السلام المفقود (14)

ـ روس: بث جونز أخذت المسؤولية بجدية فسألتني ما إذا كنا سنسمح لدحلان بالصلاة

قلت: لكن أبلغيه بالعودة خلال 30 دقيقة وإمعانا في الجدية سألت إن كانت ستسمح لباراك بالتحدث إلى شلومو

لقد بدأ اليوم السادس بالفعل. وقد طلبت من بث جونز (منسّقة الشؤون اللوجستية في كامب ديفيد).
أن ترتب تفاصيل الاجتماع وإدارته (الإشارة هنا الى صائب عريقات ومحمد دحلان عن الجانب الفلسطيني وشلومو وجلعاد عن الجانب الإسرائيلي الإيضاح من «الشرق الأوسط»). وأبلغتها أنّ الاجتماع يجب أن يكون في مكتب الرئيس في لوريل. وأنّه يجب عزل الأربعة، وعدم السماح لهم بالمغادرة قبل الصباح، وألا يعرف الآخرون ما الذي يقومون به. سألت بث ما إذا كان يجب أن يأتوا إلى كوخي في السادسة والنصف صباحاً، وقلت لا أريدهم أن يتجوّلوا. ما عليك إلا حراسة الغرفة وتدبير مغادرتهم.

وقد أخذت بث جونز المسؤوليّة بجدّية كبيرة.

اليوم السادس في الثالثة صباحاً، اتصلت بث لتقول إنّها تلقّت رسالة بأنّ باراك يريد التحدّث إلى شلومو، فهل تسمح بمرور المكالمة؟ أجبت نعم، إذا كان هناك أي قائد يريد التحدّث إلى أحد مفاوضيه لا يمكننا أن نقول لا.

وفي السابعة تماماً، اتصلت بث قائلة إنّ دحلان يريد الذهاب للاستحمام والصلاة، فهل هذا مسموح؟ فقلت أجل، لا يمكننا القول لا للصلاة لا سيّما عندما نكون بحاجة إليها. لكن أبلغيه أنّ عليه العودة خلال ثلاثين دقيقة. وقد فعل ذلك.

وفي العاشرة والنصف، اتصلت بث لتقول إنّهم مستعدون لأخذ استراحة، فهل يمكن ذلك؟ أجبتها نعم. ثم أعطت الهاتف إلى جلعاد وأفاد بما يلي: «لقد تجاوزنا كثيراً تعليمات رئيس الوزراء، ولم يتغيّر شيء للأسف; لقد استمعوا ببساطة ودوّنوا الملاحظات وطرحوا أسئلة. لم تكن هناك ردود». فسألت لا ردود؟ وقال إنّهم ردّوا بشأن القدس. وقال إنّ صائب اقترح أن تقسّم القدس الشرقيّة بحيث تصبح كل الأحياء العربيّة فلسطينيّة وكل الأحياء اليهوديّة إسرائيليّة.

وتابع جلعاد قائلاً إنّنا ابتعدنا كثيراً، أكثر مما ذهبت إليه أفكارك بشأن القدس. وابتعدنا بشأن الأرض كثيراً ولم نحصل على شيء بالمقابل. «لا يمكننا الاستمرار في هذه الطريقة».

سألته بعد ذلك، «ما هي الخطوة التالية في نظرك؟» فقال بشكل يدعو إلى الحيرة، «أعتقد أنّنا نستطيع التوصّل إلى اتفاق». أصابني التشوّش الآن. وبدلاً من الاستمرار، اقترحت أن يطلعوا الرئيس على ما دار ظهراً. وسأل ما إذا كان يمكن أن يكون ذلك في الواحدة ظهراً، لكي يتمكنّوا من النوم ساعة وتقديم تقرير إلى باراك أيضاً. وافقت على ذلك، واتصلنا بالفلسطينيّين.

