فتحي يكن مؤسس فرع الإخوان في لبنان:اقترحت على الأسد (البعث الإسلامي)

أنت الذي أسّست "الجماعة الاسلامية" في مطلع الستينات...

- عام 1964 ويومها كان كمال جنبلاط وزيراً للداخلية وهو الذي أعطى الرخصة متجاوزاً كل العقبات.

o ما الذي تغيّر عند الانتقال من "عباد الرحمن" إلى "الجماعة الاسلامية"؟

- الذي تغيّر هو منهجية العمل. لا شك في أنه عند تأسيس "الجماعة الاسلامية" انضم إليها العديد من القيادات التي كانت في "عباد الرحمن" وخرجت منها بسبب المنهجية الجديدة التي اعتمدناها. ذلك أن منهجية "عباد الرحمن"، وهم بالفعل صادقون وصريحون في تطبيق منهجيتهم، كانت كما كان يقول الاستاذ الداعوق: "أنا لا أريد أن أزج نفسي وجماعتي في العمل السياسي. نحن دورنا أن ننشىء الجيل الصالح فقط وليس دوري أن أدخله في العمل السياسي". لذا كان مطلّقاً السياسة من ابتدائها ولم تتعدَّ منهجيته التربية الاخلاقية. أما نحن في "الجماعة الاسلامية" فنرى أن المنهج الاسلامي هو منهج متكامل لا نأخذ منه الجانب الاخلاقي دون السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وإذا كانت قضية التأثر بعبد الناصر القشة التي قصمت ظهر البعير وأدت الى انفصالنا، فإن الاختلاف في هذه القضية، أي الدخول في غمار السياسة، كان السبب الجوهري.

o هل تلقيتم عند تأسيس "الجماعة" أي دعم مالي أو تنظيمي من قبل "الاخوان" في الخارج، بخاصة في مصر؟

- "الجماعة" قامت معتمدة على إمكاناتها الذاتية، بل هي لا تقبل أن تتلقى أي دعم مادي من الآخر، مهما كان هذا الآخر حميماً. وعقليتنا أن السؤال ذلّ. لذا لانقبل دعماً كهذا حتى لو كان من تنظيمات إسلامية لأننا عندها نصبح وكأننا في سوق نخاسة نبيع ونشتري مثل غيرنا وذلك يسقط دورنا في نظري.

o بعد فوز "حماس" في فلسطين برأيك هل النجاحات الانتخابية الاسلامية في العالم العربي حالياً ستعيد الاعتبار للتنظيم الدولي لـ"الاخوان المسلمين" في العالم؟

- في الاساس لم يُفقد الاعتبار حتى نعيده. الذي حصل خلال الفترة الماضية هو قيام حركات عنفية سرقت الاضواء من حركة "الاخوان المسلمين" وكأنّها غيّبتها. وبما ان الانسان ينشدّ نحو الصدمة فقد انشغل الناس والاعلام عن "الاخوان" للاهتمام بهذه الحركات العنفية مع العلم أن "الاخوان" هم حركة قائمة في كل أنحاء الارض. وبحكم التعاطي اليومي وحضور المؤتمرات، أكاد أقول إنه لا توجد مدينة أميركية أو أوروبية أو دولة شرقية كالهند وباكستان وماليزيا إلا وفيها فكر "الاخوان" ومنهجيتهم. حركة "الاخوان" إذن لا تحتاج إلى رد اعتبار بل هي تسجل الآن الانتصارات من مصر إلى فلسطين و"حماس" هي البنت الشرعية لاخوان مصر، والتي أعتبر أنها تمثّل الساعد المقاوم والعسكري في الطائفة السنية وفي حركة "الاخوان" بصورة خاصة، تماما كـَ"حزب الله" لدى الطائفة الشيعية.

o كيف تنظر إلى النموذج الاسلامي التركي؟ هل تعتبره امتداداً لفكر "الاخوان المسلمين" ومنهجيتهم؟

