حل شفرة كود الحياة

إن دراسة جينات مختلف الكائنات ستقدم إجابات

عن بعض أهم الأسئلة الغامضة عن الحياة.

<S.F. كولينز> ـ <G.K. جيگاليان>








عندما ينظر المؤرخون إلى الوراء في هذا المنعطف من الألفية الجديدة، فإنهم سيلاحظون أن الاختراق العلمي الرئيسي لهذا العصر يتجسد في تعرف التفاصيل الدقيقة للتعليمات الجينية التي تشكل حياة الإنسان. فمشروع الجينوم (المجين) البشري ـ الذي يهدف إلى وضع خريطة لكل جينة، وتهجئته حرفًا فحرف لشريط الحياة (الدنا DNA) ـ سيؤثر في كل فرع من فروع البيولوجيا (علم الحياة). وسوف تُجيب السَّلْسَلَة الكاملة لدنا الإنسان وكائنات أخرى يتزايد عددها باستمرار، عن تساؤلات كثيرة مهمة؛ مثل كيف نشأت الكائنات؟ وما إذا كانت الحياة التركيبية synthetic life ستغدو ممكنة في يوم ما؟ وكيف يُعالَج نطاق واسع من الاضطرابات الصحية؟



يولّد مشروع الجينوم البشري قدرا من البيانات الجديدة التي لم يسبق لها مثيل في البيولوجيا. إن قائمة بسيطة من وحدات الدنا، التي تسمى القواعد (الأسس) وتؤلف الجينوم البشري، يمكن أن تملأ 200 دليل هاتف ـ حتى من دون حواشٍ تفسيرية تصف وظيفة تسلسلات الدنا هذه. وفي ربيع العام 2000 أُنجزت مسودة تمثل 90% من تسلسل الدنا الكلي للإنسان، أما التسلسل الكامل فمن المتوقع التوصل إليه عام 2003. ولكن ذلك سوف يكون مجرد هيكل عام يحتاج إلى العديد من الحواشي التفسيرية ليصبح ذا معنى. وسوف يتم جني ثمار هذا العمل المرجعي من خلال فهم الپروتينات التي تكوِّدها الجينات.



والپروتينات لا تشكل فقط البناء التركيبي للجسد البشري، وإنما تشمل أيضًا الإنزيمات التي تقوم بالتفاعلات الكيميائية الحيوية اللازمة للحياة. وتتكون الپروتينات من وحدات تسمى الحموض الأمينية، يرتبط بعضها ببعض في سلسلة طويلة، وكل سلسلة تنطوي folds بطريقة تحدد وظيفة الپروتين. ويُحَدِّد تتاليَ الحموض الأمينية تسلسلُ قواعد الدنا في الجينة التي تكود الپروتين المعني، وذلك من خلال وسائط تسمى الرنا RNA. والجينات التي تنشط لتصنع الرنا يقال إنها جينات مُعبَّر عنها.



لا يسعى مشروع الجينوم البشري فقط إلى تقصي جميع الپروتينات المنتَجة داخل جسم الإنسان، ولكنه يهدف أيضًا إلى فهم كيف يُعبَّر عن الجينات التي تكوِّد الپروتينات، وكيف تُقارَن تسلسلات دنا تلك الجينات بجينات مشابهة لأنواع أخرى، وكيف تتباين الجينات داخل نوعنا البشري، وكيف تترجَم تسلسلات الدنا إلى خصائص يمكن ملاحظتها. وسوف تكشف أكداس المعلومات المتأتية من سَلْسَلة الدنا عن المعرفة التي تنطوي عليها بنية هذا الحمض. وسوف تدعم هذه المعلومات تَقدم البيولوجيا، على الأقل في القرن الحالي. وبفضل طبيعة المعرفة، فإننا كلما تعلمنا أكثر ازدادت قدرتنا على الاستقراء والافتراض والفهم.



