مذكرات كارلوس-4-

الثوري, الإرهابي, المتطرف وصفات أخرى أطلقت على كارلوس الذي جاب العالم منطلقا من بلده فنزويلا ليستقر مع الثورة الفلسطينية ويعلن إسلامه على أيدي مقاتليها... من سجنه الفرنسي يكشف كارلوس في هذا الحوار العديد من الخفايا ويؤشر العوامل التي دفعته إلى الإبحار في هذا البحر الذي لا تعرف أمواجه الهدوء
كيف كانت ردة فعلك إزاء مسخرة الفرار المزعوم?
حيال ما كان يدور على مرأى ومسمع من الجميع, ومن دون أن يحرك الحراس ساكنا , عمدت منذ ساعات الصباح الأولى إلى اتهام البوليس وإدارة السجن, بصوت عال, بتدبير عملية استفزازية وطلبت أن ألتقي في الحال بممثل وكيل الجمهورية (المدعي العام) في سجن (لا سانتيه) جان شارل لوكونت, بهدف قطع الطريق على أي مناورة لإقحامي في هذه العملية.
وبعد إحباط عملية الفرار المزعومة من قبل حراس السجن. تم إخطاري بأنني سأنقل إلى الزنزانة رقم ,3 وهي إحدى الزنزانات غير المأهولة في جناح العزلة ذاته, بحجة القيام بأعمال تفتيش, بحثا عن المنشار الذي استعمل خلال محاولة الفرار, والذي لم يعثر عليه.
وفي نهاية الظهيرة, وأنا عائد في حدود السادسة مساء, من لقاء مع محاميتي إيزابيل كوتان بيير, التي جاءت لزيارتي, صادفت في طريقي نائب مدير السجن, إيف فويرا, الذي كان قد قطع إجازته في لندن, وعاد على جناح السرعة. وأخطرته على مسمع من حراس السجن, بأنه لم تكن هنالك محاولة فرار حقيقية, بل كل ما هنالك عبارة عن مناورة استفزازية مفتعلة.
ونظرا لكون الزنزانة 3 التي ن قلت إليها لا تحتوي إلا على سرير مؤقت قابل للطي, وباعتبار سني المتقدمة, فقط طلبت من نائب المدير إيف فويرا أن أ نقل إلى زنزانة, أخرى تحتوي على سرير ثابت من النوع الحديدي. وأجابني بأن ذلك من أبسط الأشياء, وأمر بأن يتم تحويلي إلى زنزانة أخرى, لكنه قال إن هذا التحويل يجب أن يتم في الغد, نظرا للوقت المتأخر.
في صباح الغد, جاء نائب مدير السجن ذاته لزيارتي, وأنا ما أزال في الزنزانة رقم ,3 طالبا أن أروي له تفاصيل ما حدث. وبعد ذلك فقط, تم تحويلي إلى الزنزانة رقم .8 وفي مساء ذلك اليوم, وصل إلى جناح العزلة الذي أوجد به سجين فرنسي يدعى جاك إيفير مسجون منذ أكثر من 30 سنة. وكان قد أشت به في أنه يخطط لعملية فرار بالسجن الأصلي الذي كان يوجد فيه, فتم نقله إلى (لا سانتيه) حيث وضع تحديدا في الزنزانة رقم ,3 التي كنت قد بت فيها الليلة الماضية.
ماذا كان هدف كل هذه العملية الاستفزازية, وهل كنت أنت المقصود بها?
ذلك ما اتضح لنا في الغد, حين كشف جاك إيفير للمدعي العام, الذي قد م لاستجوابه, أنه وجد قضبان نافذة الزنزانة رقم 3 مقطوعة, ولأن هذه الزنزانة لم تكن مأهولة من قبل أي سجين, حين تم تدبير عملية الفرار المزعومة من قبل غي جورج وشركائه, فإن الوحيدين الذين كان بإمكانهم دخول هذه الزنزانة وقطع قضبان النافذة, هم حراس السجن. وهم أنفسهم الذين نقلوني عمدا إلى هذه الزنزانة ذاتها لتشجيعي على محاولة الفرار, حيث اكتشفت أن قضبان النافذة مقطوعة, أو لتورطي كشريك في عملية الفرار المدبرة من قبل غي جورج.