- النموذج الاسلامي التركي ليس امتداداً لفكر "الاخوان" ولا لفكر نجم الدين أربكان ولا امتداداً لأي شيء موجود. هو الآن تجربة قائمة بذاتها تحتاج إلى دراسة. وما أوجدها بالفعل هو عقلية رجب طيب أردوغان الذي يملك خبرة في ممارسة الشأن العام، خاصة فترة تولّى رئاسة بلدية اسطنبول. طبعاً أقول ذلك عن أردوغان بحكم معرفتي به في إطار لقاءاتنا ضمن حزب أربكان. ومن خلال معرفتي بأردوغان أقول إن لديه ولا شك تفكيراً خلاّقاً ومبدعاً وانفتاحياً. وهو من خلال القوانين التركية الصارمة ومن خلال تسلّط المؤسسة العسكرية التركية على المسار السياسي، وضع هذه الاستراتيجية والمنهجية في العمل. ببساطة أردوغان يريد أن يأكل عنباً لا أن يقتل الناطور.

o ما الاختلاف بين حركة اردوغان و فكر "الاخوان المسلمين"؟

- الاختلاف من الناحية السياسية. مثلاً هو رأس حكومة و"الاخوان المسلمون" يرفضون أن يزور رأس حكومة اسلامية إسرائيل ويطبّع العلاقات معها. ونحن رأينا كيف أن أردوغان زارها وزوجته كأنها بلد سياحي وبشكل طبيعي. نحن و"الاخوان" نظرنا إلى هذا الامر عندما قام به السادات مثلاً باعتبار أنه خيانة. هناك مواقف كثيرة لأردوغان لا يمكن أن يقبل بها "الاخوان".

o هل غيّر أردوغان في العقائد الاخوانية وانحرف عنها؟

- لا لم يغيّر في العقائد ولكنه تساهل في تطبيقها، كقضايا الحجاب مثلاً. لديه استراتيجية معينة. وفي اعتقادي لا يريد أن يلغي شيئاً من العقائد إنما هو يقدمها بشكل مخفف. منهجيته تقوم على سدّ الذرائع، بمعنى أن الضرورات تبيح المحظورات أحياناً. ضرورات المجتمع التركي والقوانين التركية الجائرة وغيرها تسمح له بأن يترخّص وصولاً إلى الأحسن فالأحسن على مبدأ خذ وطالب ويرتقي السلم درجة درجة لا قفزاً.

o كحركات إسلامية في العالم العربي، هل تجدون في "العدالة والتنمية" التركي سنداً لكم؟

- نحن في لبنان كنا ولا نزال نعتبر هذه التجربة التركية تجربة إسلامية. وكأي تجربة أخرى يجب أن توضع على المحك فترة من الزمن قبل أن يُحكم عليها، وإذا لم يكن فيها عيوب فيجب أن تكرّس.

o هل تعتبر أن الايديولوجية الاسلامية هي التي ربحت في نهاية المطاف أم السبب سقوط الايديولوجية الشيوعية وتراجع اليسار؟

- ابتداءً هناك الفراغ الذي أحدثه انهيار الاتحاد السوفياتي، وثانياً تشكّل النظام العالمي الجديد الذي يقوم على أحادية القطب مما جعل الممارسة الاميركية مع الشعوب الاخرى مدعاة لتململ هذه الشعوب في كل مكان. أعتقد أن هذا ما دفع بالشعوب الى التفتيش عن هوية جديدة أو استرجاع هويتها الأصلية...

o هل هذه الشعوب تفتّش عن هوية جديدة أم تشهد عودة للأصول؟

- طبعاً تعود إلى أصول هذه الهوية الموجودة أصلاً.

o بسبب فشل الايديولوجية الشيوعية...؟

- بالضبط. إضافة إلى الضغط بل والممارسة الاميركية الخاطئة مثل القمع والارهاب والطغيان والتسلط. ربما لو مارست أميركا دورها عبر الشعوب وعبر ما تسميه العالم الثالث على غير هذا النحو، أعتقد لما حصل أي فراغ أو فجوة في منطقتنا. لنأخذ مثلاً المآسي الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والأمراض. لو مارست أميركا دوراً مهماً في مساعدة المناطق التي تعاني هذه المآسي وفعّلت دور لجان ومراكز حقوق الانسان في الامم المتحدة ومتفرعاتها، أعتقد أنه كان ليكون لها سيادة النظام العالمي بقبول وترحيب من الشعوب.

