مذكرات د. علاء بشير طبيب صدام حسين الخاص(13)

الحاجة بدرة

كانت مهمة علاج زوجات الرئيس من المهام اللطيفة. أما المهمة الصعبة والمتعبة بحق فكانت مهمة الاعتناء بخالته الحاجة بدرة. وكلمة حاجة تعني أن السيدة بدرة قد أدت فريضة الحج في شبابها، وقد أصبحت الآن عجوزا، شهباء، ونحيفة تبدو كما لو كانت مومياء حية. وكادت تصيبني أنا وزملائي الأطباء في مستشفي ابن سينا بالجنون.

الحاجة بدرة كانت خالة صدام، لم تتزوج قَطّ، وكانت تحب أن تجري لها عمليات جراحية وتدخلات طبية أخري ليل نهار.

كما كانت تحب أن تتصل بنا في منتصف الليل لتشكو لنا ألما في جسدها. وكانت تسكن في بيت كبير في بغداد، وقد أمدها صدام بكل ما تحتاجه من خدم وحراس.

ولكنها ـ كما قلت ـ كانت تحب وتطلب دائما إجراء عمليات جراحية لها، مهما كانت الأسباب، فمع أقل حكة تصيبها مثلا علي الذراع تطلب منا استئصال جزء من الجلد لكي يذهب الشعور بالحكة. لا أستطيع أن أحصي عدد الأماكن التي استأصلتها من جلدها، فقط لكي أرضيها.

وأكثر ما كان يسعدها هو التخدير الموضعي، وكثيرا ما أجرينا لها عمليات جراحة بسبب أعراض وهمية عندها. ولم يمض أسبوع دون أن نجري لها عملية منظار، رغم أن معدتها كانت علي ما يرام ـ حسب رأي الدكتور مكي حمادي ـ اختصاصي طب المناظير وأحد أكفأ الأطباء في هذا الاختصاص.

وأنا علي يقين انه لا يوجد حلق في العالم كله، مر من خلاله خرطوم وجهاز تصوير المنظار الطبي، أكثر من حلق الحاجة بدرة.

عجوز خطرة

وبالطبع، فإن هذه السيدة العجوز كانت ترغب في أن تكون محور اهتمام الجميع، حتي ولو للحظات قليلة. ولكننا نعرف جميعا أن هذه السيدة قد تمثل خطرا علي حياتنا. وكان اثنان من حراسها قد اختفيا وتم إعدامهما بعد أن اتهمتهما بسرقة أشياء تخصها.

ولم نجرؤ علي أن نوقفها عند حدها ونقول لها: كفي.

لكن ساجدة زوجة صدام فقدت في أحد الأيام صبرها عندما مرت أمام بيت الحاجة بدرة، فأوقفها الحراس للتفتيش وهي في طريقها إلي قصر الرئاسة. والسبب في وجود نقطة التفتيش هو أن السيدة العجوز كانت تتوهم أن هناك مؤامرة تحاك لقتلها، ولذلك فقد أمرت الحراس أمام البيت بعمل متاريس ونقاط تفتيش علي مسافة خمسين مترا من بيتها.

أمرتهم ساجدة قائلة: «ارفعوا هذه المتاريس وإلا سأضعكم في شنطة السيارة وآخذكم مباشرة إلي السجن». وفعلوا ما أمرتهم به ساجدة، فقد كانت تري في ذلك إثارة لمشاعرها.

صراع الحواجز

وفي اليوم التالي كانت بدرة في طريقها لإجراء عملية في مستشفي ابن سينا فرأت أن نقاط التفتيش رُفِعت، فانفجرت في الحراس لعنا وسبا وهددتهم بالسجن والعذاب إذا لم يقيموا نقاط التفتيش مرة أخري. وحكي لي أحد الحارسين أنهما اضطرا لتنفيذ الأوامر وإقامة الحواجز في الشارع مرة أخري.

وبعد ساعات قليلة مرت ساجدة مرة أخري واستشاطت غضبا أكثر من الحاجة بدرة، وكانت نهاية الحارسين التعيسين في شنطة سيارة ساجدة ثم في السجن لمدة أسبوع، واختفت الحواجز من الشارع أمام بيت الحاجة بدرة للأبد.

