الفلستينيون هم «غزاة البحر»... ترويجاً ليهودية فلسطين

عام 1200 قبل الميلاد، غزت «شعوب البحر» مختلف المدن الساحلية الممتدّة من تركيا حتى مصر ودمّرتها بمجملها، ما أدى إلى اندثار بعض من تاريخ تلك المدن. وحتى اليوم لم تحدّد علمياً هوية تلك الشعوب الغازية. لكن فيلماً وثائقياً ألمانياً صُوّر في إسرائيل «فكّ» هذا اللغز، مؤكداً أن «شعوب البحر» الغزاة هم الِفلَستينيون

«وكان جالوت عملاقاً ضخماً يزيد طوله على ثلاثة أمتار، في حين أن داوود راعٍ بسيط صغير القامة. ولكن داوود لم يخشَ جالوت وقرر منازلته... وبعدما التقيا، رفع داوود المقلاع وبضربة واحدة أصاب جالوت في رأسه فوقع الآخر على الأرض ميتاً...».

هذه هي باختصار أسطورة جالوت وداوود التي يرويها العهد القديم من الكتاب المقدس، والتي غالباً ما تتلى على مسمع الأطفال لأنها ترمز إلى انتصار الضعيف على القوي، والدين الأوحد على الأديان المتعددة الآلهة. لكن، لهذه الأسطورة أوجه عديدة منها الدينية، الاجتماعية ومنها أيضاً السياسية. فجالوت هو العملاق الفِلَستيني الضخم الذي يعيش في مدينة قوية مسوّرة، في حين أن داوود هو الراعي اليهودي البسيط الذي يقطن القرية ويخاف الرب، وإيمانه المطلق هذا جعل منه ملكاً قوياً لإسرائيل. هذ واحدة من العبر التي يمكن استخراجها من الأسطورة، أما الثانية فهي أن الفِلَستينيين شعب قوي من دون حكمة أو فطنة وهم أعداء اليهود الذين لا يسمحون لهم بأن يعيشوا بسلام.

ولكن من هم الفِلَستينيون؟ سؤال علمي يطرح نفسه بلا انقطاع، وخصوصاً أن الكتاب المقدس يصفهم ويصف مدنهم، وهذا ما يحثّ بعض علماء الآثار على التعمّق في دراسة حضارة هذا الشعب والتأكد من صحة أساطير الكتاب المقدس أو نفيها. إلا أن إرضاء الحشرية العلمية ليس بالأمر السهل، وخصوصاً أن الِفلَستينيين سكنوا فلسطين، ومواقعهم الأثرية منتشرة في أراضي السلطة الإسرائيلية، ما أتاح لبعض من علماء الآثار الإسرائيليين القيام بحفريات أثرية بغية إظهار «مهنيّتهم العالية». وبعد سنين من العمل، خرجت نتائج الدراسات في فيلم وثائقي ألماني من إخراج فريدريك كلاتش، ومن إنتاج قناة ZDF تحت عنوان «جالوت وشعوب البحر: غزو على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط "(Goliath et les peuples de la mer : Razzia sur la Méditerranée Orientale). وقد عرضت القناة الفرنسية الألمانية Arte الوثائقي الأسبوع الماضي.

تبدأ أحداث «الوثائقي» في شمال تركيا حيث عثر على باخرة محمّلة بالبضائع الفِلَستينية والتي تظهر مدى امتداد تلك الحضارة التي بدأت (بحسب الفيلم) مع غزو شعوب البحر للمدن الساحلية في شرق البحر المتوسط. وهنا ولتغطية «ضعف» في الوثائقي يكمن في عدم التصوير في أيّ من المواقع الأثرية التي كانت في تلك الفترة مدناً دمرها الغزو مثل أوغاريت، يعمل المخرج على إعادة خلق المشهد بشكل درامي مكلف جداً. مئات من الممثلين يرتدون الملابس القديمة ويركضون في شوارع وبين بيوت مبنية من الطين بحسب هندسة وتقنية تلك الفترة. من الواضح أن تلك الشوارع والبيوت بنيت خصيصاً لتصوير تلك المشاهد الدرامية التي تعطي بالطبع لهذا الوثائقي غنى في الألوان والأحداث، تجذب إليها المشاهد التلفزيوني وتأخذه في سفر عبر الزمن.

فشعوب البحر حاربت ببسالة كل تلك المدن ولم يستطع أن يقف في وجهها إلا جيوش الفرعون المصري رعمسيس الثاني. وهذه المعركة مؤرّخة بلوحات حفرت على جدران المعابد المصرية، واعتُبر النصر من أهم إنجازات هذا الفرعون. وعادة تتوقف «القصص» المتعلقة بشعوب البحر هنا وتبدأ النظريات القائلة بأنهم انتقلوا إلى سريدينا ومالطا وعاشوا هناك.