o لكن ألا تعتقد أنه لو لم يفرض الأميركي الديموقراطية على الأنظمة العربية، لما استطاعت الحركات الاسلامية تحقيق هذه الانتصارات الانتخابية؟

- أميركا تفرض الديكتاتورية ولا تريد الديموقراطية بحق. أعتقد أنه لو مورست الديموقراطية بشكلها الصحيح في مصر لما كان هناك وجود للحزب الحاكم. إذ بعد القمع والظلم والتعدي خرج الاخوان بحوالى السبعين مقعداً. لهذا السبب لا يريد الأميركيون ممارسة الديموقراطية لأنهم يخافون أن تؤدي الى وصول القوى الاسلامية وبخاصة المتطرفة الى مواقع الحكم.

o لكن في فلسطين حصل انقلاب كامل ووصلت "حماس" عبر عملية ديموقراطية فرضها الاميركيون، لا بل تحت أقدام الاحتلال الاسرائيلي... ألا فضل لأميركا في ذلك؟

- لا أبداً. في مصر واضح تماما غياب الديموقراطية والنزاهة والشفافية وإلا لفاز "الاخوان" على الاقل بثلثي الاصوات. في فلسطين يختلف الوضع لأن السلطة هناك تختلف عن تلك المصرية. ففي فلسطين السلطة لا تزال تحت الانتداب ومهيّضة الجناح ولا تستطيع أن تمارس الدور القهري وليس عندها مؤسسات لتنفيذ ذلك. هذا الفرق عن مصر.

o لماذا تعتبر أنّ الحركات الاسلامية وصلت الى السلطة قبل الاوان؟

- من حيث المبدأ، وبشكل عام، فإن مشروع الوصول الى الحكم يختلف عن مشروع الحكم وممارسته، أي ليس شرطاً أن يتضمن مشروعنا للتغيير، خططنا أو مشاريعنا لما بعد هذا التغيير. هنالك مشروع للوصول وآخر لممارسة الدور في مواقع القرار. ما أعنيه أن الثورة غير الدولة. مثلاً الثورة الايرانية تختلف اختلافاً كبيراً عن الدولة الايرانية. ذلك أنك في مشروع الدولة تصبح أمام شرائح متعددة وليس أمامك خيار. فأنت مسؤول عن كل الناس وكل المشكلات. فإن لم تعدّ الحركة الاسلامية، بل وأي حركة، نفسها من خلال مشروع وآلية مشروع لتولي الحكم قد تسقط هي والحكم بأقصر وقت.

o هل ينطبق هذا على "حماس"؟

- لا أقول أنه ينطبق على أحد ولكني أتكلم من حيث المبدأ. الحركات الاسلامية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وجدت فجأة أن عليها أن تملأ الفراغ. إذ لم يكن يدور بخلد أحد انه عندما يطرح غورباتشيوف البيريسترويكا سينهار الاتحاد السوفياتي بهذه السرعة، مما وضع هذه الحركات أمام تحديات غير مستعدة لها، وقبل الاوان.

o كيف ستحل "حماس" مسألة التعامل مع السلطات الاسرائيلية في فلسطين؟

- برأيي أولا ينبغي ألا تنفرد "حماس" بالحكم وأن تشرك معها باقي الفصائل. وأنا اتصلت بالأخ خالد مشعل وتمنيت عليه أن لا ينفردوا بتشكيل الحكومة. ووجدت أن هذا أمر قائم عندهم ويتبنونه ويصرون على مشاركة "فتح" في الحكم. أما بالنسبة لما نقلته بعض الصحف من أن حزب "العدالة والتنمية" قد تمنى على الاخوة في "حماس" الاعتراف بإسرائيل، فأعتقد أنه حتى لو حصل ذلك فهو ليس أكثر من ذر للرماد في العيون تجاه المؤسسة العسكرية التركية والاتحاد الاوروبي.