قبل بزوغ فجر أحد الأيام اتصلت بي خالة الرئيس شاكية من ألم رهيب في السبابة اليمني وطلبت حضوري علي الفور سألتها: منذ متي تعانين هذا الألم؟

أجابت: «منذ ثلاثة أشهر. لابد أن تجري لي جراحة».

ولماذا الآن وقد تجاوزت الساعة منتصف الليل بكثير. قالت لابد أن تأتي. ذهبت لأخبرها سوف أراك غدا، ورجعت إلي داري عند الفجر.

في صباح اليوم التالي ومن باب الاحتياط أخذت معي مدير مستشفي ابن سينا وممرضين، وكما توقعت فلم تكن هناك أي مشكلة في إصبعها.

قالت لي: «أريد أن تجري لي عملية». سألتها متعجبا: لماذا؟ كل شيء في إصبعك سليم:

فانفعلت وقالت: «أنتم معشر الأطباء لا تفكرون إلا في كسب المال، انتظر وسوف تري ما الذي سيحدث لك».

اعتذار ساجدة

فقلت لها: «لن يغير في الأمر شيء أنك خالة الرئيس، ولا حتي في مقابل عشرة ملايين دينار، فلن أقوم بعمل عملية جراحية». ثارت ثائرتها واستعملت كلمات غير لائقة عندما قررت ترك غرفتها.

وفي المساء اتصلت بي ساجدة واعتذرت لي بأدب شديد عن تصرف الحاجة بدرة، وطلبت مني أن أجري لها العملية حتي ولو لم يكن لها داع.

فسألتها: «وماذا إذا حدثت تعقيدات»؟

ولحسن الحظ كانت الحاجة بدرة تضايق عددا من وزراء صدام بمشاكلها الوهمية، فاستجمعوا شجاعتهم واشتكوا لصدام الذي أمر بإلغاء الهاتف من بيتها. وارتحنا أخيرا من مشاكلها معنا في مستشفي ابن سينا.

الدوري وزوجاته الخمس

وعلي الرغم من ذلك فلم تكن هذه السيدة العجوز هي المشكلة الوحيدة التي واجهتنا في المستشفي فلم يكن صدام هو الوحيد الذي اتخذ لنفسه أكثر من زوجة. فعلي سبيل المثال كان لعزة الدوري نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ما لا يقل عن خمس زوجات وعددا كبيرا من الأطفال، وكان علينا الاعتناء بهم جميعا عند الحاجة. وكان يسكن في «بلوك سكني» علي نهر دجلة، أخذت فيه زوجته الأولي البيت الرئيسي بينما كانت للباقيات بيوت مشابهة بجانبه.

وقد أخبرني برزان أن السبب في تعدد زوجات الدوري هو انه كان في المزرعة الخاصة به في تكريت ورأي هناك ابنة الرجل الذي كان يشرف له علي الزراعة، وكانت فتاة جميلة في الثامنة عشرة من عمرها. وعلي الفور سأل أباها إذا كان يسمح له أن يتزوجها وطبعا وافقه إلي طلبه.

والقرآن ينصح المؤمنين بألا يتزوجوا بكثيرات، وإن أقصي عدد هو أربع زوجات أما الدوري الذي ظهر عليه التدين في كبره، فقد رأي أن يجعل لنفسه استثناء ويتزوج بالخامسة نظرا لأنه لا يشارك زوجته الأولي الفراش لأنها أصبحت عجوزا. واكتفي بأن يكل إليها مسؤولية العناية بطعام وشراب أسرته الكبيرة. كانت الوجبات تعد في بيتها ثم توزع علي بيوت الزوجات الأخريات تبعا لنظام محدد. وكان نائب الرئيس يقسم الليالي علي زوجاته تبعا لقواعد ثابتة كما يأمر الإسلام.

