واقع مياه الشرب في اللاذقية

تتمتع سورية بطبيعة جغرافية متنوعة ، من جبال يصل ارتفاعها إلى 2200 م إلى سهول واسعة و خصبة و شريط ساحلي بطول 180كم ، إضافة إلى البادية .
في البادية ، يتراوح معدل هطول الأمطار ما بين 100 - 1000 مم . أمّا في
المنطقة الساحلية فهذا المعدل يتراوح بين 700 - 1000 مم . و لهذا تأثيره على مصادر المياه الأساسية في سورية التي تضم : الأنهار و الآبار و الينابيع و البحيرات الطبيعية و الاصطناعية علاوة على مياه سطحية ناتجة عن تجمع مياه الأمطار . و الاستخدام الأول للمياه هو في الري ، يليه مياه الشرب. و أخيراً فإنها تستخدم في توليد الكهرباء عبر محطتين على نهر الفرات ..
محافظة اللاذقية
تقدر مساحة هذه المحافظة بحوالي 6 آلاف كم مربع و يقدر عدد سكانها بمليون نسمة ، و تتمتع بشريط ساحلي بطول 70 كم ، إضافة إلى سلسلة جبال يصل ارتفاعها إلى 1600 م . تتكون مصادر مياه الشرب في اللاذقية بالدرجة الأولى من الينابيع و من ثم الآبار الارتوازية . و 80 % من مشاريع مياه الشرب في المحافظة تقوم على الينابيع . و من أهم هذه الأخيرة ( السن ) . أمّا 20 % الباقي من المشاريع فيعتمد على مياه الآبار
الملاحظة الصارخة الأولى هي أن محافظة اللاذقية لا تمتلك أية محطة من محطات معالجة المياه أو تكريرها (يوجد محطة تصفية لمياه السن بخلاف ماذكر الكاتب وإن كانت ذات قدرة محدودة حوالي 40 % من المياه المضخوخة -الملاحظه من المحرر). و إنما تعتمد على مياه الينابيع الصافية لضخها أو إسالتها إلى الاستهلاك المباشر بعد إضافة كميات كبيرة من مادة الكلور في بضعة مشاريع ( تعقيم ) .
يبدو لنا ضرورياً عرض لمحة تاريخية عن تطور و نقل صلاحية الإدارات في الإشراف على مشاريع المياه . و ما ينطبق على هذه المحافظة ، ينطبق على المحافظات الأخرى . قبل عام 1980 م ، كانت مديرية الإسكان و المرافق تشرف على تنفيذ و صيانة مشاريع مياه الشرب في ريف المحافظة. أمّا مدينتي اللاذقية و جبلة فكانت تشرف مؤسسة مياه الشرب على اروائهما . بينما تمّ بعد عام 1980 ، دمج مديرية الإسكان و المرافق مع مديريات أخرى في مديرية واحدة سميت مديرية الخدمات الفنية ، مهمتها تنفيذ و صيانة مشاريع المياه و الطرق و المدارس في الريف فقط . و ما كان سابقاً يسمى بمديرية الإسكان و المرافق تحوّل إلى قسم في مديرية الخدمات الفنية باسم قسم دراسات و تنفيذ المياه و الصرف الصحي . فقد استمرت مؤسسة مياه الشرب بالإشراف على مدينتي اللاذقية و جبلة كما في السابق دون تغيير حتى عام 1987 ، حيث أنشأت مؤسسة مياه الشرب و الصرف الصحي التي تشرف على مشاريع المياه في الريف و المدينة معاً ، و ذلك بضم قسم تنفيذ و صيانة المياه و الصرف الصحي في مديرية الخدمات الفنية مع مؤسسة مياه الشرب . يتم تنفيذ مشروع مياه ما ، عموماً ، وفقاً لطلبات المواطنين المتجمعين في منطقة سكنية تسمى الضيعة ، على شرط توفر مصدر مياه و هو النبع ، و تقوم المؤسسة المختصة بتنفيذ خط إسالة من النبع إلى خزان أرضي أو عالي و منه إلى شبكة توزع إلى المنازل .
الملاحظة الثانية الهامة ، أن تنفيذ المشاريع يفتقد غالباً لأسس علمية أو حتى تقديرية لحاجات السكان المستقبلية ، إذ يعتمد على العمل العفوي
بالإضافة إلى تنفيذ مخططات جاهزة سلفاً في وزارة الإسكان و المرافق ، هذا رغم
توفر الكوادر الفنية و العلمية ، لكن ينقص الخبرة و غياب التخطيط . و يجدر بالذكر أن عمل مؤسسة مياه الشرب و الصرف الصحي يعتمد على مسح عام لمشاريع المياه في المحافظة جرى مرة واحدة في عام1988. حاجة السكان من المياه يقدر معدل استهلاك الفرد في مدينتي اللاذقية و جبلة في عام 1987 بحدود 80 ليتر في اليوم . أمّا معدل الاستهلاك في الريف فيقدر بحدود 40 ليتر في اليوم للفرد . و من الملاحظ أن هذين المعدلين هما من أدنى المعدلات . هذا بالرغم من أن نصيب الفرد في المدينة من المياه هو ضعف نصيبه في الريف . و هذا يخلق تفاوتاً بين المدينة و الريف . المدينة
المصدر الأساسي لمياه مدينة اللاذقية هو نبع السن الواقع على بعد 50 كم جنوب المدينة . و هو عبارة عن بحيرة ينبوعية ، لوجود عدد كبير من الينابيع الأرضية فيها ، و تضخ المياه منها إلى خزان أرضي على سفح جبل يطل على البحيرة . و منه يتم إسالة المياه إلى خزان آخر في مدينة اللاذقية ، و بالإسالة أيضاً يتم توصيلها عبر شبكات إلى المنازل .