o أمام حقائق السلطة وتحديات المسؤولية عن كل الناس كما قلت، ألا تعتقد أن "حماس" ستقدم على الاعتراف بإسرائيل؟

- كلا ولا يمكن أن يحصل ذلك. وأعتقد أن "حماس" ستخرج من هذا المأزق عبر طرح إقامة دولة فلسطينية، عربية ويهودية. دولة فلسطينية لا يهودية ولا عربية ولا حتى إسلامية، بل دولة فلسطينية ذات دستور متفق عليه.

o قلت إن لك اتصالات مع نجم الدين أربكان، هل حصل أنك عملت على تقريب وجهات النظر بينه وبين السوريين عند تسلمه رئاسة الوزراء في تركيا؟

- حصل ذلك أكثر من مرة لأنه كان هناك احتدام في الموقف سببه عبد الله أوج ألان. كان الاتراك بالطبع يتهمون النظام السوري بأنه يحركه كرأس حربة في مواجهتهم وأن له معسكرات في سوريا. ضمن هذا الاطار وكان وقتها الاستاذ نجم الدين أربكان على رأس الحكومة التركية، حصلت لقاءات وتبيان للأمر خصوصاً أنه كانت هناك حشود عسكرية تركية على الحدود السورية ومنع للحجاج من دخول سوريا. فكان دخولي على الخط لتنفيس هذا الاحتقان والوصول الى حل. أخونا اربكان قال إنهم في تركيا لا يريدون سوى أن يخرج أوج ألان من سوريا لا أكثر لأن الاكراد عندهم مشروع إقامة كانتون كردي في اطار البنية التركية وعموم الشعب التركي يرفض هذا الامر وينظر اليه على أنه تفتيت. نقلت هذا الامر الى السوريين وصار نوع من الاستجابة. أوج ألان كانت لديه معسكرات تدريب في لبنان. لذا من الممكن أن يكونوا ضغطوا عليه في سوريا فخرج الى لبنان الذي هو بلد مفتوح بطبيعة الحال.

o من هم الاطراف السوريون الذين كنت تفاوضهم؟

- القوى الفاعلة من رئيس الجمهورية وذلك أيام حافظ الاسد الى نائبه عبد الحليم خدام.

o هل تشعر بأنك في مكان ما مسؤول عن اعتقال أوج ألان لاحقاً؟

- بالأساس لم يقم بهذا الاعتقال لا الاخوان في سوريا ولا الاطراف الاسلامية. رأسه مطلوب منذ عهود قديمة وقبل وصول اربكان الى السلطة. على العكس، لم يكن اربكان ضد الاكراد ولم تكن منهجيته ضدهم عنصرية بل يعتبرهم مسلمين ضمن اطار مشروعه الاسلامي. ولكمن هناك قوى اخرى قومية تسلمت الحكم قبله كانت أشد منه على الاكراد. والمؤسسة العسكرية هي التي تتحمل بشكل خاص مسؤولية اختطافه.

o ولكنك ساهمت في ذلك لأن إخراجه من سوريا رفع الحماية عنه...

- كان همي التقريب بين السوريين والاتراك. ولا نتحمل مسؤولية ما فعله أوج ألان بعد ذلك أو كيف تم اخراجه المهم التأليف بين بلدين نعتبرهما شقيقين أو ينبغي أن يكونا كذلك. إن احتدام الصراع حول قضية معينة يقود الاكراد فيها رجل علماني، لا ينتمي الى اطار مشروعي الاسلامي.

o اعتقلك النظام السوري من منزلك في أبي سمرا...

- لا، كان خطفاً وليس اعتقالاً... هناك فارق. وليس من المنزل بل بالقرب من ساحة التل وأنا أترجل من السيارة متوجهاً الى مكتبي، حيث كان التعقب والاختطاف المسلّح.

o اذن اختطفك السوريون في السبعينات بتهمة إيواء مجموعات من الاخوان المسلمين السوريين...

