التحدي الذي يواجه بشار الأسد

فهو للمرة الأولى منذ توليه الحكم في العام 2000 يجد أمامه الفرصة الوحيدة ليثبت سلطته تجاه مراكز القوى المناوئة ويظهر أنه حاكم سورية الفعلي.
فالمجتمع الدولي والرأي العام في البلاد يدفعانه وإن بصور مختلفة لأن يحزم أمره. إنهما يشجعانه على القيام بـ «حركة تصحيحية ضد كبار المتنفذين غير المنضبطين في النظام بما في ذلك رجال مقربون منه، تماماً كالحركة التي جاءت بوالده حافظ الأسد إلى الحكم قبل 35 عاماً.
فالخيار أمام الرئيس بشار واضح، فهو إما أن يعلن بأن سورية بريئة من اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري وأن الاتهامات الواردة في تقرير ميليس باطلة وذات دوافع سياسية، أو أن يعترف بأن هناك أخطاء ارتكبت فيقوم بحملة تطهير تنال كبار المسؤولين الأمنيين الواردة أسماؤهم في التقرير.
إذا اختار الموقف الأول فإن ذلك سيؤدي لا محالة إلى عزل النظام وتعريضه لمجموعة من العقوبات بما في ذلك تجميد أرصدة كبار أركانه ومنع السفر بل ربما إلى إصدار مذكرات توقيف دولية. في هذه الحال يهتز استقرار سورية وتتعرض في موقفها الضعيف هذا لمحاولات من جانب أعدائها لتغيير النظام.
أما اختيار الموقف الثاني فسيؤدي، على العكس، إلى دعم استقرار البلاد والمنطقة ويعود على الرئيس بشار فوراً بدعم داخلي ودولي.
لكن بشار يحتاج في معالجة أزمة بهذه الخطورة إلى قدرات غير عادية من الشجاعة والحنكة. فلا شك أنها أصعب فترة يواجهها منذ توليه السلطة. وبالإضافة إلى ذلك هنالك ضغط قوي عليه كي يتصرف بسرعة. فالأرجح أن الفرصة متاحة للعمل خلال الأسابيع القليلة المقبلة قبل أن يحين موعد تقديم تقرير ميليس الذي منحته الأمم المتحدة مهلة حتى 15 كانون الأول (ديسمبر) المقبل لاستكمال تحقيقاته وتقديم تقريره بصيغته النهائية المفصلة. وسيتمتع الرئيس بشار خلال هذه الفترة المحددة بنوع من حرية المناورة وذلك للأسباب الآتية:
- أولاً: على رغم أن التقرير أكد خلافه مع رفيق الحريري إلا أنه لم يخلص إلى اتهامه بأن له دوراً في الجريمة.
- ثانياً: طالب أعضاء في مجلس الأمن سورية بأن تقوم بالتحقيق في الجريمة وقبلت سورية ذلك. وهذه إشارة واضحة من جانب المجتمع الدولي تدفع الرئيس بشار للعمل.
- ثالثاً: تظاهر عشرات الآلاف من المواطنين في شوارع دمشق وحلب وغيرهما من المدن السورية تأييداً لبشار. ولم يكن واضحاً ما إذا كانت هذه التظاهرات منظمة من جانب الأجهزة الأمنية أو حزب البعث أو رجال بشار نفسه فالرسالة كانت واضحة: الرأي العام يريد من الرئيس أن يتصرف بحزم لحماية البلاد من الأعداء في الخارج ومن العناصر السيئة في الداخل.
- رابعاً: حتى ما يسمى بـ «المعارضة الوطنية» مستعدة لتأييد بشار تجاه الضغوط الخارجية وبخاصة الأميركية، إذا ما تعهد القضاء على الفساد والإجرام وضبط الأجهزة الأمنية وفسح مجال أوسع لنشطاء الحقوق المدنية.
- خامساً: لعل العامل الأهم الذي يلعب دوراً لصالح بشار هو الدعم الذي يبدو أنه يتمتع به من جانب قادة فرق الآليات والمدرعات في الجيش ومن جانب نخبة الحرس الجمهوري. ومن أبرز العناصر الموالية له مناف طلاس الضابط الكبير في الحرس الجمهوري وابن وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس.
الجيش السوري منظمة محاطة بالسرية التامة. وأسماء الضباط ذوي النفوذ والقوة تكاد تكون مجهولة تماماً. ويعتبر الجيش حارساً للشرعية في البلاد. وقادته لم يرد ذكر لأي دور لهم في تقرير ميليس، وقد استجابوا لأوامر السلطة السياسية ونفذوها بالانسحاب من لبنان. وهم اليوم أصحاب دور كبير في الدفاع عن مؤسسات الدولة بما فيها الرئيس نفسه.