* دراما اليوم الثامن: سحب الفشل وأمطاره

* ذهبت لأتناول الفطور قبل أن اقدّم تقريري إلى الرئيس. لم أكن أشعر بالارتياح. كنت أعتقد أنّ علينا طرح الأسئلة الافتراضية على عرفات بشأن القدس. لكنّني كنت أعرف أنّ عرفات يحقّق نجاحاً في تكتيكه ـ فنحن نواصل الاقتراب منه دون أن يتحرّك كثيراً. وبقيت شكوك باراك فينا في ازدياد. عندما انضمّ يوسي إليّ على الفطور، سألته ما إذا كان من الممكن تغيير القوى المحرّكة للقمّة. أبلغت يوسي بأنّني قلق من أنّ باراك وعرفات لا يشاركان بشكل مباشر في النقاش معاً أو مع ممثلين عن الجانب الآخر. وذلك يعني بالنسبة لعرفات أنّه لن يفهم حقّاً حدود ما يستطيع باراك القيام به. ويعني بالنسبة لباراك عدم إدراكه للمخاوف الفلسطينيّة ـ كان يحصل عليها بدلاً من ذلك إما عن طريقنا وإما عن طريق أعضاء في فريقه. وفي كل الأحوال كان ينظر إلى ما يسمعه على أنّه متأثر بميلنا إلى تقبّل إحساس الفلسطينيّين بأنّهم ضحايا.

وفيما كنت أفكّر بصوت مسموع، سألت يوسي ما إذا كان يعتقد أنّ من المفيد أن يلتقي هو ورشيد مع باراك وعرفات كل على حدة، ويفصحا بوضوح عمّا هو ممكن وما هو غير ممكن في كل جانب. وتلك طريقة يسمع بها كل قائد شيئاً عن الآخر من مصدر يحترمه. وإذا ما تمّ ذلك بشكل صحيح فقد يبين أيضاً أنّ عرفات يحاول تلبية احتياجات باراك وأنّ لديه أيضاً احتياجات بشأن القدس والقضايا الأخرى. هزّ يوسي رأسه قائلاً: «لن ينجح ذلك يا دنيس، فباراك لن يقبل شيئاً إذا لم يسمعه من عرفات مباشرة». أجبت بأنّه يرفض لقاء عرفات بالنظر إلى خوفه من أن يبقى عرفات صامتاً وأن تسجّل مواقفه وتصبح رسميّة إلى حدّ ما. هزّ يوسي كتفيه قائلاً: «أنت محق».

لم أصل إلى أي نتيجة، لكنني لا أزال أشعر بالحاجة إلى تغيير القوى المحرّكة من خلال تحاور شخصيّ مباشر يشمل القائدين. وفيما كنت لا أزال أفكّر في ذلك مع يوسي، وصلتني رسالة بأنّ الرئيس مستعدّ للقائي. ذهبت لأقابل الرئيس، وأجملت أسئلتي والمقاربة الافتراضيّة باتجاه عرفات بشأن القدس. قلت له: «هذا تحرّك مباشر إلى الأمام بشأن القدس، لكنّي لا أجد أنّ بإمكاننا التقدّم بأقلّ من ذلك بالنسبة لعرفات ولا أعتقد أنّ باراك سيستجيب إذا لم نحصل على إشارة من أنّ عرفات مستعدّ للقائه على الطريق إلى القدس».

وافق الرئيس على الأسئلة، معتقداً أنّها تتوافق مع فهمه لباراك من اجتماعهما الأخير. والآن سندخل سيادة افتراضيّة في جزء واحد على الأقلّ من المدينة القديمة فضلاً عن فكرة الوصاية. لم أكن مرتاحاً، لمعرفتي بميل عرفات إلى وضع ما يحصل عليه في جيبه، لكنّنا كنّا متّجهين صوب الحائط، وكما كان ساندي يذكّرني، فإنّ من المقرّر أن يغادر الرئيس في اليوم التالي.