كان الخط الآتي من نبع السن إلى مدينة اللاذقية بقطر 70 سم ، و في غياب التخطيط وقعت المدينة في أزمة مياه شديدة بسبب زيادة عدد السكان من جهة و التوسعات العمرانية التي شهدتها المدينة من جهة أخرى ، و ذلك منذ بداية السبعينات . ساء حال المدينة ، خصوصاً في عام 1985 ، لدرجة أن الأحياء تتناوب في استهلاك المياه و أحياناً كثيرة يدوم انقطاع المياه أكثر من 15 ساعة في اليوم مما فرض ، مع السنوات ، نمطاً إجبارياً للحياة اليومية للسكان ، مع إمكانية تعريض المياه المجمعة و المخزنة ( لساعات انقطاع المياه ) للتلوث . و قد اضطرت السلطات تحت ضغط الحاجة الملحة ، عام 1987 ، إلى إنشاء خط موازي للخط القديم بقطر متر ليغذي المدينة . لكن و بالرغم من دعم الخط القديم بخط جديد إلا أن استهلاك الفرد في المدينة بقي على ما كان عليه أي 80 ليتر في اليوم . (تم انشاء خط ثالث لاحقا بقطر 1000 مم -ملاحظه من المحرر)
يبقى أن نشير في هذا السياق إلى النقاط المقلقة التالية :
1 ـ أن نبع السن الذي يغذي نصف سكان المحافظة بالمياه ، معرّض للتلوث بشكل دائم ، إذ لا يمتلك الحد الأدنى من الحرم . بالإضافة إلى مصدر دائم للتلوث يأتي من الطرقات و المباني السكنية المحيطة به (التلوث الأساسي هو من الصرف الصحي المكشوف في الأودية المجاورةوالنشاطات الزراعيه -المحرر). 2 ـ أن الخط القديم يتعرض للسرقة و الاستخدام غير المشروع لمياهه خارج إطار أي رقابة .
3 ـ أن حرم بحيرة السن تعرض لحفر ارتوازية على أعماق وصلت إلى أكثر من 300 ميتر مما يؤثر على مستقبل مياه البحيرة و ضياع بعض الينابيع التي ترفده .
4 ـ أن غياب التخطيط و تقدير حاجة السكان المستقبلية كانا عاملان أساسيان في النقص و الهدر الدائمين في مياه الشرب ، مع العلم أن نسبة معدل الولادة في سوريا هو 3,8 % و هو من بين أكبر النسب العالية في العالم . 5 ـ في عام 1990 ، تم رفع أسعار استهلاك مياه الشرب إلى أكثر من 20 ضعفاً . و لم يكن هذا من أجل إعادة العائد لاستخدامه في صيانة و دعم مشاريع مياه مدينة اللاذقية و ريفها و لتحسين المستوى التقني لهذه المشاريع ... بل كان لدعم ميزانية مؤسسة المياه إدارياً مما أدى إلى تضخمها بالكوادر الوظيفية و الفنيين .
أما مدينة جبلة فإن مياه الشرب فيها تأتي مناصفة من مياه السن و من الآبار المتواجدة على مدخل المدينة .(تم إغلاق هذه الآبار لثبوت تلوث مياهها وحاليا تعتمد جبلة على مياة السن وخاصة خط الجر الثالث -المحرر ) بينما يبقى أكثر من نصف سكان الريف محرومين من مشاريع المياه . و يوجد حوالي 80 مشروع مياه في الريف فقط .
معظمها يعتمد على مصادر ينبوعية . و في هذا السياق تجدر الإشارة إلى :
1 ـ أن معظم مصادر مياه الشرب في الريف لا تتمتع ، هي أيضاً ، بالحد الأدنى من الحماية . فهي معرضة للتلوث المباشر و غير المباشر . 2 ـ كثرة حالات التعدي على مصادر المياه ، و لا سيما الينابيع ، . و منها حالات وضع اليد على الينابيع العامة (التي تعود ملكيتها للمجتمع و الدولة ) .
3 ـ أن تنفيذ مشاريع الصرف الصحي في البلديات يقوم على الصرف في الأودية ، دون معالجة ، مما ساهم في التلوث البيئي للريف . و هذا بدوره يؤدي إلى تأثر مصادر المياه نفسها بالتلوث .
إن مصادر المياه في سوريا تتجه إلى النضوب لسبب أو لآخر ، من جهة ، و تتفاقم ظاهرة تلوث مياه الشرب فيها من جهة أخرى ، لذلك فإن الحاجة أصبحت ملحة للسعي إلى إيجاد الحلول المعتمدة على قواعد علمية مع دراسات ميدانية و هيئات رقابة علمية حكومية و أهلية . قد يؤدي هذا مع إجراءات أخرى إلى وقف هذا الخطر البيئي ، و تخفيف مخاطره المستقبلية على البيئة و حياة المواطنين .