3 عمليات ختان

وحياة مثل هذه ينتج عنها أطفال كثر. في أحد الأيام جاء عزت الدوري دون موعد سابق إلي مستشفانا ومعه ثلاثة من أبنائه لنجري لهم عملية الختان، وكانت أعمارهم تتراوح بين الثلاث والأربع سنوات، ومن بينهم طفل لم يكن الأب يتذكر حتي اسمه.

واذكر كيف جن جنونه عندما رفضت إجراء العملية لهم لأنهم تناولوا طعام الإفطار ولهذا فقد يتعرضون لخطر الاختناق إذا أصيبوا بحالة من القيء وهم تحت التخدير. وبالطبع لا يمكن عمل العملية دون تخدير لأن هذا معناه آلام رهيبة للمريض.

وعندما فهم أنه لن يصل معي لأي حل آخر، أخذ أبناؤه إلي حلاق عند ناصية الشارع، وقام بعمل الختان للأطفال، الذين لابد وأن يكونوا قد تألموا ألما شديدا.

وحدة موحشة

التأم الجرح بعد العملية التي أجريتها لسميرة الشهبندر بشكل جيد. كنت أمر عليها دائما لأطمئن علي أن كل شيء يسير كما يجب، وكانت زياراتي تسعدها كثيرا وكنت أقضي معها كل مرة بعض الوقت ونحن نتحدث، وكان لدي إحساس بأنها وحيدة بشكل موحش.

كانت تحب أن تحكي لي كيف أن صدام يبهرها جدا: لا أفهم حتي الآن كيف وصل صدام لما هو عليه الآن إذا قارناه بالظروف البسيطة والبدائية التي عاش فيها وهو طفل.

كان لها ابنان وابنة من زيجتها الأولي. الولدان الصغيران والابنة وزوج ابنتها كانوا يعيشون في بيت سميرة الشهبندر وقد أنجبت الابنة حفيدة، كان يحبها الرئيس جدا. ويهتم بها جدا ويوليها رعايته في كل مرة يأتي لزيارتها.

قالت لي سميرة: إنه يحب أن يراها دائما، ويحب أن يقذفها في الهواء ويتلقاها ويلعب معها.

ولكن الفترات بين الزيارة والأخري أخذت في التباعد فقد كان صدام يهتم جدا بأمنه الشخصي ولذلك كان يغير مكان إقامته ومبيته بشكل مستمر. ولم تعد سميرة تحتمل الوضع أكثر من ذلك.

وأشارت إلي حقيبتي سفر لونهما أحمر، كانتا بجانب الباب: انظر، هكذا أصبحت حياتي حاليا. علي أن أنتظر كل ليلة حتي يحضر حراس صدام ليصطحبوني إليه ولا أعرف أبدا متي وأين يراني أو في أي بيت سأنام معه. هل هذه هي حياتي؟ وعلي الرغم من ذلك الناس يملؤها الحسد، ولكني أعرف أن الله سيعاقبهم.

ابن سميرة يغادر

عند خروجي لاحظت صورة صغيرة لزوجها الأول علي أحد الأرفف. كان لديها أسباب كثيرة تدعوها لعدم الرضا، ابنها الأكبر كان يعمل مهندس طيران، وقد طلب أن يخـــرج إلي الأردن لكــي يعمــل في عمــان، وكان الســبب الحقيــقي هو أن عُدي بدأ في مضايقته بشتي الطرق وخاف ابن سميرة من أن تنتهي تلك المضايقات نهاية سيئة.

في البداية رفض صدام سفره إلي الأردن ولكنه رجع عن قراره ذات يوم: «يمكن أن أوافق علي سفره ولكن بشرط، ألا تطلبي مني زيارته في الخارج أبدا، لأني علي يقين بأن ابنك لا ينوي الرجوع للعراق ثانية».فردت عليه: «أنا واثقة أنه سيعود يوما إلي العراق». ولكن صدام كان علي حق، وكان من الصعب عليها جدا تحمل فقدانها لابنها. ولكن كان لديَّ شعور بأنه ثمة أسباب أخري لحالة الاكتئاب المتزايدة لديها. كانت امرأة ذكية ومثقفة وكانت تعمل مدرسة قبل أن ترتبط بزوجها الأول، وكانت علي وعي بأن الأحوال في العراق تزداد سوءا وأن الحكومة بدأت في الانهيار التدريجي.