ونعتقد أنه بحلول عام 2050، سوف يستطيع علم الجينوميات genomics الإجابة عن الأسئلة الأساسية الآتية:

. هل يمكن التنبؤ بالبنى الثلاثية الأبعاد للپروتينات من خلال تسلسلات حموضها الأمينية؟

يُعتقد أن القواعد التي تشكل الجينوم البشري (ويبلغ عددها ستة بلايين) تكود ما يقرب من مئة ألف پروتين. ومع أن تسلسل الحموض الأمينية في الپروتين يمكن أن يترجَم بخطوة بسيطة من تسلسلات دنا الجينة، فإننا لا نستطيع في الوقت الحالي توضيح شكل پروتين ما على أسس نظرية بحتة. وكذلك يمكن لتحديد البنية الثلاثية الأبعاد تجريبيًّا أن يكون عملاً مجهدًا جدًّا. ومع ذلك، فإن بنية الپروتين هي بنية تم الحفاظ عليها ـ أي حُفظت كما هي تقريبًا خلال مراحل التطور ـ بصورة أكثر بكثير مما حفظ به تسلسل حموضه الأمينية. والكثير من تسلسلات الحموض الأمينية المختلفة يمكن أن تقود إلى پروتينات ذات أشكال متشابهة، وعلى ذلك فإننا يمكن أن نستدل على البنى الثلاثية الأبعاد للپروتينات المختلفة من خلال دراسة مجموعة فرعية ممثلة لهذه الپروتينات.



وقد وَضَعت حديثا مجموعة دولية من علماء البيولوجيا البنيوية structural biologists برنامجًا عرف بمبادرة بنية الپروتين Protein Structure Initiative لتنسيق الأعمال فيما بينهم. و«يحل» solve علماء البيولوجيا البنيوية شكل الپروتينات، إمَّا من خلال صنع بلورات نقية جدا من پروتين ما ومن ثم قذف هذه البلورات بالأشعة السينية، أو من خلال دراسة الپروتين بتحليل طيف الرنين المغنطيسي النووي nuclear magnetic resonance (NMR). إن كلتا التقنيتين مكلفتان وتستغرقان وقتا طويلا. ويعتزم أصحاب هذه المبادرة الحصول على أقصى قدر من المعلومات من كل بنية جديدة باستعمال المعرفة المتوافرة عن البنى ذات الصلة من أجل جمع الپروتينات في عائلات تتشارك على الأرجح في السمات الهندسية المعمارية نفسها. وبعد ذلك، يخطط أعضاء المبادرة لاستهداف پروتينات ممثلة لكل عائلة لدراستها بالتقنيات الفيزيائية المجهِدَة(1).



ومع تضخم كتالوگ البنى التي جرى تعرفها، ومع قيام العلماء بتطوير مخططات مشذبة لتجميع بنى الپروتينات في خلاصة وافية من الأشكال الأساسية، فإن الكيميائيين الحيويين سوف يكونون أكثر قدرة على استخدام أجهزة الحاسوب لنمذجة الپروتينات المكتشفة حديثًا أو حتى تلك المبتكرة كليًّا. ويتصور علماء البيولوجيا البنيوية وجود نحو 1000 صورة أساسية motif لطريقة طي الپروتين. وتقترح الطرز الحالية أن معرفة 3000 إلى 5000 فقط من البنى المختارة، إضافة إلى ما هو معروف منها فعلاً، ستتيح للباحثين استنتاج بنى الپروتينات الجديدة على نحو روتيني. ومع قيام إخصائيي البيولوجيا البنيوية بتعرف ما يزيد على 1000 بنية پروتينية كل عام، ومع تقدمهم المتسارع، فإنهم سوف يكونون قادرين على إكمال قائمة الجرد في وقت لن يتأخر كثيرا عن تاريخ الانتهاء من سَلْسَلة الجينوم البشري نفسه.