- ... بتهمة قيادة العمل كله ضد النظام.

o اختطفك هذا النظام 15 يوماً. بعد الإفراج عنك ذهبت الى دمشق على رأس وفد من الجماعة وقابلت الرئيس حافظ الاسد وقتها، ماذا قلتَ لخاطفكَ؟

- (يضحك)... الذين خطفوا كانوا يعتبرون ان "الجماعة الاسلامية" هنا مسؤولة عن كل ما يجري في سوريا. طبعاً هذه الامور سقطت من حيث المبدأ لأن ليس هناك من أدلة على أن "الجماعة" مارست هذا الدور. إن حركة "الاخوان" حركة لها قيادتها. وصحيح أننا امتداد لحركة قد تكون واحدة، لكنها لم تكن هي تقود ما يجري في سوريا، بل أكثر من ذلك لم تكن راضية عمّا يجري في سوريا. ففي الاساس الحركة غير موافقة على ما حصل وزُجّت في المعركة زجّاً من قبل فريق يدعى "الطليعة المؤمنة".

o لم يكن "الاخوان" السوريون راضين عن ماذا بالتحديد؟

- بدأت القضية عبر عملية كلية المدفعية في حلب حيث دخلت مجموعة الى هناك وأطلقت الرصاص على الضباط المتدربين وقُتل حوالى 100 نتيجة ذلك. النظام اتهم "الاخوان" الذين لم يقوموا بهذا العمل.

o مَن إذن؟ "الطليعة"؟

- حتى "الطليعة" كانت مُخترَقة من قبل فريق آخر، وهو شخص لم يكن قيادياً في "الاخوان" وكانت تدور حوله علامات استفهام كثيرة.

o من هو هذا الشخص الذي كان مسؤولاً عن الهجوم على كلية المدفعية؟

- هو من بلدة في أطراف حلب كل سكانها إن لم يكن معظمهم من اليهود. وبعد الهجوم وإطلاق الرصاص ترك اليهود هذه البلدة، الى خارج حدود القطر السوري. وأجهزة الاستخبارات تعرف هذه القضية. لكن ما حصل حصل وبدأت التداعيات وخُطفنا. إنني في الاساس لست مع ما كان يجري. نحن كحركة في لبنان لم ندخل طرفاً. بالعكس كنّا، قبل خطفي وبعده، نحاول اطفاء نار الفتنة التي اشتعلت بين الاخوان في سوريا وأن نوقفها. وقد حصل العديد من اللقاءات والاجتماعات وزيارات شاركت فيها مباشرة. وكان قريب لنا صار مراقباً عاما بعد ذلك، هو الشهيد الشيخ أمين يكن في حلب، مكلفاً من قبل الرئيس الاسد القيام بهذه المبادرات.

o ماذا قلت للأسد يومها؟

- حصلت هذه الزيارة عشية انتخابات القيادة القطرية لحزب البعث. وكنت قد انتهيت منذ فترة ليست بعيدة من كتابي "البيريسترويكا من منظور إسلامي"، فدار نقاش حول هذا الموضوع. ثم الاطلالة على انتخابات القيادة القطرية. ومن الأشياء التي قلتها بكل صراحة أني أتمنى على الحزب والأمين العام للحزب أن يعيدوا النظر في ايديولوجية حزب البعث بكاملها خاصة بعد سقوط الاشتراكيات في العالم...