عين السمكة

في الوقت نفسه الذي أجريت فيه عملية التجميل لسميرة كان الرئيس يعاني من مسمار في القدم أحضروني إليه في أحد القصرين بالرضوانية بالقرب من المطار الدولي في بغداد.
كان القصر محاطا بحديقة كبيرة وطرق ومجموعة من البرك المخصصة لتربية الأسماك.

وبعد أن فحصت عين السمكة في قدمه اليمني ونصحته باستئصالها، طلب صدام من أحد الحراس أن يصطاد لي من إحدي البرك خمس سمكات من سمك البحيرة.

كان صدام شديد الكرم، وذلك علي العكس من باقي عائلته الذين كانوا في منتهي البخل.

قلت للرئيس معترضا عندما جاء الحارس بالسمك:«هذا كثير جدا» فقال لي صدام:خذها معك لزوجتك في البيت، فستفرح بها، إن النساء يحببن أن يكون لديهن أكثر مما يحتجن.

فيمكنك أن تري ذلك كل يوم في السوق. إنهن لا يرضين أبدا بما يأخذنه. هذا شيء في فطرتهن لا فارق في ذلك بين الذكيات منهن والغبيات أو إن كن نشأن في الريف أو هنا في بغداد. كلهن سواسية ولا جدوي من محاولة تغييرهن.

وقلت له: ربما يجب عليك أن ترتدي أحذية أكبر، ولكن محاولتي أن أنبهه لمشكلته الطبية الخطيرة باءت بالفشل، فالرئيس كان مشغولا بحديثه عن الجنس اللطيف. واستكمل حديثه قائلا: «إنهن عاطفيات ورومانسيات ومن الصعب عليهن اتخاذ القرارات؟ هن ضعيفات بالطبيعة. ولكنهن أكثر صدقا من الرجال وعندما يقررن شيئا فإنهن يضحين بكل شيء من أجله. إنهن يستحققن أن نستمع إليهن وأن نتيح لهن فرصة التأثير في المجتمع والحصول علي حقوق الرجال نفسها. ولكن طبعا في إطار يتفق مع ديننا وتقاليدنا وحضارتنا. فإننا حافظنا دائما علي الأخلاق طوال تاريخنا المجيد». تركت السمك للحارس عندما خرجت من عند صدام وأخذت واحدة كان الحارس قد شواها علي النار.

كان موقف صدام تجاه المرأة بالمقارنة بباقي الرؤساء في الشرق الأوسط موقفا تقدميا علي الأقل من الناحية الرسمية. فقد غضب الشيوخ والملالي في العراق ــ ذلك المجتمع المتدين الذي تسيطر عليه الأحكام القبلية ــ عندما سمعوا أنه في المستقبل يجب علي الرجل أن يتكفل بمصروفات مطلقته وأن ينتظر ثلاث سنوات قبل أن يسمح له أن يخرجها هي والأطفال من البيت الذي كانوا يسكنون فيه معا، وأن كل ما في البيت من أثاث وممتلكات يصبح من حق المرأة دون نقاش في حالة الطلاق. كما أصبح للمرأة حق الانفصال عن زوجها.

زوجة لعدي

ولكن صدام نفذ قرارات الإصلاح تلك علي الرغم من كل الأصوات المتعالية بالاعتراض. ولم تمض فترة طويلة إلا وتعرضت القوانين الجديدة لاختبار صعب إذ حدثت واقعة في عائلة صدام.

رجع برزان أحد الإخوة غير الأشقاء لصدام من إجازة إلي العراق من جنيف حيث كان يشغل منصب سفير العراق لدي الأمم المتحدة، وجاء صدام لزيارته، وكانت مشكلة بخصوص «سجا» ابنة السفير، إذ طلب صدام منه أن يزوجها لعدي.