للأسف لم يستطع الرئيس الوصول إلى أي مكان مع عرفات. فهو لن يقبل بأي شيء سوى السيادة على كل القدس الشرقيّة. ولا يسعه أن يكون في موقف يحوّل فيه الاحتلال الإسرائيليّ للقدس الشرقيّة والحرم إلى سيادة إسرائيليّة. ولا يمكنه أن ينظر إليه على أنّه قبل بذلك. وبدا الآن أنّنا عالقون وسنفشل.

فيما أطلعنا الرئيس على ردّ فعل عرفات، سألني ما إذا كان هناك شيء آخر يمكننا عمله، وكما أبلغت الرئيس «المعالجة بالصدمة». اقترحت أن أعود إلى ممثلي القناة الخلفيّة في كل جانب وأبلغهم بأنّ الرئيس منزعج وأنّه مستعدّ لوقف كل شيء. كانت لديّ بعض الأفكار التي يمكن أن تنقذ القمّة إذا قبلها كل جانب، لكن إذا لم يسمع الرئيس شيئاً جديداً في الساعتين التاليتين، فإنّه مستعد لإعلان إنهاء القمّة. وافق الرئيس على ذلك حتى دون أن يسمع ما الذي سأقوله لكل جانب.

ذهبت إلى كوخ أمنون، حيث كان أمنون وشلومو ويوسي والمحمدان مجتمعين. رأيت أمنون وشلومو وأبلغتهما بأنّنا وصلنا إلى نهاية الطريق. فلا شيء يعمل، وأداء باراك أمس زاد الأمور صعوبة مع عرفات لأنّنا أبقيناه ينتظر نحو ثلاث عشرة ساعة. ولم يسر الاجتماع معه هذا الصباح بشكل جيّد ـ ولم يكن ذلك مفاجئاً. والرئيس الآن مستعدّ لإعلان فشل القمّة. ولا يسعني التفكير في عمل سوى اقتراح حزمة بشأن القدس والالتزام بها دون تحفّظ. تلك هي رؤيتي الشخصيّة وهي لا تمثّل موقف الولايات المتحدة. ولا أعرف ما إذا كانوا يوافقون عليها، لكنّ العناصر الأساسيّة هي التالية:

ـ تحصل الأحياء الخارجيّة على السيادة الفلسطينيّة ـ تحصل الأحياء الداخليّة على حكم ذاتيّ ذي مغزى، بما في ذلك التخطيط وتقسيم المناطق والأمن ومسؤوليّة حل المنازعات ـ في المدينة القديمة، يحصل الفلسطينيّون على السيادة في الحيّين المسلم والمسيحيّ ـ وبشأن الحرم، يحصل الفلسطينيّون على الوصاية كنت أعرف أنّ أمنون وشلومو ليسا مسرورين بما طرحت لأنّه يتخطّى ما يعتقدان أنّ من الممكن تسويقه (فقد قبلا على مضض بالسيادة الفلسطينيّة على الحيّ المسلم، وهو ما أثاره يوسي، لكن حتى يوسي لم يفكّر قطّ في تجاوز ذلك ليشمل الحيّ المسيحيّ. وكان رأيي أنّ الحيّين المسلم والمسيحيّ يشكّلان نصف المدينة القديمة من الناحية الجغرافيّة، لكنّهما موطن الغالبيّة العظمى من السكّان العرب ـ وكان عرفات يتحدّث دائماً عن المواقع المسيحيّة). لكن بدلاً من الدخول في جدال بشأن ذلك، أخذ أمنون وشلومو موعد الساعتين النهائيّ على محمل الجدّ وذهبا ليسوّقا الأمر عند باراك. وعندما نهضا للمغادرة، وصل محمّد دحلان ومحمّد رشيد مع يوسي. كرّرت ما أبلغته لأمنون وشلومو، مشدّداً على أنّ تلك رؤيتي الشخصيّة وأنّها لا تمثل الموقف الأميركيّ. فلم يلبثا للجدال أيضاً وذهبا لرؤية عرفات.