. هل يمكن إنتاج أشكال تركيبية للحياة؟

بينما يعمل بيولوجيو البنية على تصنيف الپروتينات لأهداف عملية تتمثل في تعرف البنى على نحو فعال، فحقيقة أن الپروتينات قابلة ـ بدرجة كبيرة ـ للتصنيف تتواءم مع المعنى البيولوجي. وهذا يعكس كيفية نشوء الحياة على الأرض، ويفتح الباب لتساؤلات جوهرية لفهم ظاهرة الحياة نفسها: فهل هناك مجموعة من الپروتينات العامة تتشارك فيها الكائنات الحية كلها؟ وما العمليات الكيميائية الحيوية المطلوبة للحياة؟

من خلال جينومات عديدة جرت سَلْسَلتها فعلا ـ أغلبها من البكتيريا ـ بدأ العلماء بجرد قوائم الجينات التي جرى الحفاظ عليها في هذه الكائنات، مسترشدين بالسؤال الكبير عما تتكون منه الحياة، على الأقل على مستوى خلية مفردة.





يحتوي الجينوم البشري على جميع التعليمات الكيميائية الحيوية اللازمة لصنع الكائن البشري وللحفاظ عليه،

وذلك على شكل توليفات من قواعد (أسس) الدنا G ،C ،T ،A.




وإذا كان الباحثون يتوقعون في غضون سنوات قليلة تجميع دليل دقيق يضم المنتجات الجينية ـ من الرنا ومن الپروتينات ـ المطلوبة للحياة، فإنهم قد يوفقون في صنع كائن جديد من لا شيء بربط قواعد الدنا معًا في جينوم مبتكر يكود منتجات مبتكرة. فإذا استطاع ذلك الجينوم المبتكر تكوين خلية حوله وتوالدت الخلية توالدا صحيحا، فإن هذه المحاولة ستبرهن على أننا قمنا بحل شفرة الآليات الأساسية للحياة. وستطرح هذه التجربة أيضًا أمورًا تتعلق بالسلامة والأخلاق والدين، وهي قضايا لا يمكن إغفالها أبدًا.



. هل سنكون قادرين على بناء نموذج حاسوبي لخلية تحتوي جميع المكونات، وعلى تعرف التآثرات الكيميائية الحيوية كلها، وعلى التنبؤ بدقة بما ستستجيب هذه الخلية لدى تنبيهها بمنبه ما؟

في الخمسين عاما الماضية غالبا ما كانت بحوث البيولوجيا تركز على جينة معينة أو پروتين مفرد. وفي الخمسين عاما القادمة سوف ينتقل الباحثون إلى دراسة الوظائف المتكاملة لجينات كثيرة، ولشبكة التآثرات بين مسارات الجينات، وكيف تؤثر المؤثرات الخارجية في المنظومة.



وبطبيعة الحال، فإن البيولوجيين طالما حاولوا وصف الكيفية التي تتآثر وفقها مكونات الخلية. فمثلا، كيف تترابط الجزيئات المسماة عوامل الانتساخ بقطع نوعية صغيرة من الدنا لتتحكم في التعبير الجيني، أو كيف يترابط الأنسولين بمستقبله على سطح خلية عضلية ويستثير سلسلة من التفاعلات داخل الخلية تُنشّط في النهاية عددا من نواقل الگلوكوز في غشاء الخلية. ولكن مشروع الجينوم البشري سوف يحث على إجراء تحاليل مشابهة لآلاف الجينات ومكونات الخلية دفعة واحدة. وخلال النصف الأول من القرن الحالي ـ مع تعرف الجينات كافة، وكذلك التآثرات والتفاعلات الخلوية كلها ـ قد يتحول مختصو علم الأدوية الذين يطورون دواء معينا، أو مختصو علم السموم الذين يحاولون التنبؤ بحقيقة سميةِ مادة ما، إلى نماذج حاسوبية للخلايا للإجابة عن تساؤلاتهم.