وبالنسبة لفتاة صغيرة جميلة ومثقفة كان عدي هو أسوأ شخص يمكن أن تتزوجه، فلم يكن هناك في بغداد من هو أكثر منه مرضا.

وبالفعل تم الزواج بعد شهرين وبعد الزفاف بأربعة أيام كان عدي بصحبة عدد من الداعرات في جناح بفندق الرشيد مما أدي لفضيحة جديدة في بغداد.

خرجت سجا إلي بيت ساجدة لأن والديها كانا في جنيف وحاولت دون جدوي أن تقنع عمها بالموافقة علي تطليقها، ولكن الرئيس رفض وطلب منها أن تتحدث مع عدي في ذلك الموضوع. ولكن عدي رفض الحديث في موضوع الطلاق وقال لها: «إن عائلتنا لا تعرف الطلاق».

علاقة صدام وبرزان

ورأي عدي أن يلجأ للحل المعتاد لديهم في عرف البدو وهو أن يتزوج الرجل بامرأة أخري ويترك الأولي علي حالها، ويكفيها أنه يوفر لها المأوي والطعام والملبس، وهذا ما أراد فعله مع زوجته. كانت إقامتها عند حماتها بمثابة التواجد في سجن. وقد رأيتها عدة مرات وأنا أقوم بزيارات منزلية الي عند ساجدة وكان من الفظيع جدا أن أري عينيها الباكيتين وهما تستغيثان طلبا للمساعدة. ومن حسن الحظ أن أباها انتبه أخيرا لمدي جدية المشكلة ونزل إلي بغداد واستطاعت ابنته أن تزوره وسافرا سرا من العراق إلي جنيف.

ساءت العلاقة بين صدام وبرزان عندما عُزِل برزان من منصبه كرئيس للمخابرات سنة 1983 وبالطبع لم تتحسن العلاقة بعد فشل الزيجة التي أجبرت عليها ابنة السفير. ثم ازداد الوضع سوءا بعدما استدعي صدام أخاه غير الشقيق من جنيف سنة 1998، وكانت أحلام زوجة برزان وقتها علي فراش الموت ولكن ذلك لم يؤثر في موقف صدام، استطاع برزان بصعوبة شديدة إقناع صدام بأنه لا يستطيع أن يترك زوجته وحدها وهي تموت في احد مستشفيات سويسرا.

وفي رأيي كانت أحلام أكثر نساء عائلة صدام شجاعة وصدقا. كانت ذكية وماهرة ولم تكن تتجنب الاصطدام بالرئيس أبدا . سمعتها أكثر من مرة وهي تنتقد نظام الحزب الواحد والديكتاتورية وعدم وجود حرية صحافة أو حرية رأي في العراق، وكانت دائما تقول: «سينهار هذا النظام إن آجلا أو عاجلا».

ولم يكن صدام يحتمل رؤية زوجة أخيه وكان يسميها «الحية الصفراء» وعلي النقيض منه كان برزان يحبها من كل قلبه. بعد موتها بدأ في بناء مقبرة كبيرة لها في تكريت، كان من المفترض أن تصل لارتفاع خمسين متراَ ولكن حكومة صدام انهارت قبل أن يكتمل المشروع.

تم تعيين برزان عند عودته من سويسرا مستشارا للرئيس، ولكن صدام لم يسأله أبدا عن رأيه في أي شيء. وكذلك لم يسأل الأَخوين سبعاوي ووطبان بعد أن عزلهما من منصبيهما كوزير للداخلية وكرئيس للمخابرات في منتصف التسعينات. وعلي الرغم من ذلك فقد احتفظا بالحراس وبالسيارات المرسيدس والليموزين المدرعة وكانا يحظيان باحترام كبير.

في نهاية أبريل 2001 اتصل بي برزان وطلب مني الحضور لأن لديه أمرا هاما يجب ألا يطلع عليه أحد سواي.

ومن شدة فضولي ذهبت إليه علي الفور، وبعد تقديم القهوة قال لي وكان يتصبب عرقا ويبدو شاحبا: لقد اتخذت اليوم قرارا ويسعدني أن تساعدني في تنفيذه. سألت نفسي ما إذا كانت هناك محاولة انقلاب علي صدام ويريدني أن أشترك فيها، وتوقعت أسوأ الاحتمالات. إذ كان برزان أبرز منتقدي صدام سرا وعلانية وكان أولاد صدام يكرهونه كرها شديدا.

