طيران فوق عش العويسق(الأخيرة)

   بعد زلزالين كارثيين,استقرت بنية العالم السياسية والحقوقية والاقتصادية على نظام عالمي ,دعي عالم ما بعد الحداثة.

ولتفسير وشرح  هذا النظام نشأت نظرتان,تقول الأولى أنه يخرج بصورة عضوية من رحم تفاعلات قوى عالمية متباينة جذريا ,لكنها جوقة متناغمة نسقتها اليد الخفية للسوق العالمية,في حين ترى الثانية أنه مفروض من قبل سلطة وحيدة ,في صيغة أشبه بنظرية العولمة التآمرية.

وفي هذا النظام أنواع مختلفة من الدول:

دول ما قبل الحداثةحيث يغيب دور الدولة كضامن للمجتمع ,أو تكاد تغيب الدولة ويحل محلها صراع عنفي أو مافيات تجارية وأمنية .

و دول ما بعد المرحلة الإمبريالية وما بعد الحداثة التي لم تعد تنظر إلى الأمن من زاوية الغزو بالدرجة الأولى.

ودول الحداثة التقليدية التي تنتهج سلوكاً ميكيافيليا، مثل الهند والباكستان والصين

لا يوجد في عالم ما بعد الحداثة احتمال أن يغزو أحدهم الآخر,كانت الحرب تعتبر أداة من أدوات السياسة ,أما الآن فهي تعتبر علامة على الفشل السياسي .

وسيستمر الجدل بين مجموعتي الحداثة وما بعد الحداثة .

أما تلك الدول التي تعيش ما قبل الحداثة فيجري التعامل معها وفقا لمبدأ (المعايير المزدوجة) وهو يعني:

سنحترم القانون في التعامل فيما بيننا، أما حين نعمل في الغابة سيتعيّن علينا أن نستعمل قوانين الغابة.

ولهذا تم تفكيك الدول لأربع محددات وهي :العنف والحدود والهوية والكفاءات السياسية .

فشلت معظم دول ما قبل الحداثة في إدارة دولها وعلى الرغم من ذلك فقد احتفظت بحقوقها السيادية باستخدام العنف والحدود والهوية،وبعزل الداخل عن الخارج.

إنّ الأحداث الراهنة والإحتجاجات بمجملها تتمحور حول المحدد الرابع -وهي قد تجاوزت بنجاح لحد الآن المسار الكارثي الذي آل إليه ما دعي بالربيع العربي الذي انزلق للعنف والطائفية والإرتهان للخارج-وعلى الدوام ستسلك الحكومات ذات السلوك وستعتبر  أن تدخلًا خارجيًا يقف خلف تلك الأحداث ، لذا فإن تلك التظاهرات تشكل تهديدًا للسيادة، بينما ترفض الشعوب المتظاهرة هذه المزاعم وهي تريد تحدي هيمنة تلك الكفاءات الحكومية الفاشلة..

 

  برزت حركات الاحتجاج بصورة لم تحدث من قبل والتي بدأت مع نهاية القرن الماضي واستمرت بقوة في القرن الجديد , فرنساو لبنان والعراق والجزائر وتشيلي وهونج كونج والإكوادور حاليا.

ما زالت ثورات الجياع تندلع في القرن 21 لأنها لا تزال هي الوسيلة الناجحة في التأثير على سياسات الحكومات تجاه المعيشة.

والعامل المهم الذي دخل حديثا هو الاتصالات الحديثة ووسائط التواصل ,حيث باتت الاخبار والمعلومات  تنتج من أسفل ,وباتت وسائل إعلام الحكومات تلهث خلفها للتبرير والدعاية وأحيانا كثيرة للتضليل وبطرق جد بائسة.

 تعلو الحكومات فوق الجمهور وتخضعه ,غير أن الهرم ينقلب يعود الجمهور القوة الحقيقية لعالمنا الاجتماعي في حين ليست الحكومات إلا أداة قهر وإخضاع لا تعتاش إلا على نشاط الجمهور وحيويته.

إن الخلل الوجودي هو أنه في حين تكون الحكومات عاكفة على بناء هيكلها (بجميع أشكاله) تبدو محرومة من أية قاعدة حقيقية تستند عليها ومفتقرة للغاية الإنسانية ,حيث يكمن الفساد في جوهر ممارسات الحكومات وهو بند أساسي في السيطرة والتحكم بالجمهور الذي يجب أن يبقى مقسما إلى وحدات مختلفة,والفساد هو الممارسة الخالصة للتحكم ,وهو تحكم موجه نحو تدمير خصوصية الجمهور.

وتواجه دول العالم الثالث في هذا النظام تدهورا إضافيا في القدرة على اتخاذ القرار.فمقولة العالم الثالث قد تداعت وهي لم تكن في ظل الحرب الباردة سوى فضاء مفتوح للإمكانيات التجارية,وكذلك صلاحيات الدولة القومية فنحن أمام هيكلية بنيوية غير قابلة للإرتداد .لم تكن الأمة شعورا بالإنتماء وتراثا مشتركا فقط بل بنية حقوقية-اقتصادية أيضا .

ويمكن تتبع تدهور فاعلية هذه البنية ,فعولمة الإنتاج والتداول,لا تلبث أن تبطل فعالية الحقوق القومية والوطنية.

 

 

هل أحكمت المنافذ,وسدت الطرق؟

 

في عالم مابعد الحداثة يعود الفقراء إلى مركز الساحة السياسية والإنتاجية ,هذه الجموع التي أهملت وبعثرت وجاعت تنفض عنها كل هذه الأثقال وتطير حرة .

  حر كعصفور ,هذه العبارة التي استخدمها ماركس لوصف جمهور البروليتاريا المتحرر من عبودية الإقطاع ثم من وسائل الإنتاج تاليا تصبح غير مرغوبة في التطور التاريخي للأنظمة ,واصبح هؤلاء الفقراء مكروهين تماما لهذا السبب (أحرار كالعصافير)حيث لم يستجيبوا لنظام الطاعة في المصانع .

ما كان نبوئيا هو أن أعظم تحديين سيواجهان العالم هما:المناخ والجوع.

هذا ما تنبأ به شابلن حين أقدم على تفسير أزمنة الفقرالحديثة وربط اسم الفقراء باسم الحياة .

 وهذا مافعله المخرج الإيطالي فيتوريو دي سيكا حين جعل للفقراء أجنحة وجعلهم  يطيرون على المكانس في فيلمه (معجزة في ميلانو) ومن المشاهد الملفتة فيه هو أن بائع البالونات والذي أمضى عدة أيام لم يذق فيها أي طعام ,قد رفعته البالونات عن الأرض.

 

والضوء الذي يلوح ,والمخرج من حلقات الدوران العبثي هو العمل على المحدد الرابع (الكفاءات) بعد تحييد العنف وتثبيت الحدود والهوية, وهذا الأمر لن تأتي به الحكومات من تلقاء نفسها.

 

إن الرفض بداية حقيقية للتحرر إلا أنه يكون عدميا حينما لا يكون شاملا لكل القيم السائدة وحين لا يبشر بمجتمع جديد ويطرح بديلا ,يجب أن يكون الخروج مؤسسا.

هذا ماجعل سبارتاكوس يرتد عن أسوار روما ...

هذا ما عناه غيفارا عندما قال:لا يكفي أن تطلقوا الرصاص بل يجب أن يكون لديكم عمل متكامل.

وعندما غاب هذا(العمل المتكامل) كانت نهايته التراجيدية ,ونهاية الأبطال من قبله .

 

 

إضافة تعليق جديد