. هل ستتضح التفصيلات التي تبين كيف تُحدِّد بوساطتها الجيناتُ تنامي جنين الثدييات؟

مع أن القدرة على وضع نموذج لخلية مفردة سوف تكون مثيرة للإعجاب، فيجب أن نأخذ في الحسبان ـ بكل وضوح ـ مستويات إضافية من التعقيد، إذا ما أردنا أن نفهم على نحو تام أشكال الحياة التي نألفها جيدا. وسوف يكون لزامًا علينا تفحُّص كيف تسلك الجينات وكذلك نتاجاتها في الزمان والمكان؛ أي في الأمكنة المختلفة من الجسم، وفي جسد يتغير على مدى الحياة. ولقد بدأ علماء البيولوجيا التطورية بمراقبة وقياس الكيفية التي تتباين وفقا لها جَميعات pools من المنتجات الجينية مع تنامي النسج، وذلك في محاولة لإيجاد النتاجات التي تحدد كل مرحلة من مراحل التنامي. ويستنبط العلماء الآن ما يسمى بمنظومات التعبير expression arrays التي تقوِّم آلاف النتاجات الجينية دفعة واحدة وتتعرف ما يعمل منها وما لا يعمل وما يتقلب منها في شدة تعبيره. إن تقنيات من هذا النمط ستلقي الضوء على كثرة من الجينات المرشحة لتوجيه التنامي ولوضع مخطط جسم الحيوان.



وكما حدث في الماضي، فإن الكائنات الطرازية(2) ـ مثل ذبابة الفاكهة دروسوفيلا والدودة الخيطية سينورابديتيس إليگانز Caenorhabditis elegans والفأر ـ سوف تظل الأدوات المفضلة المحورية في بحوث البيولوجيا التطورية. ومع انتهاء سلسلة جينوم سينورابديتيس إليگانز وقرب الانتهاء من سلسلة جينوم ذبابة الفاكهة، ومع تعرف السلسلة الكاملة للجينوم البشري عام 2003، وأيضًا مع احتمال اكتمال سلسلة جينوم الفأر خلال أربعة إلى خمسة أعوام، فإن مقارنات التسلسلات سوف تصبح أكثر شيوعًا وإتقانًا وسوف تعطي البيولوجيين مفاتيح كثيرة لتقصي القوى المؤثرة في إعطاء الحيوان شكله. ومع انخفاض كُلفة السَّلْسَلة، فإنه سيتم تعرف الكثير من الجينومات الكاملة التي تمثل فروعا متنوعة لشجرة التطور.



سوف يتحول الباحثون إلى دراسة شبكة التآثرات بين السبل

الجينية، وكيف تؤثر العوامل الخارجية في المنظومة.



وقد جهد علماء البيولوجيا التطورية حتى الآن للعثور على الإشارات العامة والمهمة في وضع مخطط جسم الحيوان وطريقة تراتب أطرافه وأعضائه. وعاجلاً أو آجلاً، سيصفون أيضًا التباينات ـ في تسلسل الجينات وربما في تنظيم عملها ـ التي تولد التنوع المدهش في الأشكال بين الأنواع المختلفة. ومن خلال مقارنة الأنواع، سنعرف كيف جرى تحوير الدارات الجينية كي تنفذ برامج متمايزة بحيث تشكل شبكات من الجينات تكاد تكون متكافئة، الأرجل الصغيرة المكسوة بالفراء في الفئران مثلا، والأذرع المنتهية بأصابع قابلة للتقابل في الإنسان.



. هل سيؤدي فهم الجينوم البشري إلى تحول في الطب الوقائي والتشخيصي والعلاجي؟

منذ وقت طويل، وعدت البيولوجيا الجزيئية بتحويل الطب من مجرد اكتشاف الأشياء مصادفة إلى سعي منطقي يعتمد على فهم جوهري لآليات الحياة. وبعد أن بدأت نتائجها تتغلغل في الممارسة الطبية، فإن الجينوميات genomics ستُسرع هذا التقدم. وخلال خمسين عاما، فإننا نتوقع أن تصبح الرعاية الصحية القائمة على الجينوميات الشاملة هي القاعدة في الولايات المتحدة. ومع فهمنا للأساس الجزيئي للأمراض، فإننا سنكون قادرين على توقّيها في حالات كثيرة وتصميم علاجات فردية دقيقة للأمراض.



