الأدب في أوغاريت

قدمت المكتشفات الأثرية التي حصلت في حاضرة أوغاريت-رأس شمرا وثائقَ حضارية مهمة أظهرت عن تراث رفيع المستوى، وأضحت ترجماته موضع اهتمام المؤرخين والمفكرين والعلماء. وكانت هذه الوثائق غنية بموادها ومحتواها على الرغم من أن نصوصاً كثيرة منها لم يترجم، كالأساطير والملاحم والخرافات والطقوس والترانيم والصلوات والمعتقدات والرسائل والمعاهدات وغيرها.

الكثير والقليل من هذه النصوص يمكن أن نسميه الأدب بحسب المفهوم المتعارف عليه في أيامنا، فإن أهم المصادر الأساسية قد اكتُشف في أوغاريت-رأس شمرا الموقع الأثري المهم الذي ضم في حاضرته نصوصاً أدبية رائعة يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

قال أحد العلماء عن أوغاريت إنها عاصمة مملكة حضارية وفكر إنساني اعتمد إبداعها الحضاري على أهمية الكلمة والحكمة وفضائل العمل الإنساني.

للأدب في أوغاريت قيمة تاريخية عظيمة الشأن، فله قيمة دينية مهمة في مجال الدراسات التوراتية، وقيمة اجتماعية توفر للقارىء والباحث والدارس والمؤرخ مصادرَ أصيلة تصف المجتمع الكنعاني من حيث العائلة والأعياد والولائم والأعراس والمآتم والعادات والأعراف، وأهم من هذا قيمة هذا الأدب فنياً، وفي ذلك يقول الدكتور أنيس فريحة في كتابه «ملاحم وأساطير من أوغاريت»: «وليس مستبعداً أن تكون هذه الملاحم والأساطير تمثيليات فصلية».

من أهم أساطير الأدب الأوغاريتي أسطورة الإله بعل إله البرق والرعد والمطر وهو إله المدينة الرئيسي، وتتكون من عدد من القصص التي تكهن علماء الآثار واللغات القديمة أنها جمعت لاحقاً، وترجم هذه الأسطورة عدد من العلماء اللغويين.

رواية بعل هي كغيرها من الروايات الأخرى التي تميزت بأسلوب شعري من تكرار الأبيات أو الأجزاء. ويقول الإنكليزي جون هيلين في تحليل الرواية «إنه ليس من الصعب التعرف في هذا النص على خلفية العبادة الدينية أو على واقع حياة محدد، على الرغم من أننا لا نملك معلومات حوله».

من يطلع على ترجمة ملحمة كيريت سوف يتخيل نفسه أمام عمل فني مسرحي رائع تدور وقائعه وأحداثه وفق خطة فنية وحبكة وتصاعد درامي أعدها مؤلف مسرحي مبدع خلاق، وهذه الأسطورة الأدبية الجميلة كانت مدونة على ثلاثة ألواح طينية كانت محطمة فأعيد تركيبها بناء على قراءتها، وبناء على سياق الحوادث فيها.

هذا وتنوعت آداب الأوغاريتيين بين الأشعار والملاحم والأساطير التي يقول فيها جبرائيل سعادة «إن ملاحم وأساطير أوغاريت محفورة على عشرين لوحة فخارية، منها ما هو معروض اليوم في المتحف الوطني بحلب وإحدى عشرة لوحة معروضة في متحف اللوفر بباريس، وقد اعتبر العلماء أن النصوص الشعرية المحفورة على اللوحات العشرين تشكل ست قصائد الواحدة مستقلة عن الأخرى منها أربع ملاحم تتحدث عن الآلهة وأسطورتان يلعب فيهما البشر دوراً رئيسياً»، وقد أعطى العلماء لهذه القصائد عناوين مثل ملحمة بعل، ومولد الآلهة، وزواج القمر والرافائيم، وأسطورة دانييل وأقهت وأسطورة كات.

ملاحم أوغاريت موغلة فى القدم، ويعتقد أنها تمتد إلى أبعد من الفترة التي جمعت فيها في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وهو ما يؤكد أنها تسبق الأصول وذلك من الملحمة التي دونت في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، لكن مشكلة الملاحم والأساطير الأوغاريتية أنها لم تصل كاملة بسبب الكسر وضياع أجزاء منها، وهو ما سبب إرباكات كثيرة للدارسين ولكن المضمون الإنسانى كان واضحاً في قصائدهم.

هكذا من خلال هذه اللمحات الخاطفة عن الأدب الأوغاريتي الجميل ندرك أهمية أن يتكفل هذه الأساطير والآداب ناقدٌ وشاعر ودارس ينظرون إليها فنياً ويعيدون صياغتها في قالب فني جديد، ولا شك في أننا سوف نجد أنفسنا أمام روائع مسرحية وتمثيلية وشعرية وأدبية في غاية الجمال والرفعة والإبداع.