* روس: مفاوض إسرائيلي قال لي: لو تصرّفنا في سنة 1948 كما يفعلون هنا لما كنّا حصلنا على دولة

* عاد الأربعة إلى لوريل لتقديم تقرير إلى الرئيس. (إشارة المؤلف الى صائب عريقات ومحمد دحلان عن الجانب الفلسطيني وجلعاد وشلومو عن الجانب الإسرائيلي، فيما عرف بقناة الأربعة لردم فجوة الخلافات في اليوم السادس من المفاوضات التي كان تعثرها يتصاعد .. الإيضاح من الشرق الأوسط) واتّضح أنّ شلومو وجلعاد تقدّما خطوات كبيرة:

*بشأن القدس، تحظى الأحياء العربيّة الشماليّة كفر عقاب وقلنديا وبيت حانينا بالسيادة; أما الأحياء الداخليّة (الشيخ جرّاح ووادي الجوز) فتقدّم الخدمات إليها العاصمة الفلسطينيّة القدس فيما تخضع للسيادة الإسرائيليّة، وفي المدينة القديمة، سيكون هناك نظام خاصّ تكون فيه مسؤوليّات مشتركة في الأحياء الإسلاميّة والمسيحيّة *ويجب العمل بشكل مشترك على النظام الخاصّ والمسؤوليّات المشتركة;

*وبشأن الأرض، سيسعى الإسرائيليون إلى الاحتفاظ بـ 10.5 بالمئة من الأرض للكتل الاستيطانيّة، وسيحصل الفلسطينيّون على معظم الحدود مع الأردن; وتحتفظ إسرائيل بقطاع صغير فقط.

لم يحظَ اللاجئون سوى بقليل من النقاش. وعندما تحدّث صائب، لفت الانتباه إلى ما اقترح بشأن القدس، مشدّداً على أنّ تلك خطوة كبيرة ومنطقيّة في الوقت نفسه. وعندما سألت صائب عما قاله عن الأرض، ردّ بأنّه متى تمّ قبول مبدأ المقايضة يمكنهم عندئذ العمل على التعديلات على الحدود. وأضاف، إنّنا نعترف بأنّ للإسرائيليّين احتياجات ويمكننا التعامل معها متى تمّ القبول بمبدأ المقايضة. وقال دحلان نظراً لتحرّك الإسرائيليّين بشأن الحدود، فإنّه مستعدّ الآن لبحث الأمن مع الخبراء الإسرائيليّين.

وعندما أجمل شلومو قال إنّه وجلعاد حملا معهما الروح التي طلبها الرئيس. وقال إنّ صديقيه الفلسطينيّين للأسف لم يأتيا بهذه الروح، لكنّه أمل في أن ينظرا بعناية في كل شيء اقترحه وأن يستجيبا بشكل نوعيّ. وردّ صائب مقدّراً جدّيّة البحث لكنّه زعم أنّه ابتعد كثيراً بشأن القدس. وأنّه انعزل بموقفه القابل لوجود أحياء يهوديّة في القدس الشرقيّة، وهو الأمر الذي يعتبره معظم الفلسطينيّين غير قانونيّ. وعلى الجانبين الآن متابعة مفاوضاتهما. ثار غضب جلعاد وقال هذا هو أقصى ما نستطيع. «أتظنّ أنّ بوسعك أن تتخذ من ذلك طبقة جديدة وتتابع المفاوضات من هناك. لقد أتينا لنعقد اتفاقاً لا للمساومة».

طالما سعى باراك إلى إيجاد الوقت أو البيئة أو الآليّة التي لا يضع بها عرفات ما يعرضه الإسرائيليّون في جيبه. كان يريد أن يعمل وعاء الضغط على عرفات. لكن عندما واجه الخيارين ـ أن نقدّم ورقة أو ترسل رجالك للقيام بعمل حقيقيّ ـ لين باراك موقفه في النهاية وسمح لشلومو وجلعاد بأن يحاولا التوصّل إلى اتفاق شامل. لكن وفقاً لتعبير جلعاد، جاء الفلسطينيّون للمناورة في السوق أكثر مما جاءوا للتفاوض على اتفاق.