في العقد القادم، سوف تتنبأ الاختبارات الجينية روتينيا باستعداد شخصٍ ما للمرض. وأحد مقاصد مشروع الجينوم البشري هو تعرف الاختلافات الجينية الشائعة. وبمجرد إعداد قائمة بالاختلافات، فإن الدراسات الوبائية سوف تكشف عن كيفية ترابط تغيرات معينة بأخطار حدوث المرض. وعندما يصبح الجينوم متاحًا كليًّا، فإن مثل هذه الدراسات سوف تكشف الأدوار التي تؤديها الجينات التي قد تسهم بحد ذاتها إسهاما ضعيفا في إحداث المرض، ولكنها تتآثر مع جينات أخرى ومع مؤثرات بيئية (مثل الغذاء والعدوى والتعرض داخل الرحم) للتأثير في الصحة. وفي الفترة ما بين عامي 2010 إلى 2020 ينبغي أن تصبح المعالجة الجينية علاجًا شائعًا، على الأقل لمجموعة قليلة من الحالات.



وفي خلال عشرين عامًا، ستتوافر أدوية جديدة مستنبطة من الفهم الجزيئي التفصيلي لعلل شائعة، مثل الداء السكري وضغط الدم المرتفع. وسوف تستهدف الأدوية منطقيًّا جزيئات معينة، وتكون بذلك فعالة ومن دون آثار جانبية. إن أدوية مثل تلك المتخصصة بعلاج السرطان سوف تتماشى روتينيًّا مع استجابة المريض المحتملة والتي جرى التنبؤ بها بوساطة البصمة الجزيئية. وسوف يكون تشخيص حالات عديدة أكثر عمقًا ونوعية specific مما هو عليه الآن. فمثلاً، المريض الذي يعلم بأن لديه مستوى عاليًا من الكولستيرول سوف يعرف أيضا أيًّا من الجينات مسؤولة عن ذلك، وما هو التأثير المحتمل للكولستيرول المرتفع، وأي إجراءات غذائية ودوائية تناسبه أكثر.



وبحلول عام 2050 سوف يُعالَج، على المستوى الجزيئي، كثير من الأمراض الكامنة قبل ظهورها، هذا على الرغم من أن انعدام المساواة (الذي سيرافق إمكان استعمال هذه الاكتشافات في جميع أنحاء العالم بسبب كلفتها العالية) سوف يستمر في إثارة التوتر. وعندما يمرض الناس، فإن العلاجات الجينية والعلاجات الدوائية سوف تستهدف جينات معينة، كما هي موجودة في أناس معينين، مما يؤدي إلى الوصول إلى علاج دقيق مفصل بحسب الحاجة لكي يناسب مريضًا بعينه. وسوف يرتفع متوسط العمر ليصل إلى 90 أو 95 عامًا، وسوف يؤدي الفهم التفصيلي للجينات المسببة للشيخوخة إلى تعزيز الجهود الخاصة بإطالة الحد الأقصى لعمر الإنسان.





يوجد الجينوم البشري في 23 زوجًا من الصبغيات (الكروموسومات) التي تتوضع في نواة كل خلية في الجسم. ويتكون كل صبغي من حلزون مزدوج من الدنا DNA، يغلف پروتينات تشبه المكبّات spools، تسمى الهستونات. وتلتف معقدات الدنا-الهستون، ثم تلتف مرة أخرى، لتشكل الصبغي. إن الهدف النهائي لمشروع الجينوم البشري هو فهم الپروتينات التي يكوِّدها الدنا. وعندما تكون الجينة ناشطة، فإن الخلية تستخدم عملية تسمى الانتساخ لنسخ دنا الجينة إلى جزيء مكون من شريطة مفردة تسمى الرنا المرسال mRNA، الذي يترك النواة ليترابط بسلسلة من بنى پروتينية كبيرة تسمى الريبوزومات. عندئذ تقوم هذه الريبوزومات بترجمة الرنا المرسال إلى سلسلة الحموض الأمينية التي تكوَّّن الپروتين المكوَّد. إن الپروتين الجديد ـ وهو هنا مستقبل سوف يوجه إلى غشاء الخلية ـ يمر بخطوات طي عديدة، بدأ الباحثون لتوّهم بفهم تسلسلها.




