أحجية بطاريات بغداد الأثرية

أثناء عمليات التنقيب التي جرت عام 1938 في قرية قديمة قرب بغداد , عثر عمال التنقيب على جرة صغيرة غريبة الشكل يبلغ ارتفاعها سبعة إنشات مصنوعة من الصلصال الأصفر الزاهي تحوي على صفيحة اسطوانية من النحاس. أما حافة الأسطوانة النحاسية فهي عبارة عن سبيكة لحام من معدني الرصاص والقصدير وقاعدتها مغطاة بقرص نحاسي مثني نحو الداخل مختوم بالقار بالإضافة إلى طبقة عازلة أخرى من الإسفلت تختم رأس الجرة . ويتوسط الإسطوانة النحاسية قضيب معدني يظهر آثار تأكسد من جراء عامل حمضي كالخل أو العنب . قام عالم آثار ألماني يدعى ويلهلم كوينغ بفحص الجرة متوصلا إلى نتيجة مفاجئة مفادها أن الجرة ليست إلا بطارية كهربائية أثرية !! ورغم صعوبة تفسير الأمر وعدم تماشيه مع الأفكار الدينية السائدة آنذاك لم يتردد بنشر استنتاجه , لكن سرعان ما اشتعل فتيل الحرب العالمية وذهب اكتشافه طي النسيان.
لا تتفق روايتان عن كيفية العثور عليها إذ يقول البعض أنها اكتشفت أثناء التنقيب ويزعم طرف آخر أن كوينغ عثر عليها في قبو متحف بغداد أثناء توليه إدارته. ترجع معظم المصادر تاريخ هذه البطاريات إلى فترة العهد البارثيني أي 200 قبل الميلاد , بيد أن البارثينيون عرفوا بمهاراتهم القتالية ولم تسجل لهم إنجازات علمية تذكر .
عندما عرضت إحدى الجرار لنقر خفيف سقطت عنها طبقة من الزنجار ربما نشأت من عملية الطلي الكهربائي للقاعدة النحاسية بطبقة من الفضة .
في عام 1940 قرأ ويلارد ف.م غراي , المهندس في مخبر General Electric High Voltage في ولاية ماساتشوستس الأمريكية , فرضية كوينغ وقام بتصنيع نسخة تحاكي وصف وتفاصيل البطارية الأثرية التي وضعها عالم الصواريخ الألماني ويللي لي مستخدما محلول ملح حامض الكبريتيك فولدت البطارية نحو نصف فولط من الكهرباء . كما و فعل عالم الآثار إيرن إيكيبرخت المختص بالآثار الفرعونية الشيء ذاته بيد أنه ملأها بعصير العنب الطازج المضغوط فولدت تياراً كهربائيا قوته 0,87 واستخدم هذا التيار لطلي تمثال فضي صغير بمعدن الذهب.
إن صح زعمهم تكون البطاريات الكهربائية قد استخدمت قبل نحو 1800 عام من اختراعها من قبل أليساندرو فولتا عام 1799 .
هذا وقد تم العثور على عدة لقى أثرية عليها علائم الطلي الكهربائي بالمعادن الثمينة في مصر القديمة مما يوحي باستخدام الكهرباء على نطاق أوسع .
يقول الدكتور مارجوري سينيكال : أعتقد أن أحدا لا يستطيع الآن معرفة الغاية من وراء استخدام تلك الجرار , بيد أنها قد تكون بطاريات فعلية لأنها تعمل . ففعل الحرب التدميري لا يقتصر فقط على شعب وجيش وقائد , فالحضارة والتراث والتاريخ هم أيضا على خط النار . كما و يضيف البروفسور بول كرادوك : لم نتمكن من العثور على أية أسلاك للأسف مما يعني أن فرضيتنا قد تكون خاطئة تماما . لكنه بدوره متأكد من أنها بطاريات وهناك احتمال بوجود الكثير منها .
يزعم البعض بأنها ربما استخدمت لغايات طبية كتسكين الألم مثلا , بيد أن الفولتاج الخفيف الذي تولده ليس فعالا ضد أي ألم حقيقي مقارنة مع المسكنات الأخرى التي اعتاد القدماء على استخدامها طبيا كالقنب والأفيون والنبيذ.
ويزعم فريق آخر بأنها ربما استخدمت لغايات طلي أسطح معدنية بطبقات معدنية أخرى كهربائياً , بيد أن عدم اكتشاف مواد مطلية كهربائيا تعود لذلك المكان وتلك الحقبة التاريخية يدحض فرضية استخدامها لغايات الطلي.
يسترسل البروفسو بول كرادوك بخياله مفترضاً وجود مجموعة من البطاريات موصولة على نحو متوازي داخل تمثال معدني بحيث يتعرض من يلمسه لصدمة كهربائية طفيفة !! إذ يقول : لطالما اعتقدت بعدم خلو المعابد من تطبيق لبعض الحيل الغامضة , فلم لم يكن يتم شحن تمثال إله ما بهذه الطريقة حين يتقدم الكاهن بطرح سؤال على شخص ما , فإن اعتقد الكاهن بأنه لا يقول الصدق يطلب منه لمس التمثال فيتلقى صدمة كهربائية طفيفة مترافقة ربما مع ضوء أزرق يوحي بالغموض , وفي حال الإجابة الصحيحة يتم فصل التيار فيقتنع هذا الشخص بقوة التمثال والكاهن والدين ؟!! ويضيف : ربما ما زال الوقت مبكرا للجزم بأن البطارية قد استخدمت كجزء من الطقوس السحرية إذ ما زلنا بحاجة إلى دراسة متأنية لمعرفة تاريخها الدقيق . لا أحد يعلم إن كانت هنالك تماثيل تحوي داخلها هذه البطاريات ولكن فرصة البحث ليست ببعيدة جدا إن نجت هذه اللقى من الحرب التي تلوح في أفق الشرق الأوسط .
المصدر BBC NEWS