حوارات الخير والشر في الفلسفة الصينية

على مر العصور حاول الفلاسفة الصينيون القدماء تطويع الهدف من الفلسفة، وتحويلها من مجرد وسيلة لاكتساب العلوم والمعارف إلى منهج عملي يساعد الناس على تحمل متاعب الحياة وهمومها وآلامها. فتوقفوا عند تأمل الخير في النفس البشرية وحاولوا تعريفها وفهم أبعادها كي يتسنى لهم فهم نقيضها وهو الشر. وما من مدرسة فلسفية في الصين إلا وحاولت التوصل لإجابة تساؤلات مثل : ما وجه الخير في العمل الصائب؟ وما وجه الشر في العمل الخاطئ؟ وما العلاقة بين الخير والشر؟. وبتعدد المدارس الفلسفية الصينية وتطور مضامينها الفكرية عبر الزمن، أصبح هناك سجل تاريخي قديم لحوارات ومناظرات بين أتباع المدارس الفلسفية الصينية حول مفاهيم الخير والشر وما ارتبطت به من مفاهيم إنسانية أخرى كصفاء الروح والسلام والإيمان بوجود قوة عليا تراقب الكون وتجازي الإنسان على ما يقوم به من خير أو شر.

ولقد كان لتأملات المصلح السياسي والفيلسوف الصيني "كونفوشيوس" حول الخير والشر أثرا كبيرا في تشكيل منهج حياة الصينيين، وكانت لحكمه دورا في تحديد أنماط التعامل الأساسية. فكانت المدرسة الكونفوشية تميل إلى الاعتقاد بأن طبيعة الإنسان في الأصل خيرة إلا أنها تنقلب إلى الشر عندما لا تلبى احتياجاتها الأساسية. وكان من أقوال "كونفوشيوس" أن الإنسان خير بطبعه، وكل شر يقوم به هو نتيجة نقص في البصيرة. وكان يرى أن الأصل في الإنسانية هي التقوى والطاعة. وأن الخير يقابل بالخير والشر يقابل بالترفع. ولديه قاعدة ذهبية تقول: لا تفعل بالآخرين ما لا تحب أن يفعله الآخرون بك. ومن بين أفكاره الاجتماعية الداعية للخير مبدأ "التشونج" أي الإخلاص تجاه الذات وتجاه الآخرين. ومبدأ "الشياو" وهو إيثار الغير على النفس. كما امتدح شخصية " الجونتسه" أي الرجل الشريف بخصاله الطيبة وأفعاله الخيرة وليس بنسبه وثراءه.
وبعد رحيل "كونفوشيوس" قام تلامذته بتسجيل حواراتهم الفلسفية عن الخير والشر، وضمنوها كتاب يدعى "لون يو". تناولت أسمى فضيلة في النفس البشرية وهي ما يسمى " الرن" أي طيبة القلب. لكنهم عمموها وجعلوها تشمل جميع العلاقات الإنسانية بين البشر. بعد أن كانت في عصر "كونفشيوس" مقصورة على رجال الطبقة الحاكمة والنبلاء. إذ أن الفترة التاريخية التي عاشها " كونفوشيوس" في القرن الخامس قبل الميلاد ارتبطت بثورات شعبية دامية ضد النظام الإقطاعي. وكان "كونفوشيوس" رجلا حكيما ينتمي إلى طبقة النبلاء والإقطاعيين. وتميز عليهم بمحاولته إيجاد حلول وسط ترضي الجميع وتحث على الخير المتبادل بين طبقتي العوام والإقطاعيين. فكان يطالب الحاكم بتنمية جوانبه الأخلاقية لحدود الكمال حتى يكون مثالا يحتذي به شعبه. وبالفعل نجحت فلسفته في إخماد الثورة. ولكن الزمن أثبت أن هذه المبادئ مغرقة في المثالية وأنها ربما تصلح لتلك الفترة لكنها لا تصلح لكل زمان ومكان. فما أن تغيرت الظروف حتى تضاربت الأقوال حول مواقف الأخلاق. وأصبح من الصعب تحديد ما يجب القيام به وما إذا كان هذا المبدأ صائبا أم خاطئا. وهنا دعت الضرورة لظهور أصوات فلسفية جديدة شرعت في طرح الأسئلة ذاتها عن الخير والشر في سبيل البحث عن إجابات مختلفة. كان أهمها صوت الفيلسوف الصيني المتمرد " مو تزو".
