أدب الحكمة في تراث سوريا القديم

يحفل التراث السوري والمشرقي عموما / الرافدي والشامي / بتلاوين فكرية وحكمية ومأثورات توصل إليها الفكر في سورية عبر تاريخه وهذا ما تبدّى في الوثائق الكتابية العائدة للألفين الثالث والثاني قبل الميلاد وذلك في معظم مدن المشرق العربي آنذاك بما فيه سورية
فمن بابل إلى آشور مرورا بأوروك وأورو نيبور وماري وابلا واوغاريت وغيرها ... نجد أننا أمام منظومة قيميه بديعة يعبّر عن مكامن النفس السورية التي توهجت فأمدت العالم والبشرية بكنوز معرفية وعلمية وفكرية إن كان في ابتكار الزراعة أو المدن الأولى أو الكتابة ثم الأبجدية وهكذا .
وفي مجال أدب الحكمة الذي انبثق إلى جانب الأساطير والملاحم والقصص نلاحظ أن ما كان يجري تداوله كان ينبع من منطق وليس مجرد عبث ترفيهي كما يقول أحد الباحثين لذا فالأمثال والنصائح التي دونت على الألواح المسمارية كانت نتيجة خبرات اجتماعية وحياتية متراكمة ويلاحظ في هذا السياق مبلغ القيمة الأخلاقية والإنسانية التي تحكمها ما يدل على حالة إنسانية كانت أساسا في الإبداع والخلق .

والطريف في الأمر أن هذه الأمثال كان يتدرب عليها التلاميذ فيكتبون بعضها ويحفظون بعضها الآخر في محاولة لغرس القيم الفاضلة والنبيلة في المجتمع . فمن موقع مدينة أوغاريت على الساحل السوري نجد أننا أمام كم هائل من الحياة الذهنية والفكرية المتوقدة عبّرت عن نفسها في ألواح طينية مسمارية كثيرة اشتملت على أساطير وملاحم وقصص وأمثال في أدب الحكمة ومعظمه يعود إلى حوالي منتصف الألف الثاني
قبل الميلاد .

فثمة نص أوغاريتي يتحدث صاحبه عن ألمه الإنساني حيث يقول :

- أكلت حصاتي كالخبز , وكشراب شربت دمي .

لقد حلت دموعي محل غذائي .

ونجد في نص آخر ما يعبّر عن شفافية التألم والحزن بالإضافة إلى معالم النضج التي تكتنفه حيث جاء في النص :

_ إن مقابل يوم فرح تمّر سنة ذات 360 ألم .

_ إن حياة بدون نور , هل لها أكثر من الموت .

ويقدم لنا نص أوغاريت أيضا موقفا عاليا ونبيلا للألم بما يذكر بالمكانة التي حظيت بها إن في أوغاريت أو في سورية بعامة وذلك منذ نشوء ظاهرة الاعتماد بالأم الكبرى أو الأرض الأولى .

يقول النص :

أمي - كنوز الأفق , غزال الجبل ونجم الصباح المتألق , وحلي ابنة الملكة المتبخترة بفتنتها ,

وتمثال الرخام على اللازورد , وروح العاج الكامل المملوء بالفتنة .

أمي هي المطر في الوقت الجيد , وأول الماء للزرع والمحصول الوافر والقمح الرفيع وثمار

الربيع ومنتوج نيسان والجدول الناقل للمياه العذبة إلى السهل .

ومن الأمثال الأوغاريتية مثلا :

_ لا تتكلم في شارع مطروق .

_ لا تقل سوءا عن الرجال .

_ لا تسخر من أله لم تبتهل إليه .

_ لا تقس نفسك بقويّ .

ومن الأمثال / النصائح الجميلة والصالحة لكل زمان / نقرأ :

_ لا تتخذ للزواج فتاة في عرس , إن الفتاة القبيحة تتدثر في الاحتفالات بالثوب الجميل .

_ لا تطلع زوجتك على ما في صرتك .

وتحفل وثائق المشرق العربي القديم بالكثير من أدب الحكمة هذا والذي أنتشر على محيط كامل من بلاد الرافدين إلي بلاد الشام وساحلها .
ومن الأمثال بعامة وهي منتقاة من عديد من المواقع ووثائقها نقرأ :

_ الذي يأكل حتى التخمة , يحرم من النوم .

