يشك في عدالة المحاكمة التي نالوها. ويضيف قائلاً: "نبذل كل جهد للتأكد بدقة من التهم الموجهة لمن تتم محاكمتهم، ونحكم ببراءة البعض أحياناً. كل الثورات دموية. هذه طبيعة الأشياء. سوريا ليست بلداً لأصحاب المشاعر الحساسة."
(الديار)