لسوء حظّ جلعاد أنّ خلاصة الرئيس للاجتماع لن تكون مرضية. أبلغ كلينتون جلعاد وشلومو وصائب ودحلان بأنّهم عملوا بجدّ وأنّنا نقدّر ذلك، وسنحاول الاستفادة مما أنجزوا. عرفت أنّ جلعاد وشلومو لن يتقبّلا ذلك بشكل جيّد، معتقدين بأنّ الرئيس أنقذ الفلسطينيّين من المشكلة.

رافقت شلومو وجلعاد إلى الخارج، فقال لي شلومو، «لو تصرّفنا في سنة 1948 كما يفعلون هنا لما كنّا حصلنا على دولة». وفي اجتماعنا مع الرئيس بعد ذلك، قلت إنّ هذا سيؤكّد أسوأ مخاوف باراك: يتقدّم هو بخطوات كبيرة فيضعها عرفات في جيبه، ويتوقّع منه أن يتقدّم ثانية بطريقة تتجاوز حتماً خطوطه الحمر.

قلت ربما كان باراك غاضباً مساء أمس للتقدُّم عليه بشأن القدس والمقايضات، لكنّ رجليه تجاوزا أفكارنا بشأن السيادة على الأحياء في القدس الشرقيّة; وتقدّما بعيداً بشأن المدينة القديمة; وقدّما لأول مرّة معظم الحدود مع الأردن للفلسطينيّين. فما الذي حصلا عليه بالمقابل؟ قلت إنّ خطوة صائب بشأن القدس تعتبر شيئاً، لكنّنا نعرف بأمرها منذ مدّة، وبشأن الأرض أعادا لعب نهج أبي علاء ـ وهو النهج نفسه الذي أغضبك أمس. لم يفعل الفلسطينيّون ما طُلب منهم. لا يمكننا أن نطلب من باراك أي شيء آخر; لقد فعل الفلسطينيّون ما لا يمكن القبول به. لكن عليك أن تعرف أنّك عندما تقابل عرفات فإنّه سيقلّل من شأن كل ما فعله الإسرائيليّون. عليك أن تضغط عليه بقوّة وتقول إنّهم تحرّكوا فيما لم تتحرّكوا أنتم. كفى ذلك. وعليك أن تقول إنّك لن تستطيع الحصول له على أيّ شيء ما لم يتحرّك بجدّية.

قال ساندي لقد حصلنا على شيء من عرفات ننقله إلى باراك. فقد قال جون بودستا إنّ عرفات يريد المقايضة، فلم لا تقول له إنّك ستحاول الحصول له على المقايضة، أعــــــطني أقل بقليل من 10 بالمئة من الأرض وسأحاول الحصول على المقايضة. لكن لا يمكنني أن أفعل أفضل من ذلك.

بعد بعض النقاش، اتفقنا أنّ على الرئيس الضغط من أجل ما هو أكثر من متطلّبات إسرائيل من الأرض. سيضغط الرئيس أيضاً من أجل احتياجات إسرائيل الأمنيّة في نهر الأردن ومن أجل احتياجاتنا بشأن «نصّ إنهاء النزاع». فقد أشار جون إلى أنّه بدون «نصّ إنهاء النزاع»، لن يتمكّن الرئيس من التوصّل إلى التواجد الأميركيّ في المنطقة الذي يسعى إليه عرفات كجزء من الترتيبات الأمنيّة ـ «لن يوافق الكونغرس على تمركز قوّات أميركيّة هناك دون نصّ صريح عن إنهاء النزاع».