_ ليس القلب هو الذي يقود إلى العداوة وأنما هو اللسان .

_ تدخل الذبابة في الفم المفتوح .

_ الآتي من بلاد بعيدة كذّاب بطبيعته .

ولعلنا نلاحظ في هذه الأمثال مبلغ النضج والإبداع الذهني المجتمعي الذي كانت عليه مدننا في

عصور ما قبل الميلاد وبما يعادل خمسة آلاف سنة من الآن .

نقرأ أيضا :

- الكلمة العذبة صديق لكل إنسان .

- من يأكل قليلا ..يعمر كثيرا .

- المدينة التي لا تكون لها كلاب .. يحرسها ثعلب .

ومن الأمثال العائدة للفترة الأكادية / حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد / يمكننا تتبع جملة من الأمثال والأقوال التي تقترب من الفلسفة والتفكير المنطقي بما يعبّر عن اتقاد الذهن وإدغامه مع الواقع المعاش .

_ يا صديقي , سّري لا يحفظه لي عدوي , ولكن ابني أو ابنتي .

_ الثمر في الربيع , ثمر حزين . ( قبل أوانه ) .

_ القناة باتجاه الريح تجري فيها الماء بغزارة .

ونقرأ حول المستحيل :

_ حملت بدون جماع , وسمنت دون طعام .

_ ساقاي تتابعان السير , وقدماي لا تتعبان , وحتى الآن هناك غبي يلاحقني بالأحزان .

_ إذا لم تكن البذرة سليمة لا تعطي نبتة وحبوبا .

_ المدينة التي ليس فيها سلاح وقوة , لا يرتد العدو عن بابها .

ومن طرائف الحكم نقرأ :

_ لا تتزوج بغيا , فأزواجها ستة آلاف .

_ إذا وعت أعط .. وإذا شجعت ساعد .

_ ماذا تكون مكافأة من يخبر عن موت أحد الناس .

_ المتعلّم عربة والجاهل طريقة .

وبالاتجاه نحو الألف الأولى قبل الميلاد في زمن الفاعلية الآرامية والآشورية تطالعنا وثائق أحيقار الآرامي الذي اشتهر في بلاط نينوى حيث عثر عليها مكتوبة على أوراق البردى في جزيرة الفيلة في مصر وتعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد حيث كان أحيقار في مصر .

اتصف أدب أحيقار الحكمة والنباهة وسرعة البديهة وبالوصول سريعا إلى دلالة القول دون عناء وبلا تفلسف يقضي على الفكرة المبتغاء والمرجوة وإذا ما تابعنا كتاباته سنلاحظ ذلك بوضوح :

_ الابن الذي يدّرب ويوضع القيد في قدميه هو الذي ينجح .

_ إذا ضربتك يا ولدي فلن تموت , ولكن إذا تركتك لأهوائك فلن تعيش .

_ لقد ذقت حتى الحنظل وأكلت البقل المرّ , فلم أجد ما هو أكثر مرارة من الفقر .

_ الإناء الصالح يحفظ الكلمة في داخله , والمكسور يتركها تتسرب إلى الخارج .

_ لا تتخاصم مع من هو أكثر احتراما منك .

_ لا تكن كبير الحلاوة لئلا يبتلعوك , ولا تكن شديد المرارة لئلا يبصقوك .

_ يا ولدي , أفضل للمرء أن ينتقل ينقل الحجارة مع رجل حكيم من أن يشرب الخمر مع رجل أحمق .

_ يا ولدي عندما يكون لك حذاء في قدميك قم بدوس الأشواك لتفتح طريقا لأبنائك وأبناء أبنائك .

_ يا ولدي لا تقترب من امرأة كثيرة الهمس , ولا من التي يكون صوتها عاليا .

وبعد .. هو جانب واحد مما تحويه ذخيرة العقل في سورية والمشرق العربي , متجاوزين بذلك ما اشتملت عليه الأساطير والملاحم من قيم مجتمعية إنسانية رائدة عبّرت عن خصائص المجتمع السوري عبر التاريخ والتي تبدّت في نزوعه نحو الهمّ الإنساني والجدوى الإنسانية لما فيه خير المجتمع .