معركة القلع 1967

معركة القلع 1967)

(الصورة هي لموقع القلع بعد سقوطه واحتلاله)

 

أثناء حرب حزيران /يونيو 1967 وعلى الرغم من الهزائم المريرة المتتالية التي منيت بها الجيوش العربية وعلى التوالي (مصروالأردن وسوريا),بقيت هناك بطولات وقصص صمود منسية تم تجاهلها في غمرة اليأس الذي ساد الوجدان العربي بعد هذه الحرب.

ومن هذه القصص معركة (القلع) الموقع السوري المتقدم في الجولان والتي سأسلط الضوء عليها توثيقا ووفاء لتلك الدماء الزكية التي روت أديم الجولان ,تاركةآثارها القرمزيةعلى سجل التسلق الباسل للأبطال .

 

 

 والقلع هي قرية صغيرة في الجولان السوري تقع على هضبة مرتفعة تسيطر على المنطقة المحيطة بها بشكل تام,أقامت القوات السورية حواجز من الاسمنت المسلّح مضادة للدبابات(أضراس التنين) على مسافة 1800 م,وفي القرية نفسها كانت تتواجد دبابات ومدافع م/د جيدة التمويه تسيطر على الطريق المؤدي للقلع .

 بدات القوات الإسرائيلية هجومها البري على الجبهة السورية فجر يوم 9/6/1967 بقصف جوي مكثف على المواقع الدفاعية السورية الأمامية,بعد حسم الموقف نهائيا على الجبهتين المصرية والأردنية.

وفي الساعة 10 صباحا تقدمت وحدات لواء العقيد(مندلر) المدرع من مستعمرة (كفرسلط) على شكل ثلاث مجموعات قتال مزودة بدبابات (شيرمان) ,وعلى الرغم من القصف الصباحي فقد تكبدت وحدة الاستطلاع ووحدة المهندسين خسائر كبيرة نتيجة رمي المدافع السورية ,وكان على كتيبة الدبابات التقدم نحو زعورة مباشرة لتتاحشى الاصطدام مع موقع(سراديب)القوي أو التعرض لنيران موقع (القلع) المنيع الذي يليه في العمق.

وبعد قصف مركز بمختلف أنواع النيران تغلبت القوة المذكورة على مقاومة مواقع(غور العسكر)و(نعموش)و(العقدة) الأمامية,لكنها اصطدمت مباشرة بدفاعات موقع(سراديب) فتعرضت لنيران غزيرة أصابت ودمرت عددا منها.

ونجحت في الساعة الواحدة من التغلب على مقاومة الموقع ,لتصطدم بموقع (القلع) المنيع الذي فتح نيرانه عليها ملحقا بها خسائر فادحة وأصبحت قواتها تضم 21 دبابة فقط وجرح قائدها وقتل نائبه.

تولى القيادة قائد أحد السرايا ,فاتصل فورا بالعقيد(مندلر) وأخبره بموقف الكتيبة الحرج أمام تحصينات (القلع) الذي أمره بالاستمرار بمهاجمة القلع واتجه هو يسارا نحو (زعورة) ليلتف حول موقع القلع من الخلف.

وبعد معركة حامية لم تصل لقرية القلع سوى 3 دبابات أصيبت إحداها بقذيفة آر بي جي واشتعلت.

هنا شاهد قائد الكتيبة الاسرائيلية دبابة سورية ت-34 وقانصي دبابات سي يو 100 كطليعة لقوة من 7 دبابات جاءت لتعزيز الدفاع عن القلع ,فاتصل بالعقيد مندلر طالبا الدعم الجوي فورا ,والذي رد بأن ينتظر ريثما يستكمل هو التفافه حول القلع من الخلف.

وظهرت الطائرات الإسرائيلية بعد وصول دبابات (مندلر)وهاجمت القلع من الخلف في الساعة السادسة مساء فسقط هذا الموقع بعد دفاع بطولي عنيد أبدته حاميته بقيادة الرائد محمد سعيد يونس الذي استشهد مع كبير من رجاله .

كما استشهد في المعركة قائد كتيبة مشاة الرائد نورس طه بعد استماتة في الدفاع,وأظهر الملازم رياض الخالد بطولة فائقة بتدميره عددا مهما من الدبابات .

وفي المحصلة أسفرت المعركة عن تدمير أكثر من 40 دبابة ومدرعة اسرائيلية وتعطيلها.