ولكن في هذا الوثائقي، ومع نهاية المعركة، تبدأ قصة شعوب البحر. يبدأ الحديث عن مخطوطة تؤكد أن الفرعون حوّل تلك الشعوب الى «أرض كنعان» وسُمح لهم بالعيش هناك. فاستقرّوا وبنوا لنفسهم مدناً وأطلقوا على أنفسهم اسم فِلَستينينن وبدأوا بمحاربة اليهود الذين كانوا يعيشون بسلام قبلهم! ويحاول الوثائقي إثبات هذه النظرية عبر جملة من الدراسات طالت التحولات في الطقس لمعرفة سبب «زحف» شعوب البحر إلى «أرض إسرائيل الخصبة». ودراسات أخرى تثبت انتماء هذا الشعب الى أوروبا عبر دراسة القطع الأثرية المكتشفة في تلك المدن والتي تظهر تواصلاً مع المدن الإغريقية وشبهاً فنياً بها. ثم يتطرق الوثائقي إلى الوجه الإنساني ويظهر الصراع بين «الفِلَستينيين» وقبائل اليهود التي يهددون حتى وجودها! وهنا تظهر أسطورة جالوت، مصوّرة الصراع بينه وبين داوود كلعبة ثلاثية الأبعاد... يموت جالوت، ومع موته، يبدأ تاريخ إسرائيل بعدما اتحدت القبائل اليهودية تحت أمرة داوود وبدأت بمجابهة «الطغاة»! وينتهي الوثائقي على هذه الفكرة من دون حتى أن يلمح إلى أن كل هذه الأفكار تصب في خانة النظرية العلمية البحتة... وأنه لا إثبات علمياً لها!

كما لا يشير الوثائقي إلى أنها ليست المرة الأولى التي تظهر فيها نظرية قائلة بأن «شعوب البحر سكنوا منطقة شرق البحر المتوسط، وأدخلوا الحديد إلى حضاراتها». ففي ثمانينات القرن الماضي راجت في الولايات المتحدة نظرية تقول بأن «شعوب البحر هم في الحقيقة الفينيقيون. فهم من أعاد بناء المدن التي كانوا قد دمروها وسكنوها، وبدأوا تجارة واسعة وأطلق عليهم اسم فينيقيين. وقد أثبتت الحفريات الأثرية العلمية بأن تلك النظرية ولدت لأغراض سياسية بحتة تقول بأن الفنيقيين ليسوا كنعانيين، بل هم شعب من أصل أوروبي.

ويبدو اليوم أن هذا المبدأ لم يتغير. فهناك علماء يحاولون خلق رابط تاريخي عميق وغير مشكوك في أمره بين الإسرائيليين وتاريخ هذه المنطقة. ولتسييس التاريخ أبعاد إيديولوجية خطيرة وخصوصاً أنها في هذه الحالة تقع على تاريخ الشعب الفلسطيني الذي لا يستطيع حالياً مجابهته علمياً. ففي فلسطين، الحفريات الأثرية ترف لا يمكن حتى الحلم به. وفي هذه الأثناء يكمل العلماء الإسرائيليون أبحاثهم لخلق الحجج العلمية التي تثبت أن فلسطين أرض يهودية بامتياز وكل باقي الشعوب التي سكنتها كانت غريبة عنها!

لكن ما تجدر الإشارة إليه هو أنه وبعد 50 عاماً من الحفريات الأثرية المتواصلة، لم تستطع كلّ الجامعات الإسرائيلية الإثبات علمياً بشكل قاطع بأن فلسطين هي فعلياً وتاريخياً موطن سكن اليهود. وهذا ما يشكل حافزاً أكبر لهم لخلق النظريات ونشرها عبر وسائل الإعلام لكي تصبح مع الوقت حقيقة صعب جداً تناسيها أو تكذيبها.

الفلسطينيون والفِلَستينيون

هل الفلسطينيون هم نفسهم «الفِلَستينيون»، أي الشعب الذي سكن أرض فلسطين في الألف الأول قبل الميلاد؟ هذا هو التساؤل الذي تطرحه كل الحركات القومية التي تحاول أن تثبت نظرياتها الخاصة عبر تسييس التاريخ.

لكن الحقيقة لفلسطين وغيرها أنه لا يمكن الجزم بتاريخ شعب بعد آلاف من السنين من الاختلاط والحروب... وما هو معروف تاريخياً بأن الأمبرطور الروماني ادريانوس حوّل عام 135 اسم الأرض من يهودا إلى فلسطين، تيمناً بالشعب الذي كان يسكنها في تلك الفترة وهو: الشعب الفِلَستيني.