o ولم تتحدثوا عن خطفك؟

- لم نتوقف عند ذلك كثيراً وتم الاكتفاء بالاعتذارات. بل إن الرئيس الأسد أخبرني وقتها انه كما حصل هذا الخطأ معي من قبلهم فقد حدث معه خطأ من قبل اللبنانيين أيضاً وذلك بعد الانفصال بين مصر وسوريا. كان ضباط الوحدة، وهو من بينهم، ملاحقين من قبل اجهزة الدولة الانفصالية واثناء هروبهم ساحلاً دخلوا الحدود اللبنانية دون أن يدروا. فاعتقلتهم السلطات اللبنانية وأبقتهم في الحجز حتى تم تبيان الامور. أراد بهذه الرواية أن يليّن الامور معتبراً أن الأخطاء تقع. ثم دخلنا في موضوع اعادة النظر في ايديولوجية البعث وانه يجب اعادة النظر في العقيدة الاشتراكية وعدم امكان تطبيقها في بلادنا، فقلت له أني أتمنى على الامين العام أن ينقل الامر الى المؤتمر وأن تستبدل عقيدة البعث بعقيدة أخرى من الطبيعي أن تكون هي عقيدة بلاد الشام أي الاسلام. بل قلت له أتمنى أن نسمع يوماً بـ "حزب البعث العربي الاسلامي"... وقال: إني بكل صراحة سأحمل هذا المقترح الى مؤتمر الحزب.

o ولكن بدلاً من ذلك أصدر حزب البعث السوري بعد سنوات مرسوماً قضى بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة "الاخوان المسلمين"!

- طبعاً نحن لسنا مع هذه الاحكام بأي حال من الاحوال. والآن نطالب بعودة "الاخوان المسلمين" السوريين في الخارج الى الداخل. وفي آخر لقاء لي مع الرئيس بشار الاسد منذ حوالى شهرين أو ثلاثة طرحت موضوع الوحدة الوطنية وعودة الجميع من الخارج بخاصة في ظل مشاريع واضحة المعالم وبخاصة المشروع الاميركي الذي دخل الى العراق قبل ان يدخل الى سوريا ولبنان.

o هل انتم مع اللقاء الذي حصل بين "الاخوان المسلمين" السوريين وعبد الحليم خدام؟

- لا اعرف مشروع الاستاذ عبد الحليم خدام رغم معرفتي الشخصية به التي تفوق الحد. والعلاقة واللقاءات التي كانت تربطني به لم تربطني بأي انسان آخر. لكني حالياً لا أعرف مشروعه الى اين؟ مع مَن التحالف؟ من هو البديل؟ هل هو بديل اسلامي؟ اخواني؟ اميركي؟ فرنسي؟

o تقصد لن تأخذ موقفاً قبل أن تتوضح معالم هذا المشروع؟

- طبعاً. لكن لي ملاحظة لماذا لم يكن هذا الموقف خلال حكم حافظ الاسد ومسؤوليته اكبر من مسؤوليات بشار الاسد. بشار استلم من فترة ليست بعيدة أما ملف الاخوان فقديم فلماذا لم يطرح هذا الملف في حينه؟

o رفضت في العراق الكانتون الشيعي الذي دعا اليه السيد عبد العزيز الحكيم مع انك كنت من الداعمين للثورة الاسلامية في ايران، لماذا؟

- في الاساس الكانتون هو جزء من مشروع صهيوني اميركي لتفتيت المنطقة وهذا يقضي على اي امل، عكس مشروعنا بالضبط. وعندما تبدأ هذه الخطوة في العراق لن توفر لا لبنان ولا سوريا ولا مصر. ان ذلك هو سايكس بيكو ثان بل هو يهدف الى تفتيت ما فتّته سايكس بيكو. المواقف الاخيرة التي يصرح بها جهاراً نهاراً السيد عبد العزيز تشير انه ما زال في احضان المشروع الاميركي.

o بالانتقال الى الشأن المحلي، تقول ان المفتي الشيخ حسن خالد كان قد ردّ عنك "قبضايات بيروت"، هل لك ملاحظات على الاداء الحالي لدار الفتوى؟

- في مطلع عهد سماحة الدكتور الشيخ محمد رشيد قباني قدمت له مشروعاً بهدف استيعاب الساحة الاسلامية ككل وأن تكون دار الفتوى المظلة لكل القوى الاسلامية دون استثناء حتى "المرابطون" و"التنظيم الشعبي الناصري" وكمال شاتيلا وغيرهم. وبالفعل هو بدأ خطوات في هذا السبيل الى جانب المرجعيات الاسلامية من قضاة وسياسيين ونواب ووزراء سابقين.