* تقييمي وتصنيفي لفئات المفاوضين الفلسطينيين: مرتبكون وبين سلبيين ومرنين ومنتظرين لرأي عرفات

* كانت الساعات العديدة التالية مثيرة للجنون. فلم يردّ علينا أيّ من الجانبين. جرّب شلومو أفكاراً لم تذهب إلى ما ذهبت إليه، لكنّها تتجاوز ما قدّمه إلى الفلسطينيّين سابقاً. كان الفارق الرئيسيّ بين ما طرحته وما طرحه أنّه لا يمنح الفلسطينيّين السيادة على المدينة القديمة كما أنّ المسؤوليّات الفلسطينيّة في الأحياء الداخليّة محدودة أكثر. وقد اكتشفت ذلك عندما قدم إليّ شلومو وأبلغني أنّه عرض على الفلسطينيّين أفكاراً قريبة من أفكاري لكنّها مقبولة أكثر من قبل باراك. فلم أجد ما الذي يدفع الفلسطينيّين إلى قبول شيء أقلّ مما عرضته عليهم وأبلغت ذلك إلى شلومو.

لكنّ ذلك لم يكن يهمّ في الحقيقة. فقد كان الفلسطينيّون مرتبكين ومشتبكين فيما بينهم. فمن كان منهم سلبيّاً طوال الوقت، عبد ربه ومستشار عرفات أكرم هنيّة ، عارضوا تقديم أي تنازل في هذه المرحلة. وكان دحلان ومحمد رشيد وحسن عصفور مع تقديم ردّ على الأقل. وكان آخرون مثل أبي مازن وأبي علاء وصائب ونبيل يتطلّعون إلى ما سيصدر عن عرفات. وفي النهاية لم يردّ الفلسطينيّون على أفكاري أو أفكار شلومو.

* العلاج بالصدمة أدى الى إرباك الفلسطينيين وتليين التشدد الإسرائيلي تجاه القدس والحدود

* بعد أن حاولنا إحداث صدمة عند الجانبين، ولم أنجح إلا في إرباك الفلسطينيين، كان أمامنا خياران: إبلاغ الجانبين بأنّه لم يعد أمامنا من خيار سوى إنهاء القمّة (والعمل على بيان ملائم يعلن عن ذلك ، وهو أمر يمكن أن يدفعهما إلى إيجاد مخرج) أو السعي إلى اتفاق محدود أكثر ونتيجة محدودة للقمّة. وليس بالضرورة ألا تتوافق الأخيرة مع التكتيكات التي تقول إنّنا ندعو الآن إلى إنهاء القمّة.

قابل الرئيس باراك وقدّم إليه الخيارين. الخيار الأكثر محدوديّة يؤجّل القدس ويسعى إلى الاتفاق على كل شيء آخر. وكان باراك بالطبع يفضّل أصلاً مثل هذه المقاربة، لكن كلّما ازداد تركيزه على «إنهاء النزاع»، ازدادت رغبته في التوصّل إلى اتفاق تامّ بدون قضايا أو مطالب عالقة.

في البداية ردّ باراك على الرئيس بقوله قد ينجح ذلك. لكن كلّما فكّر أكثر في الأمر، ازداد شعوره بأنّ تأجيل القدس لن ينجح. وطلب من الرئيس إعطاءه القليل من الوقت للتفكير. ومنحه كلينتون ذلك.

بعد ساعة اتصل باراك وطلب مقابلة الرئيس على الفور. وبعد الاجتماع، كان الرئيس مستبشراً، لكنّه طلب أن يبقى فقط ساندي ومادلين وجون بودستا وأنا في الغرفة. قال إنّ الأمر حسّاس، لكنّني حصلت على الكثير من باراك. أخيراً قدّم باراك مطالب الحدّ الأدنى، لكنّه يريد من الرئيس أن يقدّمها إلى عرفات على شكل نقاط سيحاول هو (الرئيس) الحصول عليها من باراك. بشأن الأرض، ينزل إلى ضمّ 9 بالمائة من الضفّة الغربيّة مع مقايضة 1 بالمائة قبالة غزّة; وسيحصل الفلسطينيّون على 85 بالمائة من الحدود مع الأردن. وبشأن القدس، يقبل فكرة أن يخضع الحيّ المسلم والحيّ المسيحيّ للسيادة الفلسطينيّة، وأن تخضع سبع قرى من ثمانٍ أو تسع في الأحياء الخارجيّة للسيادة الفلسطينيّة; وتحظى الأحياء الداخليّة بالتخطيط وتقسيم المناطق والأمن وقوى فرض القانون. وبشأن الحرم يحصل عرفات على الوصاية. وبشأن الأمن، يجب تلبية الاحتياجات الإسرائيليّة وسيكون هناك حضور دوليّ، وستسيطر إسرائيل على وادي الأردن لمدّة تقل عن اثني عشر عاماً. أخيراً، بشأن اللاجئين، سيكون هناك حلّ يرضي الجانبين.