. هل سنعيد بدقة بناء تاريخ الجماعات البشرية؟

مع ما قد يبدو أنه تنوع كبير في نوعنا البشري، فإن دراسات العقد الماضي بينت أن النوع البشري هو أكثر تجانسا من أنواع أخرى كثيرة. إننا كمجموعة بشرية نبدي اختلافا أقل مما تبديه مجموعة الشمپانزي مثلاً. إننا نجد أن التغايرات الجينية نفسها بين البشر تميل إلى الوجود عبر المجموعات البشرية كلها، وأن نسبة صغيرة فقط من التغاير الكلي (ما بين 10 إلى 15 في المئة) يمكن أن تنسب إلى الاختلافات بين المجموعات. ولقد أدى هذا ببعض علماء بيولوجيا الجماعات إلى الاستنتاج بأنه قبل وقت ليس بعيدًا كان النوع البشري يتكون من مجموعة صغيرة، ربما عشرة آلاف فرد، وبأن تشتت الجماعات البشرية على الأرض لم يتم إلا حديثًا، وبأن معظم الفروق الجينية سبقت ذلك الوقت.



من خلال تسلُّحهم بتقنيات تحليل الدنا، فإن إخصائيي وراثة الجماعات كانت لديهم القدرة (على مدى العشرين عامًا الماضية) على توجيه أسئلة خاصة بعلم الإنسان بوضوح لم يسبق له مثيل. فمع تغير الأحداث السكانية (الديمگرافية)، مثل الهجرات والاختناقات السكانية والتوسعات، تغيرت التواترات الجينية تاركة سجلاً تفصيليًّا شاملاً للأحداث التي مر بها التاريخ البشري. وقد دعمت المعلومات الجينية وجهة النظر التي تقول إن البشر المعاصرين قد نشؤوا في إفريقيا في وقت حديث نسبيًّا، ربما قبل 100000 إلى 000 200عام، ثم تشتتوا تدريجيًّا في سائر أنحاء العالم. وقد استخدم علماء الإنسان بيانات الدنا لإجراء اختبارات التقاليد الثقافية المتعلقة بأصول بعض المجموعات البشرية (مثل الغجر واليهود) بغية اقتفاء أثر هجرة البشر إلى جزر المحيط الهادئ الجنوبية والأمريكتين مثلاً، ولفهم انتشار الجماعات البشرية في أوروبا. وكلما أصبح تجميع بيانات تسلسلات الدنا أكثر سهولة، فإن العلاقات بين مجموعات البشر ستصبح أكثر وضوحًا، فتكشف عن تواريخ التمازج وعن فترات الانفصال والهجرة. وسيتم البرهان على أن الجنس race والعرقية ethnicity إنما نجما عن أفكار اجتماعية وثقافية، وأن الحدود الفاصلة الواضحة بين المجموعات البشرية والمرتكزة على أساس علمي لا وجود لها.



مع قدوم العام 2050، سنعرف كثيرًا عن الجماعات البشرية أكثر بكثير مما نعرفه الآن. ولكن سيبقى السؤال: ما المقدار الذي سيمكننا معرفته؟ لقد كان تزاوج بني البشر متحررًا من القيود إلى حد كبير، بحيث قد يتعذر أن نعتبر أي شجرة عائلة (نسب) واحدة على أنها الحل الفريد الذي يفسر التاريخ البشري كله. وفي الحقيقة، فإن تاريخ الجماعات البشرية لن يكون كشجرة ولكن كتعريشة trellis، حيث غالبًا ما تتقابل الأفرع وتتمازج الأنسال بعد فترات انفصال. ومع ذلك سنعرف في الخمسين عامًا القادمة إلى أي درجة سيبقى الالتباس قائمًا في تاريخنا الذي سيعاد بناؤه من جديد.





توضح شجرة الحياة النظرة الحالية للعلاقات بين الكائنات الحية كلها، بما فيها الإنسان. وبمجرد أن يُعرف تسلسل دنا الجينوم البشري، فسيكون العلماء قادرين على مقارنة هذه المعلومات بتلك التي تم الحصول عليها بسَلْسَلَة جينومات الأنواع الأخرى من الكائنات، الأمر الذي سيؤدي إلى فهم أعمق لنشوء الحياة على الأرض.