o اين انتهت هذه الفكرة؟

- بعد ذلك جرى نزع مقومات الاستمرارية بشكل او بآخر...

o من نزع هذه المقومات؟

- دخل "الاحباش" على الخط لأنهم كانوا مستبعدين، وجرت بعد ذلك محاولات حتى وصلنا الى وقف اللقاءات لأنه كان هناك تحفظ على مشاركة "الاحباش". فكان دخولهم بداية التعطيل ولو تواصلت هذه اللقاءات ما وصلت الساحة الاسلامية السنية الى حال التفتت التي هي عليه الآن.

o الشارع الاسلامي مفتت أم موحد وراء "تيار المستقبل"؟

- لا، هذه نظرة خاطئة تماماً. فريق من هذا الشارع مع "تيار المستقبل" وقد يكون الفريق الأضعف وحتى الاقل عدداً...

o ولكن "تيار المستقبل" فاز بغالبية كبيرة في الانتخابات النيابية الاخيرة في بيروت والشمال والبقاع!

- اعتقد ان النجاحات التي حققها "تيار المستقبل" في بيروت اقل بكثير مما ينبغي.

o وماذا عن الشمال؟

- ما حصل سواء هنا او هناك ان مقاطعة بعض الرموز السياسية والزعامات الاسلامية هي التي اعطت للآخر. ولولا المقاطعة برأيي لتبدلت المعادلة كلها. ان الحشود في ساحة الحرية ليست من الطائفة السنية فقط، بل يمكن أن تكون نسبة طائفة اخرى أكبر. يعني اذا اعتبرنا التجمع الاخير (14 شباط 2005) مليوناً، ماذا عن الملايين الثلاثة الباقية؟.

o اذا كان الوضع كذلك، فأين هي القوى الاخرى في الشارع السني؟

- القوى الاخرى بين متحالفة وساكتة وصامتة ومتفرجة. وأحياناً كثيرة يجري الحديث عن الاكثرية الصامتة وهذه الاكثرية لو تكلمت، وقد تقول كلمتها مستقبلاً، لسكت الذين يتكلمون الآن. اعتقد انه هناك هرج ومرج كبير في الساحة في غياب البوصلة العاقلة في الساحة السياسية والتهور اللاعقلاني القائم في الحلبة السياسية.

o تقصد في الساحة السنية أو اللبنانية؟

- في السنية اللبنانية ايضاً. الآن نحن امام قضية السياسيين الجدد. الخطابات تزداد حدة ولا يدري هؤلاء انهم بأنفسهم يسددون اللكمات القاتلة الى الكيان اللبناني ككل. واعتقد انا الآن، بصرف النظر عن موقفي من رئيس الجمهورية الذي لم ألتقه مرة بعكس سلفه الياس الهراوي، فإن النزول الى الشارع الآن وطرح معركة الرئاسة يشكل نهاية السيناريو الذي بدأ باغتيال الرئيس الحريري وسينتهي بقرار دولي على غرار الـ 1559 بتدويل لبنان واقتلاعه من محيطه العربي وشطب وعروبة لبنان نهائياً. اعتقد ان من يراقب لبنان منذ نشأته يلاحظ ان دعوات كهذه كانت تتوالى من اميل اده الى ريمون اده، ومن كميل شمعون الى امين الجميل وكلها تريد ان تقتلع لبنان من محيطه العربي وتدوّله.

o رحّبت بتقرير ميليس كونه برّأ ساحة الاسلاميين لكنه في الوقت نفسه وجّه اتهامات لمسؤولين لبنانين وسوريين، ما تعليقك على ذلك؟

- أنا أفرّق بالفعل في قضية الوصول الى الحقيقة. يجب ان نكشف الحقيقة كلها. اي ان نكشف بالفعل، وكما كانت تطرح السيدة الكريمة بهية الحريري، الحقيقة كلها: من خطّط، من قرّر، من دعم، من موّل، ومن نفّذ. كل ما قام به ميليس دار حول من نفّذ وهناك فارق كبير بين من قرر ومن نفّذ.