ويعتقد المراقبون للمشهد السوري أن تأييد هؤلاء الضباط يتيح للرئيس أن يواجه أخاه ماهر الذي يقود وحدة عسكرية قوية هي اللواء الرابع الذي يسيطر على كل مداخل العاصمة. وإذا ما حصلت مواجهة بين الأخوين فسيكون ذلك تكراراً لسابقة وقعت عام 1984 بين حافظ الأسد وشقيقه رفعت الذي كان آنذاك على رأس وحدة عسكرية قوية تسمى «سرايا الدفاع». وقد انتهت تلك المواجهة لصالح حافظ وذهب رفعت إلى المنفى.
إنها لفترة شديدة الميوعة بالنسبة الى الشؤون السورية. فالموقف الراهن يتعذر الدفاع عنه والبلاد تتوقع مواجهة بين القوى المتصارعة. وفي المواقف الصعبة كهذه يميل الناس إلى أن ينأوا بأنفسهم فلا ينحازون لطرف ما. واللافت أن القيادة القطرية التي انتخبت إثر مؤتمر الحزب في مطلع الصيف لم تصدر حتى الآن أي بيان لتأييد الرئيس الذي هو في الوقت نفسه الأمين العام للحزب.
هنالك لغز يحيط بموقف وزير الخارجية فاروق الشرع. فمن جهة سرت إشاعة بأنه لم يذهب إلى مكتبه خلال الأيام الأخيرة، ومن جهة أخرى ألغي موعد اجتماع كان يفترض أن يعقد بينه وبين كوفي انان في نيويورك هذا الأسبوع. يذكر في هذا الصدد أن تقرير ميليس اتهم الشرع بتقديم معلومات كاذبة.
ومن ناحية أخرى لم يعد سراً أن هناك انقساماً حاداً بين أجهزة الأمن والمخابرات التي هي في صلب قضية الحريري. فقد ورد اسم صهر الرئيس اللواء آصف شوكت رئيس المخابرات العسكرية، في تقرير ميليس. وجاء انتحار أو مقتل اللواء غازي كنعان وزير الداخلية ليشير إلى وضع شديد التوتر بين رجال النظام الأقوياء.
أما على الصعيد الدولي فقد يشعر الرئيس بشار بشيء من الارتياح وهو يشهد الشرخ الذي بدا في الموقفين الأميركي والفرنسي من سورية. فمصلحة فرنسا الأساسية هي، كما يبدو، الوصول إلى الحقيقة في موضوع اغتيال الحريري وحماية لبنان من أي تدخل أو تشويش سوري. غير أنها حذرة جداً من شعار «تغيير النظام» وذلك على رغم شعور النقمة الشخصية الواضح لدى الرئيس جاك شيراك إزاء الرئيس بشار.
ومن الواضح أن فرنسا لا تتفق مع الأجندة الأميركية الواسعة النطاق والتي ترمي إلى استخدام أزمة اغتيال الحريري للضغط على سورية كي تغير سياساتها الإقليمية. فواشنطن تريد بشكل خاص من سورية أن تمنع أي مساعدات من الوصول إلى المقاومة في العراق عبر حدودها. وهي تريد أيضاً من سورية أن تتخلى عن تحالفها مع إيران وحزب الله الذي طرد القوات الإسرائيلية من لبنان عام 2000 والذي يعتبر أفضل رادع ضد أي عدوان إسرائيلي. وأخيراً إنها تريد من سورية أن تضع حداً لتأييدها للفصائل الفلسطينية المتطرفة.
ولقد قامت أميركا ومندوبها المماحك لدى الأمم المتحدة السفير جون بولتون بحملة ضغط من أجل فرض عقوبات آلية على سورية إذا لم تتعاون كلياً مع التحريات المقبلة التي سيقوم بها القاضي ميليس. وأما الموقف الفرنسي فيقول إن موضوع العقوبات يجب إرجاؤه كي يمنح الرئيس بشار الفرصة لإظهار حسن نياته وما يمكن أن يقوم به من إجراءات إصلاحية في الأسابيع المقبلة.
وإذا ما نظر السوريون إلى العواقب الوخيمة لجريمة اغتيال الحريري فانهم سيجدون أن هناك ظلماً كبيراً قد لحق ببلادهم وبالعرب بصورة عامة. فإسرائيل تغتنم الفرصة كي تقتل خصومها من السياسيين الفلسطينيين بصورة تكاد تكون يومية. وأميركا وحليفتها بريطانيا مدانتان بشن حرب غير قانونية أدت إلى مجازر كبرى ودمار شامل ونهب ثروات العراق.
فأين صيحات الاحتجاج العالمية ضد هذه الجرائم؟ ولماذا تكون سورية وحدها في قفص الاتهام؟ وهل هناك مثال صارخ أكثر من هذا على الكيل بمكيالين على الصعيد الدولي؟