تلك الأغاني ..تلك الأيام

 

 

هي أغنية ..انسابت من إذاعة يختلط فيها صوت الأغنية مع تشويش خفيف ,أعادتني لأيام بعيدة جميلة ونقية,لأول أغنية وموسيقى انسابت في كياني وما برحته كما هو.

تلك الأغنية كانت شفت القمر لشادية .

في بداية الثمانينيات كان ذوقنا الموسيقي كما كنا نحن عاشقا لكسر التقاليد والخروج عن المألوف .

كان زياد أول مالتقينا به على هذا الطريق في حن الحديد وجايي مع الشعب المسكين ومن ثم الشيخ إمام في الشمس غرقت ومارسيل في ريتا وأمي ,وفي الأساس كان الرحابنة يقبعون في جميع ما أنتجوا.

 

 

  في تلك السنوات كان من عادتنا في الصيف المسير في الجبال لأيام والتخييم فيها ,وكانت تلك الرحلات تختتم ليلا بالسهر على ضوء النار مع ترديد الأغاني التي كنا نهوى.

وفي العام 1981 قادتنا أرجلنا لقرية الدالية وقضينا ليلنا في منزل إحدى العائلات هناك وصدف أن أحد أفرادها كان عازفا جيدا للعود وبعد عدة معزوفات والخوض في الحديث طلب مني الإطلاع على بعض القصائد ,ثم توقف عند إحداها وأخذ عوده وبدأ بغنائها ..

ثم في العام التالي أرسلت قصيدة لمجلة الكفاح العربي اللبنانية وكان عمري وقتها 17 عاما وكم كانت فرحتي غامرة إذ رأيتها منشورة.وعلى مدى ثلاث سنوات تاية نشرت لي المجلة عشرات القصائد وكان آخرها واحدة مهداة لسناء محيدلي.

وكنا نرى في عمليات المقاومة اللبنانية ضد الجيش الإسرائيلي وقتها جذوة تلهب عواطفنا ,بعد أن خبت الجذوات الأخرى واحدة تلو الأخرى ,وبدأت منذ ذلك العام مرحلة الركود العظيم في البلد وشمل ذلك جميع النواحي ومنها الفنية والأدبية ,

  ولم يتوقف التراجع حتى يومنا هذا باستثناءات قليلة .

 

وفي المنزل كان لأخي الأكبر نزار الفضل في إدخال عدة (لوثات) إلى المنزل ومنها آلة العود ,مع أنه لم يكمل الطريق إلا أن أخي حسان قد التقطها  وبدأ يتمكن من عزف العود ,وبدأ منذ العام 1980 يأخذ بعض ما كنت أكتبه  ويلحنه*.

وشلف لنا القدر يومها صوت جميل ومتمكن هو ياسر ادريس وبدأ بغناء تلك الأغاني ,ومنها على ما أذكر قصيدة لبيروت أثناء اجتياحها عام 1982 .

ومن ثم ضاع ياسر ,مع جملة الضائعين.

بعدها تعرفت إلى عصام الخطيب إذ كان قريب أحد أقرب أصدقائي وضاح ,وبدأنا بالسهر في شقته للتسلية ولعب الشدة والاستماع لألحانه وأغانيه الجديدة .

أعطيت عصام قصيدة حينها ليلحنها ,وبعد مرور عدة أيام كان قد أنجز مطلعها وأعطاني شريط كاسيت لكي استمع لبروفة اللحن .

ولم تكد تمر بضعة أشهر حتى ضاع عصام ,فقد وعدته إحدى الفصائل الثورية بالسفر والعلاج على حسابها في الخارج.

وكان عصام قد لحّن عدة ألحان ولجهات حكومية ومعارضة ,بعد وعود من هذه الجهات بعلاجه وكانت معظمها تخيب.

 

  في العام 1984 انتقلت إلى اللاذقية لمباشرة دراستي الجامعية ,وتصادف مكان سكني هناك بجوار منزل الفنان جورج فهد (والد الفنان عابد فهد) .

أذكر تلك العائلة الآن بود واحترام ,فقد كانوا يعاملونني كأحد أفراد عائلتهم,وهذا ما جعلني أتجاهل رسائل الود التي كانت تأتي من الصبية الأصغر في العائلة ,متفاديا أية إساءة لتلك العائلة الكريمة (كما كنت أنظر للأمور وقتها).

 كانت صينية الفطور الشهي تأتيني بين الحين والآخر مع ابنهم الأصغر عامر(أصبح مخرجا الآن) .

وما أذكره لجورج فهد عدا عن أغانيه(يا شجرة الليمون,بين الرضا...)أنه كان يدافع عني عندما كان الجيران يشتكون على تجمع الرفاق عندي والسهر والغناء حتى ساعة متأخرة بين الحين والآخر.

بل إنه كان يضع كأس ومازة خفيفة ويستمع لأغانينا بجذل كما علمت فيما بعد.

 

ومن آخر المحاولات **,كانت لأخي الأصغر أيمن الذي برز في عزف العود ونال المرتبة الأولى على مستوى سوريا تحت سن 12 لسنتين متتاليتين.

بعدها وعينا الدرس بقسوة,لا يوجد حل وسط إما أن تنتمي لجهة حزبية,حكومية,مالية وتؤجر أو تبيع موهبتك لصالحها أو أن تحلق حرا ..

ولكن خفقات جانحيك الصغيرين لن يصلان بك لأبعد من مدى رؤية عينيك.

ذلك هو المفترق الذي وقف عنده الكثير من المبدعين ,وضاعت على أعتابه الكثير من الإبداعات والرؤى.

 

في تلك المرحلة بدأنا نستمع ونطرب للكلاسيكيات المصرية ,التي كانت لا تعجبنا وكنا نرى فيها تخديرا (للجماهير الثورية الزاحفة غدا على بطاح الجليل)والتي اختتمها عبد الوهاب بأغنية من غير ليه والتي كانت آخر ارتعاشة لهذا النمط من الأغاني.

  بعدها وبعد الدخول في التسعينيات ,خبت تلك الجذوات ولم تعد الأغاني تهزنا كما كانت ,وأصبحت تمر ولا يعلق منها شيء إلا القليل .

ضاع الكثير من ذلك...كما ضاعت الكثير من الأشياء

ما بقي ...نتف تهل بين الحين والآخر تهز القلب كما فعلت لأول مرة ,

وتأخذ الروح من إسارها ..لكي تعود كما كانت ...حارّة ..وحرّة.

---------------------------

ما تبقى لدي منها:

*مثلا (تلاقينا) عام 1981

https://soundcloud.com/user-990948721/9bphwfzvpv9n

**وورق الخريف 1986

https://soundcloud.com/user-990948721/rrb0uwv2dwdg

 

إضافة تعليق جديد