o هل تعتقد اذن ان المقرر غير المنفّذ؟

- طبعا. فقد يُستأجر المنفِّذ.

o مواقفك بعيدة عن مواقف "الجماعة الاسلامية"، كيف تنظر الى اداء الجماعة خصوصاً أنها اصدرت بياناً خلال الانتخابات في الشمال قالت فيه انك لا تمثّل توجهاتها؟

- صحيح، الجماعة الآن تغرّد خارج سربها.

o اي سرب؟

- السرب الذي ابعاده مواجهة المشروع الاميركي والصهيوني. انا ضد كل انقلاب تقوده اميركا وأضع علامة استفهام عليه، حتى ولو شارك فيه "الاخوان المسلمين".

o هل من سبيل لتقويم اداء الجماعة للعودة الى سربها كما تقول؟

- نحن ننبه، وهناك قوى اسلامية على امتداد الساحة اللبنانية ستصوب مسار الطائفة السنية وتنتشلها من هذا التمزق القائم.

o المودودي يقسم الجهاد مرحلتين: "الاستضعاف" وهي المرحلة التي تكون فيها الجماعة غير قادرة على تولي امورها بنفسها، و"الجهاد" حيث تكون قادرة على تولي امورها. في ايمرحلة ترى الحركة الاسلامية في العالم العربي اليوم؟

- هي في حالتين او واقعين: في بعض الاماكن هذه الحركة هي في مرحلة "النصرة" وفي اماكن اخرى في واقع "التمكين". في حالة النصرة هي تكون غير متمكنة بعد ولكنها يمكن ان تكون نصيرة لغيرها ممن وصلوا الى مرحلة التمكين. "حماس" الآن في حالة التمكين، لذا على أهل النصرة أن ينصروها ويعاضدوها.

o ما هو مستقبل الجماعة الاسلامية في لبنان؟

- آمالي كبيرة بأنها تطل على المجتمع اللبناني بمبادئها ومنهجها الحضاري الذي يبيّن تماماً أن الذي تتناقله الآن وسائل الاعلام العالمية هو غير الاسلام الصحيح والسليم الذي جاء به محمد بن عبد الله (ص) وأن الذين خرجوا الى الاشرفية واحدثوا ما احدثوه هم غير من نتحدث عنه.

o لمَن تحمل مسؤولية ما جرى في الاشرفية؟

- ربما الانقسام الواقع في البلد والذي يمتد حتى الى داخل الاجهزة الامنية المنقسمة.

oهل تؤيد الطريقة التي تحصل فيها ردود الفعل في العالم ضد الرسوم المسيئة للرسول؟

- نحن درسنا هذا الامر كثيرا. عندنا قاعدة تقول: ليست المشكلة أن يأخذ الانسان حقه ولكن أن "لا تزر وازرة وزر اخرى". واذا كان هناك رسّام معين او جهة معينة هي من تتحمل المسؤولية لا احملها لجهات اخرى و"افش خلقي" بكل البشر. هذا خطأ ولا يجوز في الاسلام أن اجعل كل الناس اعدائي واحملهم هذه المسؤولية لمجرد كونهم غير مسلمين. هناك اناس طالبوا بالفعل ان لا يتم تحميل المسؤولية إلاّ لهذا الانسان الذي رسم ومن عاضده. الآن الامور تتسع وانا اعتقد انه من البداية هناك خلفية صهيونية في الموضوع وعندنا ادلة على ذلك. واللجنة التي طافت على العالم الاسلامي جاءتني الى بيتي وبيّنت بالأدلة ان هذه الصحيفة فيها يد صهيونية وتريد ان توقع الواقعة بين العالم الاسلامي والعالم الغربي بمعنى أن تؤجج الحروب الدينية وهذا دور الصهاينة. المسيرة في بيروت كل الذين شاركوا نعرفهم ونجتمع بهم وكانت الأمور تسير بانتظام وفجأة احتل البعض المنصة وكسرها وكأن هناك شيئاً مرتباً.

أجرى الحوار جاد يتيم

(النهار)