 

 

ولاكتمال الصورة نستعرض ما قالته الوثائق الإسرائيلية عن هذه المعركة:(علما أن اسم الموقع في المصادر الإسرائيلية يرد باسم /القلعة/ بدل /القلع/)

جرى الخرق الإسرائيلي في القطاع الأوسط وتوقع العازر أن يكون الهجوم الإفتتاحي دمويا,وعندما أعلم ابراهام ميندلر بمهمته قال لإلعازار:إذا كانت هذه هي الخطة فهي انتحارية .

والواقع أنه ما إن تحرك مندلر باتجاه المواقع السورية حتى أمطرتها هذه بوابل من القذائف .

قال ياكوف هوريش أحد أعضاء طاقم دبابة في الكتيبة 129 من اللواء الثامن:"لم نكن خائفين في البداية,إذ تقدمتنا الجرافات لتنظيف الطريق من الألغام ,ولكن بعد ذلك انفتحت علينا السماء لهبا ,دمرت الجرافات ,وذهبت لفتحة برج الدبابة فرأيتها مشتعلة وأنا احترق معها ,وكان الرصاص يطلق باتجاهي ,فرميت نفسي من البرج ,أملا بالموت بالرصاص بدل الاحتراق ,ولكني وجدت من أنقذني ,وسمعت من يطلب باللاسلكي غطاء جويا".

دمرت خمس جرافات على الفور ,وتحركت القوة باتجته (سير الديب) مستهدفة حصن (القلع) الكبير ,وازدادت الخسائر بمن فيهم قائد الكتيبة آري بيرو,كما قتل ضابط الاستطلاع الميجر رفائيل موكادي –المحاضر الجامعي في الحياة المدنية- وضل جزء من القوات طريقه تحت ضغط القصف ووجد نفسه في مواجهة معقل آخر في زعورة للكتيبة 244 السورية.

كان القتال شديدا ومضطربا ,إذ كانت الدبابات السوزية والإسرائيلية مشتبكة وتطلق النار من مسافات قريبة (100-500)م.

ويذكر مندلر:"كان السوريون يقاتلون ببراعة وأراقوا دماءنا,ولم نغلبهم إلا بسحقهم تحت وطأة القصف الكثيف".

تصدى فريق بازوكا سوري لأول دبابة شيرمان حاولت دخول (القلع) وكان وراء فريق البازوكا رتل من سبع دبابات تي 54 اندفع لصد المهاجمين.

ويتذكر الكابتن نتانيال هوروويتز كيف كانت النيران تخرج من بيوت القرية وكان يعاني جرحا في رأسه ,فطلب توجيه ضربة جوية للدبابات وقال لمندلر:"سيدي إذا لم يدعمنا الطيران على الفور فاقرأ علي السلام ,فلن تراني ثانية".

وبعد تردد من مندلر ظهرت الطائرات النفاثة فجأة وأعطبت دبابتين سوريتين على الفور ,وتراجع من بقي حيا من المدافعين عن القلع بعد مقتل قائدهم الميجر محمد سعيد .

وبحلول السادسة مساء كانت زعورة والقلع قد سقطتا إضافة لموقع آخر هو عين فيت وأصبح الطريق للقنيطرة مفتوحا .

ولكن انتصار الإسرائيليين كان باهظا ,إذ قتل وجرح العشرات ودمرت 26 دبابة أصلية ,ولم يبق سوى دبابتين من القوة المهاجمة صالحة للقتال.

وحصلت مجزرة مماثلة في معارك (دردارة)و(تل هلال) إذ خلّفت 21 قتيلا من الكتيبة 181 الإسرائيلية و36 جريحا.

أخطأ الإسرائيليون مرة أخرى في تقدير مقدرة المواقع السورية على الصمود ضد القصف المكثف الهائل,

فقد اصطاد السوريون دبابات الكتية التسع وأنصاف مجنزراتها التسع عشرة واحدة تلو الأخرى.

 

 

---------------------------------------------------------

المصادر:

1-سجل الشرق الأوسط-3 1967 –القدس مطبعة جامعات اسرائيل 1971.

2-هاني الشمعة ,معارك خالدة –دمشق 1988.

3-مصطفى حسين ,حرب حزيران 1967-الجبهة الشرقية,بيروت المؤسسة العربية للدراسة والنشر 1973.

4-مصطفى طلاس, مرآة حياتي ,دمشق 1995.

5-ميشيل ب.أورين ,ستة أيام من الحرب ,الطبعة العربية,العبيكان 2005.