. هل سنكون قادرين على إعادة بناء الخطوات الكبرى في تطور الحياة على الأرض؟

منذ الستينات من القرن الماضي أصبحت التسلسلات الجزيئية أدوات لا غنى عنها لتصنيف الكائنات الحية. إن بيانات سَلْسَلة الدنا كشفت فعلاً، إلى حد بعيد، سجل 3.5 بليون عام من التطور، وصنفت الكائنات الحية في ثلاثة عوالم، هي: البدئيات Archaea (كائنات وحيدة الخلية ذات أصل قديم)، والبكتيريا، وحقيقيات النوى (كائنات تحتوي خلاياها على نوى)؛ وكشفت عن أنماط التشعب لمئات من الممالك والفروع. وقد عقّد أحد مظاهر التوريث inheritance آمالنا في تمثيل الأشياء الحية كلها بفروع في شجرة مفردة للحياة. وفي حالات كثيرة، تشير جينات مختلفة إلى تواريخ عائلية متباينة للكائنات نفسها. وهذا يعكس حقيقة أن الدنا لا يورث دائما بطريقة مباشرة، من الآباء إلى الأبناء، مع وجود معدل تطفر قد يمكن التنبؤ به ويدل على مرور الزمن. وأحيانا، تثب الجينات عبر فجوات تطورية كبيرة. ومن أمثلة ذلك الميتوكوندريات (المتقدرات) mitochondria والپلاستيدات الخضر chloroplasts، وهي عضيات organelles إنتاج الطاقة في الحيوانات والنباتات على التوالي، ويحتوي كل منهما على المادة الجينية الخاصة به التي تحدرت من البكتيريا، التي اتضح أنها ابتُلعت كاملة من قبل الخلايا الحقيقية النوى.



يبدو أن هذا النوع من النقل الجيني الجانبي lateral gene transfer كان شائعًا بما فيه الكفاية في تاريخ الحياة، ولذلك فإن مقارنة الجينات بين الأنواع لن يعطينا شجرة عائلية واحدة، عامة وشاملة. وكما هي الحال في ما يتعلق بسلالات الإنسان، فإن المضاهاة الأكثر ملاءمة لتاريخ الحياة ستكون شبكة أو تعريشة، حيث تتباعد الخطوط المنفصلة ثم تتقارب لتتصل ثانية، وليس على شكل شجرة لا تندمج فيها الفروع أبدًا.



وخلال خمسين عاما سنضيف تفاصيل كثيرة عن تاريخ الحياة، مع أننا قد لا نفهم تمامًا كيف وُجد أول كائن يتضاعف ذاتيًّا. فمثلاً، سنتعلم متى وكيف ابتَكرت السلالات المتباينة الجينات أو اختارتها أو هيأتها لاكتساب مجموعات جديدة من التفاعلات الكيميائية الحيوية أو التصاميم الجسمية المختلفة. إن منظور الحياة المعتمد على الجينة سيترسخ ويتثبت بعمق بين العلماء، بحيث لن تصبح الوحدة الأساسية المعتبرة للحياة هي الكائن الحي أو النوع، وإنما الجينة نفسها. وسيتعرف العلماء أي الجينات انتقل بعضها مع بعض، وكم من الزمن استمر هذا الانتقال، وفي أي من الجينومات. وسيوجه العلماء أيضا السؤال المعضلة الذي استعصى على الناس منذ أيام تشارلز دارون Charles Darwin: ما الذي يجعلنا بشرا ويميزنا نوعا مستقلا؟



مما لا شك فيه أن أسئلة كثيرة أخرى سوف تُثار أيضًا على مدى الخمسين عامًا القادمة. وكما هي الحال في أي مجال علمي خصب، فإن البيانات ستولد فرضيات جديدة. ومن المفارقات أن الجينوميات بحد ذاتها، كلما نمت متعاظمة، قد لا تبقى في الخمسين عاما القادمة مفهوما عاما، ذلك أنها ستتشعب إلى حقول كثيرة أخرى من البيولوجيا، وقد تتحول في نهاية المطاف إلى جزء من البنية التحتية للطب الحيوي كله.