وكان لافتا أن محاولة الفرار تلك قد سبقتها بأيام قليلة, حملة إعلامية ن شرت خلالها مقالات عدة بالصحف الفرنسية تد عي أنني أصبحت (صديق) غي جورج, وأنه صار يفضي لي بكل أسراره, وأنا متأكد أن لقائي بالصدفة مع نائب مدير السجن, إيف فويرا, وأنا عائد من لقاء محاميتي, هو الذي سمح بإحباط كل هذه المناورة. وأعتقد أن ما كان مخططا له يتضمن أيضا اتهام محاميتي بأنها هي التي أدخلت المنشار الذي استعمل لقطع قضبان النوافذ, والذي اختفى في ما بعد بأعجوبة, ولم ي عثر له على أي أثر!
بغض النظر عن مثل هذه المناورات التي تسعى لتشجيعك على الفرار, والتي لا تنطلي على دهائك, هل توجد (دوافع) أو (أحداث) كبرى من شأنها أن تدفع بك في حال حدوثها إلى التفكير في الهروب, رغم ما يحف بذلك من مخاطر?
لن أقبل أبدا بأن اشترك في أي عملية فرار, حتى لو كانت مدبرة من قبل مساجين سياسيين. فأنا لا يحق لي أن أخاطر لدوافع أنانية بمحاولة كهذه قد تؤدي بي إلى الوقوع حيا بين أيدي الأعداء, كأن أ خت ط ف سرا إلى وجهة مجهولة, مما قد يؤدي بي إلى خيانة الأسرار تحت التعذيب. إن (اليانكي) الأميركيين لن يكرروا ثانية الخطأ الذي ارتكبوه معي في الخرطوم.
أنا متيقن بأنني سأخرج من السجن, لكنني لن أخرج إلا من الباب الكبير, وبعد أن ت دفع لي التعويضات عما لحق بي من أضرار. وهذا لن يتحقق سوى عبر عمليات عسكرية واسعة النطاق يجب أن تدار من خارج السجن وليس من داخله.
إذا لم تسقط, في حال إطلاق سراحك, كما تتوقع, أي (مهنة) ستختارها مستقبلا , وترى أنها تليق بمقام-ك ك- (ثوري عجوز)?
سأواصل (المهنة) ذاتها كثوري محترف.
سبق لك أن صرحت بأن الثوار الحقيقيين لا يعرفون سن التقاعد, فهل تعتزم العودة لحمل السلاح مجددا , لو أطلق سراحك?
لم أعد في سن تسمح لي بمواصلة النضال وسلاحي في يدي. ثم إن الخ ل ف من الأجيال الجديدة بات حاضرا . وأفض ل أن تكون أولوية نضالي مرتكزة في الجانب السياسي المتمثل في تأطير الكفاح المسلح.
هل تعتقد أن الكفاح المسلح الدولي ما يزال ضرورة ثورية, أم هل تفكر في سبل بديلة?
إن زحف العولمة بات واقعا ملموسا : (اليانكي) الأميركيون والصهاينة ومن حولهم من (أتباع أوفياء), ي عم لون كل جهدهم الإجرامي في اغتيال الشعوب المعزولة, وضرب طلائعها التي يتوجب عليها أن تتسلح, وأن تحرم المعتدين من شعورهم الحالي بأن لا أحد يستطيع القصاص منهم. يجب جعلهم يدفعون الثمن أغلى كل يوم من جراء الجرائم البشعة التي يرتكبونها بحق البشرية في خضم سعيهم المحموم وراء تحقيق الربح. فسبل ووسائل النضال غير المسلح باتت متعددة ويجب استعمالها بحيث تكون مكم لة للعمل المسلح وفق ما تقتضيه الظروف والحيثيات في كل مرة.
لو لم تكن (ثوريا محترفا ), كما تسمي نفسك, أي مهنة بديلة كنت تتمنى?
مهنة محام متخصص في القانون الدولي.
وما هي بالمقابل المهنة التي لم تكن لتقبلها لنفسك أبدا ?
عميل مخابرات أو مرتزق.
ردا على هذا السؤال ذاته, أجابني (صديقك) المحامي جاك فيرجاس بأن المهنة التي لم يكن ليقبلها أبدا هي مهنة (القاضي), هل تشاطر فيرجاس هذا (الحقد) تجاه القضاة, الذين يرى فيهم العقبة الأساسية أمام تحقيق العدالة?