* كلينتون : أخرجنا باراك من جحره .. وأثمر وعاء الضغط معه .. فماذا سنفعل مع عرفات

* فرغ الرئيس وسأل، ما رأيك؟ قلت إنّه يريد الاتفاق. وأردفت قائلاً، لقد أخرجناه من جحره بالقول إنّ الخيار الوحيد الآن هو إنهاء القمّة أو الاستقرار على اتفاق جزئيّ. لقد أثمر وعاء الضغط عليه، لكن هل سيعمل على عرفات؟ لقد حصلت سيّدي الرئيس على ما تريد الحصول عليه من باراك، وعليك الآن أن تحصل على شيء من عرفات. عليك أن تسوّق ذلك باستخدام كل الإثارة التي يمكنك حشدها. لا داعٍ لمدوّن الملاحظات مع عرفات. يجب أن يكون الأمر بينك وبينه. هذه الأفكار تمثّل أفضل ما يمكنك عمله. عليك القول إنّك ذهبت إلى أبعد مما كنت تعتقد أنّك قادر عليه، وأنّ باراك سيكره هذه الأفكار، لكنّك مستعدّ للضغط عليه لكي يقبلها لأنّك تعتقد في النهاية أنّ ذلك منصف للجانبين. إنّها لحظة تاريخيّة لعرفات، وعليه أن ينتهزها. ولن تتكرّر هذه السانحة معه ثانية; «لن يكون هناك رئيس أفضل بالنسة لعرفات ولن يكون هناك رئيس حكومة إسرائيليّة أفضل ـ أبلغه أنّه لا يتحمّل خسارتكما معاً».

* البعض تنصت على اجتماع بين كلينتون وعرفات .. فجاءت إشارة الإبهام إلى أسفل

* استمع الرئيس إليّ ثم قال ببساطة، «مفهوم». طلب مقابلة عرفات بمفرده. وكان جمال موجوداً للترجمة. جاء عرفات بمفرده إلى أسبن. وقد انسحبنا من غرفة الجلوس إلى المطبخ. انضمّ إلينا روب وبروس في المطبخ ثمّ ذهبا إلى غرفة الخدمة. ومن الممر إلى غرفة الخدمة تمكّنا من الاستماع من خلال الشقوق في الباب المتأرجح الذي يفضي إلى غرفة الجلوس. في البداية لم أكن راغباً في حشر نفسي في ذلك المكان معهما. وبعد نحو ثلاثين دقيقة جاء روب وأشار بإبهامه إلى أسفل. لكنّه قال إنّ الرئيس يحاول جاهداً، فيميل على عرفات مواجهاً له تماما، ويؤشّر، ويتحدّث عما يراهن عليه، والأموال التي قد يتمكّن من جمعها من أجله، وعلاقتنا، وما يمكن أن يضيع، إلخ.

مازحت جون بودستا بأنّ عرفات قد يكون غير قادر على التوصّل إلى اتفاق. إنّه ثائر، وقد جعل من كونه ضحيّة شكلاً فنيّاً، ولا يمكنه أن يعيد تعريف نفسه في شخص عليه إنهاء المطالب وإنهاء النزاع بحقّ.