فلقد هاجم "مو" كل ما قاله " كونفوشيوس" عن الخير والشر ، بل أحرق كتبه لما بها من أفكار خطرة على الصين. واعتبره رجل إقطاعي يدعو إلى حكومة تسلطية يقودها حاكم يحظى بالطاعة من رعية تخدعها الشعارات الوهمية عن الخير المطلق. وبدأ " مو" ينظر لفلسفة الخير والشر بطريقة مختلفة. فكانت تلتقي أحيانا مع تعاليم الديانات السماوية وتتباعد عنها في أحايين أخرى. كقوله أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بسلام دون الإيمان بقوة عليا تراقبه وتكافأه على الخير وتعاقبه على الشر. وأن نفس الإنسان أمارة بالشر، فهو لا يقدم الخير طواعية ، وإذا ما غاب عنه الرقيب الحسيب يخرج أسوأ ما في نفسه من شرور. على عكس "كونفوشيوس" الذي كان يؤمن بالخير الفطري ويرفض فكرة وجود قوة عليا تراقب وتحاسب وتثيب وتعاقب. أما " مو" فقاده فكره لاحقا إلى أن هذه القوة العليا موجودة في السماء وأن السماء تعطي الخير دون تفرقة. وأن كل من يصنع خيرا سترحمه السماء وكل من يصنع شرا سترميه السماء بالتعاسة. وكان يقول أن السماء تريد من الناس أن تحب بعضها وتكره أن ترى البغضاء بين الناس. إلا أن فكر "مو" تناقض مع الديانات السماوية ومع " كونفوشيوس" في مبدأ القضاء والقدر أو ما أسماه هو بالمصير. إذ اعتبر أن تطبيق مبدأ المصير عند وقوع الشر المتعمد إنما هي ذريعة وضعها "كونفوشيوس" حتى يفلت الأسياد من العقاب على إراقة دماء العبيد. وقال أن الحكام يستغلون كلمة المصير لعدم تحمل نتائج المجاعات والحروب والمظالم التي يتسببون فيها. وفي حوارت "مو تزو " عن الخير والشر مع تلاميذه توصل إلى فلسفة تفسر الشر. فيقول أنه عندما يغيب الحب بين البشر يستغل الأقوياء الضعفاء، ويحتقر الأغنياء الفقراء، ويكره الفاشلون الأذكياء. ويقول أن التعاسة مصدرها الشر ، والشر منشأه حب الذات. فالحكام يحبون العرش والسلطة والمال فيسلطون شرورهم على الآخرين حماية لما يحبون. وكذلك العائلات الأرستقراطية تحب ذاتها وأقربائها وممتلكاتها ويظهرون الغيرة للعائلات الأخرى المساوية والبغضاء للعائلات الأقل مستوى. وكذلك الحال مع كل فرد يعلي مصلحته على مصالح الآخرين.
وبعد " ماو تزو" وفي نهاية القرن الرابع قبل الميلاد ظهر الفيلسوف "تشانج تسي" وهو من أشهر فلاسفة المدرسة الطاوية التي تطورت أثناء الانتعاش الفكري لحكم سلالة " تشو". في تلك الفترة ظهرت مدارس فلسفية عديدة كانت تتنافس مع بعضها البعض كي تحظى بشرف تقديم النصح والإرشاد للحكام. وكان "تشانج تسي" يؤمن "بالطاو" وتعني المبدأ الأسمى. ويعتقد أن الأضداد تؤثر في بعضها وتؤدي إلى زوال بعضها. فالنور يبدد الظلام والنهار يمحو الليل والخير ينتصر على الشر. وكان يعتقد أيضا أن أكبر ذنب يقترفه الإنسان هو أن يترك الشهوات تتحكم في إرادته. وكان يرى أن الأمور كلها نسبية فلا يمكن أن نعرف الجمال إلا برؤية القبح، ولا يمكن أن نعرف الخير إلا بوجود الشر. ومثلما انتقد " ماو تزو" تعاليم " كونفوشيوس" كذلك فعل "تشانج تسي". فلقد استخف بفكرة انصياع الفرد إلى السلطة وطالب أتباعه بنبذ متطلبات المجتمع وتلبية الاحتياجات التي تتناغم فقط مع الكون. وعلى هذه الحالة ظل الفلسفة في الصين يتناقلون السؤال ويبحون عن إجابة جديدة. وكل فكرة تنسخ الأخرى او تكملها. حتى باتت مهمة البحث عن أصل الخير ومكامن الشر في النفس البشرية هو الهاجس الذي طغى على حوارات قدام فلاسفة الصين.

___________________________

برواز:

عندما يغيب الحب بين البشر يستغل الأقوياء الضعفاء، ويحتقر الأغنياء الفقراء، ويكره الفاشلون الأذكياء.
---

* كاتبة وصحفية إماراتية