زواج برزان

ولكن برزان لم يقل لي شيئا وإنما طلب مني أن أصحبه في سيارته إلي شارع المنصور. وتوقفنا هناك عند بيت فاضل البراك، رئيس المخابرات السابق، الذي اتهمه صدام منذ سنوات بالخيانة وتم إعدامه. ودخلنا الي البيت المجاور له، واستقبلنا رجل وقور كبير السن، كان يعمل لسنوات عدة قاضيا. بل كان قاضيا محترما ومعروفا قبل أن يحال إلي المعاش. هذا الرجل الوقور هو أبو أرملة فاضل. وقد جاءه برزان طالبا الزواج من ابنته. قال الأخ غير الشقيق لصدام: كما تري لقد جئتك اليوم مع صديق عزيز علي، أقدره وأحترمه أكثر من كل إخوتي.. لم أحضر معي أي شخص آخر لأنه هو وحده بمائة رجل.

وعلي الرغم من أن التقاليد العربية كانت تفرض علي الخاطب أن يأتي في كوكبة من أهله وأصدقائه وعشيرته كتعبير عن احترامه لأبي الفتاة المطلوبة، لكن القاضي قد ظهر عليه التفهم والقبول وقال لنا: يسعدني ويشرفني أن استقبلكم هنا في بيتي.

وحكي له برزان عن صعوبة ظروفه بعد وفاة زوجته التي كان يحبها كثيرا وقال له إنه هو الآخر قد مر بظروف صعبة كالتي مرت بها كريمته جنان في السنين الماضية، وقال: أنا أحترمها وأقدرها جدا، وأحب أن أطلب يدها منك للزواج.

فقال له القاضي: بارك الله لكما.

لم يخبر صدام

كانت جنان امرأة جذابة جدا في الأربعينات من عمرها، استقبلتنا بصحبة ولديها وبناتها الثلاث، وجميعهم اتموا دراسته الجامعية، وكانوا مرتدين أفضل ثيابهم بمناسبة زيارتنا، وقدموا لنا الشاي والجاتوه.

وفي طريق عودتنا من الخطبة الناجحة ونحن في السيارة سألت برزان ما إذا كان أخبر صدام برغبته في الزواج فأجابني: «لا، ولماذا أخبره»؟

فقلت له: لو كنت أعرف أنك لم تخبره لما أتيت معك. فسألني: «لماذا؟... يمكنني أن أفعل ما أشاء... صدام أيضا يفعل أشياء كثيرة دون أن يسأل أحدا أنه لا يسألني عن أي شيء».

«هذا شيء مختلف تماما، فكيف سيكون موقفك إذا تزوج ابنك دون أن يخبرك»؟

فأجاب عن سؤالي قائلا: «لم يصبح لي أي أهمية لا علي المستوي السياسي ولا علي المستوي العائلي، لذلك أفعل الآن ما أشاء».

فقلت له: «أظن أن ما حدث اليوم سيوقعني في مشاكل».

وبعد سبعة أيام تم الاحتفال بالزفاف، وكما توقعت فقد غضبت علي عائلة صدام بسبب مساعدتي لبرزان. قالت لي ساجدة: «لقد كان من الخطأ مساعدتك له، إنها ضربة قاسية للعائلة بأكملها أن يتزوج برزان أرملة رجل خائن».

ومن حسن الحظ لم يقل صدام أي شيء عما حدث، ولكنه دعا إخوته غير الأشقاء الثلاثة ليتباحث معهم الأمر.

قال صدام لبرزان: «يجب أن تطلقها فورا وإلا فلن تصبح أخونا بعد اليوم».

لم يوافقهم برزان علي مطلبهم ولم يطلقها بعد ذلك. الآن انقطعت جميع حبال الوصل بين برزان وإخوته صدام وسبعاوي ووطبان. ]