. كيف سيستجيب الأفراد والعائلات والمجتمع لهذا الانفجار في معرفتنا لإرثنا الجيني؟

بعكس الأسئلة العلمية والتقانية والطبية السابقة، فإن هذا السؤال الاجتماعي لن تكون الإجابة عنه بنعم أو لا. إن المعلومات الجينية والتقانية ستقدم فرصا كبيرة لتحسين الصحة ولتخفيف المعاناة. ولكن أي تقانة فعالة ترافقها مخاطر، وكلما كانت التقانة أكثر فاعلية تعاظمت المخاطر. وفي حال الوراثيات، فإن أصحاب النوايا السيئة سيستخدمون الحجج الجينية ليبرروا آراءهم المتعصبة عن المجموعات العنصرية والعرقية (الإثنية). ومع تزايد انتشار تقنية تحليل الدنا يتزايد استعمال أصحاب شركات التأمين وأرباب العمل لهذه المعلومات كي يحرموا العمال من الرعاية الصحية ومن فرص العمل. والسؤال الذي سيبقى مطروحا هو كيف سنتلاءم مع الانفجار في المعرفة الجينية؟



وأخيرا، هل ستؤدي الاكتشافات في علم الجينات إلى إخماد الحركات المضادة للتقانة؟ مع أننا أوردنا الكثير من الأسئلة التي حاولنا فيها أن نبرهن على أن الإجابة عنها ستكون بنعم، فإن هذا السؤال هو أحد الأسئلة التي من المحتمل أن تكون إجابتها بالنفي. ومن المرجح أن يتفاقم التوتر بين التقدم العلمي وبين الرغبة في العودة إلى نمط حياة بسيطة أكثر طبيعية، وذلك كلما تسللت الجينوميات إلى مجالات من حياتنا اليومية تتزايد اتساعا. وسوف يكون التحدي هو كيفية المحافظة على توازن صحي يرافقه تحمل جماعي للمسؤولية كي نضمن أن التقدم في مضمار الجينوميات لن يساء استخدامه.




--------------------------------------------------------------------------------

المؤلف

Francis S. Collins




هو مدير للمعهد القومي لبحوث الجينوم البشري (NHGRI) التابع للمعاهد القومية للصحة منذ العام 1993. وكان قبل ذلك باحثا في علم الوراثة في جامعة ميتشيگان، حيث كان وزملاؤه أول من استنسخ جينة التليف الكيسي cystic fibrosis. وكونه مسيحيًّا ملتزمًا، فهو مهتم على وجه التخصيص بالنواحي الأخلاقية التي تتمخض عنها أبحاث الوراثة البشرية.

Karin G. Jegalian




حصلت على الدكتوراه في البيولوجيا من معهد ماساتشوستس للتقانة عام 1998، وهي حاليا كاتبة علمية في المعهد القومي لأبحاث الجينوم البشري.




--------------------------------------------------------------------------------

مراجع للاستزادة

NEW GOALS FOR THE U.S. HUMAN GENOME PROJECT: 1998-2003. Francis S. Collins et al. in Science, Vol. 282, pages 682-689; October 23, 1998.

PRINCIPLES OF MEDICAL GENETICS. Second edition. Thomas D. Gelehrter, Francis S. Collins and David Ginsburg. Williams and Wilkins, 1998.

SHATTUCK LECTURE-MEDICAL AND SOCIETAL CONSEQUENCES OF THE HUMAN GENOME PROJECT. Francis S. Collins in New England Joumal of Medicine, Vol. 341, No. 1, pages 28-37; July 1, 1999.

The National Human Genome Research Institute's site is available at www.nhgri.nih.gov/ on the World Wide Web.

The Department of Energy's site on the Human Genome Project is available at www.ornl.gov/hgmis/ on the World Wide Web.

Scientific American, December 1999




--------------------------------------------------------------------------------

(*) Deciphering the Code of Life




--------------------------------------------------------------------------------

(1) painstaking physical techniques

(2) model organisms