عن اغتيال العقيد محمد ناصر

تاريخنا السياسي يحفل بالعديد من القصص والحكايا عن اغتيالات ومؤامرات سياسية لمّا تنته بعد، ولم تزل ملفاتها مفتوحة ولم يزل الرماد دافئاً ولم ينطفئ… التساؤلات والشكوك تحوم حولها، ولا بد من إعادة فتح هذه الملفات لمعرفة من الجاني وأسباب الجناية.. ومن الضحية.. ولماذا.. ونستفيد من هذه الأحداث التاريخية المهمة التي عصفت بحياتنا السياسية في يوم من الأيام وكانت سبباً أليماً أدى إلى ضياع خيرة شبابنا على الصعد كافة السياسية والاجتماعية والثقافية.
هنالك عدد من الضباط الذين قاموا خلال فتره الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي بانقلاباتهم العسكرية، وجعلوا البلاد في صراعات دموية، لم يكونوا سوى ضباط مغامرين طائشين نزقين مدمنين السهر والخمر والنساء، فاسدين يركضون وراء الأموال والأهواء، مرتبطين بدول وأحزاب وأحلاف ومؤامرات، وكانوا منذ صغرهم يتمتعون بمثل هذه الأخلاق.
اشتهر في ذاك الزمن المقدم إبراهيم الحسيني قائد الشرطة العسكرية بدمشق، الذي شارك في هذه الانقلابات العسكرية، وساهم في عدد من الاغتيالات للضباط السوريين، وقيل عنه في مذكرات السياسيين والعسكريين الكثير… لقد وصف الحسيني بأنه كان لغزاً كبيراً عجيباً وأن له بصمات واضحة في جميع الانقلابات السورية ومسارها

العقيد محمد ناصر
طويت الأيام وأسدل الزمن ستاره وسقط من الذاكرة اغتيال شاب من خيرة شباب الوطن وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره! لماذا اغتيل، من اغتاله، من كان وراء الاغتيال، أسئلة كثيرة طرحت منذ عام 1950م ووضعت النقاط على بعض الحروف ولكن الزمن كان كفيلاً في تغييب هذه الجريمة، دثرت أسبابها وأدواتها وسجلت بحق مجهول؟! وضاع الشاب، وفقده الوطن؟
العقيد محمد ناصر كان : ( من ألمع الضباط – محمد سهيل العشي) وقيل أيضاً (ألمع ضباط الجيش، وأكثرهم جرأة، وشجاعة، ومن يعرف قدرته العسكرية، وذكاءه الحاد، يعتبره من ألمع الضباط العرب جميعاً – عبد اللطيف اليونس) وقال أكرم الحوراني عنه: (أصبح العقيد محمد ناصر – بعد حركة العقداء – آمرا لسلاح الطيران، وهو ضابط ذكي ديناميكي، كانت تجمعني به معرفة قديمة منذ أن كان في حماة ضابطا في جيش الشرق عام 1939 قدم لي العقيد ناصر في أول اجتماع لي معه تقريرا محزنا عن أوضاع سلاح الطيران وكيف أن من المعدات المهمة التي كلفت الجيش ملايين الليرات مهملة في المستودعات دون قيود رسمية، بعضها يعلوه الصدأ وبعضها الآخر أصبح غير صالح للاستعمال)

 

المقدم إبراهيم الحسيني :
في ثنايا كتب المذكرات للعديد من الشخصيات السورية المؤثرة في تاريخنا، نقرأ عن المقدم إبراهيم الحسيني أنه كان متحدثاً، أنيقاً، لبقاً ذكياً ونقرأ أيضاً أنه كان عميلاً للمخابرات المركزية، وهو معروف بأنه رجل الولايات المتحدة في سورية، والرجل المطيع لآل سعود، وبعد سقوط أديب الشيشكلي غادر البلاد إلى المملكة العربية السعودية، حيث أصبح مسؤولاً عن جهاز المخابرات فيها.؟ وقيل إنه قتل في السعودية!؟
للمقدم إبراهيم الحسيني شقيق يدعى عصام وقد حكم حكماً مبرماً بجريمة تجسس على الجيش السوري – مصطفى طلاس في كتابه مرآة حياتي – لعب المقدم الحسيني دوراً مهماً في الانقلابات العسكرية في سورية، كما كان له اليد الطولى في قضيه تسليم رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة لإعدامه في لبنان، واتهم أيضاً بجريمة قتل الضابط السوري محمد ناصر… في أروقة التاريخ يحفل الحسيني بتاريخ طويل عريض ولكنه لا يشرف صاحبه…
وكانت نهاية المقدم إبراهيم الحسيني حسبما قال اللواء عفيف البزري: «وانتهى أمره باغتياله بحادث سيارة في السعودية لإسكاته بعد تقدمه في السن وانعدام الفائدة منه».
لقد كان المقدم إبراهيم الحسيني من أخطر ضباط المخابرات السورية..