على القاضي أن يكون مثالا في الأخلاق والاستقامة, ولا يجب أبدا السماح بأن يكون قاضيا من هو فاسق أو مدمن مخدرات أو من ارتكب جرائم جنسية ضد أطفال أو كل من ينخرط في تنظيمات أو أجهزة سرية, وطنية كانت أو أجنبية.
على القاضي أن يكون إنسانيا , قريبا من الناس ومن حياتهم. لكن القضاة في أنظمة العدالة الطبقية الغربية, للأسف, يشك لون شر نموذج يعكس مدى الخزي والخس ة اللذين تتصف بهما النخب الحاكمة التي تستعمل هؤلاء القضاة كأدوات لممارسة أحط أشكال التعسف وأكثرها دناءة.
ولأنني سبق أن كنت قاضيا في لجان قضائية عسكرية, وفي محاكم ثورية, فقد تعلمت أن القاضي يجب أن يحظى بقدر كبير من السكينة والرزانة وضبط النفس, لكي يكون عادلا . وأنا على خلاف جاك فيرجاس, لا أشعر بالحقد تجاه القضاة, بل أحس بالاحتقار وأحيانا بالغثيان تجاه بعض القضاة الآثمين الذين يتصفون بسلوكيات شريرة ومؤذية. لكن هذا لا يمنع من وجود قضاة شرفاء.
من الواضح أنك, على النقيض تماما من جاك فيرجاس, مشدود إلى كرسي القاضي. فأنت حين تمثل أمام المحاكم, تحاول دوما أن تقلب الآية, لتتحول إلى (قاض) لمحاكمة ق ضاتك, هل تتصور أنه لو كان العالم مختلفا , لأمكن لكارلوس أن يكون يوما ما (قاضيا )?
أنا حين أتصرف كقاض قبالة قضاتي, أفعل ذلك بشكل غريزي, دفاعا عن النفس. أما عن إمكانية أن أكون قاضيا , فإني أؤمن بأن المجتمعات المتطلعة إلى العدالة يجب أن تختار قضاتها من بين خيرة أبنائها. ثم إن كارلوس - القاضي ليس أمرا من وحي الخيال تماما .
ففي حدود علمي, خلال شهر أكتوبر (تشرين أول) ,1994 تم تنفيذ حكم بالإعدام يحمل توقيعي!
تقول إن حكم الإعدام هذا يعدو إلى أكتوبر ,1994 أي بعد أقل من 3 أشهر من دخولك السجن, إنك إذن ما تزال فاعلا , ولست ثوريا متقاعدا , هل يمكن أن نعرف المزيد بخصوص حكم الإعدام هذا?
بطلب من قبل المعنيين بتنفيذ حكم الإعدام المذكور, قررت رفع قرار سابق بتجميد تنفيذه, وكان ذلك في شهر مارس (آذار) .1994 لكن تبنى هذا العمل الشجاع لا يعود إلي أنا, بل إلى من نفذوه. وأنا لم آخذ قط تقاعدي, لكن الإجراءات المتعلقة بالقضاء والمحاكمات الثورية لم تعد الآن, ويا للأسف, ضمن صلاحياتي!
هل ما تزال تعتقد بأن عالما تسوده القيم الثورية التي ناضلت من أجلها ما يزال تحقيقه ممكنا
بكل تأكيد.
كيف تتصور السبيل إلى إعادة تأسيس مثل هذا النضال الثوري, بما يتوافق مع المعطيات المستجدة في مطلع هذه الألفية الجديدة?
كان هدف الشيوعية تحقيق (جنة على الأرض), والإسلام علمني أن الجنة مكانها في السماء لا غير. اليوم يجب على النضالات الثورية أن تلم شمل كل المقاتلين من أجل الحرية ضمن جبهة عالمية في مواجهة أعداء البشرية. ويجب على هذه النضالات أن تندرج ضمن السياق التاريخي, وأن توفق بين تطلعات ومعتقدات مختلف الشعوب. على أن تبقى (اليوتوبيا) الماركسية المتعلقة بالتطلع نحو العدالة والمساواة, بمثابة (النجمة القطبية) التي تقود خطانا. لكننا قبل ذلك يجب أن نخلصها, من كل ما عل ق بها من شوائب, بفعل تأثيرات (المركز) الأوروبي والمتخيل الثقافي اليهودي - المسيحي.