قصة أقدم معصرة للزيتون في ريف جبلة

إنها فعلاً شجرة مباركة خصها الله بالذكر في القرآن الكريم، إنها شجرة الزيتون والتي مازالت قادرة على جمع الأهل والأقارب والغائبين والمنشغلين بأعمالهم وهموم الحياة، يأتون من الأماكن البعيدة والمدن الأخرى حيث يعيشون، يأتون إلى مسقط رأسهم ومنازلهم وأراضيهم حيث هناك بعض أشجار الزيتون الشامخة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، يجتمعون بعد طول غياب يساعدون بعضهم بعضاً في جني المحصول وقطاف حبات الزيتون المباركة، وكل يأخذ نصيبه ومونته من الزيت والزيتون.

طقس خاص ‏

طبعاً... لجمعة الأهل والأصدقاء طقوسها في هذا الموسم في محافظة اللاذقية حيث تصدح حناجر البعض بأجمل أغاني العتابا والميجانا تتخللها بعض المواويل، وآخرون يروون النكات والبعض يقصون الطرائف والنهفات التي تعرضوا لها، وهكذا حتى يأتي وقت الظهيرة يتحلقون ويجلسون ويفترشون الأرض بما تجود به زواداتهم يتقاسمونه ثم يأخذون قسطاً من الراحة ليعودوا إلى القطاف بكل همة ونشاط. ‏

زيت «الخريج» ‏

بعدها تأتي مرحلة العصر حيث يأخذ الكثيرون محاصيلهم إلى المعاصر مباشرة أي كما يقال من الشجر إلى الحجر، لكن هناك الكثيرون مازالوا يحافظون على طريقة سلق الزيتون لاستخراج ما يسمى بزيت «الخريج »، ويكون لونه أقرب إلى الأخضر الداكن أو الأسود ويرى البعض أن مذاقه أطيب وألذ ويفضلونه على الزيت العادي ويستخدم أكثر على السلطات، وعادة سعره أغلى من سعر الزيت العادي، ويتم سلق الزيتون بحلل كبيرة وبدرجة حرارة معينة ثم يتم تشميسه لعدة أيام وذلك بفرشه على أسطح المنازل ثم يعبأ بأكياس ويرحل إلى المعاصر. ‏

الباطوس يتحدى الزمن ‏

وينتشر في المنطقة الساحلية الكثير من المعاصر منها معاصر عادية وأخرى حديثة تعمل بأسلوب الطرد المركزي، ولقد عرف أجدادنا منذ مئات السنين عصر الزيتون حيث استخدموا المعصرة القديمة أو ما يعرف بالباطوس وهو عبارة عن صخرة كبيرة محفورة بشكل أشبه بالجرن، وفي داخلها صخرة كبيرة نحتت بشكل أسطواني وتدعى «الخريزة» محورها مربوط إلى حيوان وبحركة هذا الحيوان حول محور الباطوس تدور «الخريزة» على مبدأ الدولاب ما يؤدي إلى طحن الزيتون وتحويله إلى عجينة. ‏

ولحسن الحظ وبعد بحث طويل تمكنت «تشرين» من التعرف على عائلة جميل سلوم «أبو يونس» إحدى العائلات في ريف مدينة جبلة التي ما زالت تحافظ على الأسلوب نفسه الذي استخدمه أجدادنا في استخراج الزيت من الزيتون. ‏

يقول أبو يونس والذي تجاوز عمره الثمانين عاماً: لقد ورثت هذه المهنة عن أبي وجدي وسأظل أعمل بالطريقة نفسها وما زال الناس يقصدونني لعصر محاصيلهم، فهناك الكثيرون الذين ما زالوا يفضلون هذه الطريقة على الآلات الحديثة ويشعرون بأن الزيت بهذه الطريقة يتميز بطعم خاص لا يمكن الحصول عليه باستخدام الآلات الحديثة، حيث جميع مراحل العصر تتم على البارد من دون ارتفاع درجة حرارة العجينة ليس كما يحصل في المعاصر الأخرى حيث ترتفع الحرارة نتيجة الاحتكاك والسرعة، والحرارة تؤثر على نوعية الزيت ومذاقه. ‏

وعادة يأتي الناس إلى بيت أبي يونس وينتظرون حتى يحين دورهم لعصر محاصيلهم، وخلال هذه الفترة يتابعون بأنظار مشدودة كيف تتوالى مراحل العصر عند أبي يونس والذي أكاد أجزم بأنه الوحيد في سورية الذي مازال يستخدم الباطوس في عملية عصر الزيتون. ‏

ويقول أبو يونس في شرحه لعملية العصر: في البداية نقوم بجرش الزيتون إن كان أخضر أو مسلوقاً بآلة خاصة، ثم يوضع بالباطوس ودوران «الخريزة »التي يجرها حمار أو حماران يؤدي إلى هرس الزيتون المجروش والذي يتحول بعد فترة تتجاوز نصف ساعة إلى عجينة، توضع العجينة داخل خوص (البعض يطلق عليها العلايق) وتتسع كل واحدة لنصف تنكة من عجينة الزيتون، ثم توضع الخوص في المكبس والذي يتسع لأربعين خوصة أي حوالي 20 تنكة ويعمل على مبدأ الضغط والذي يعود تاريخه إلى عام 1918، حيث يقوم شابان من أحفادي بعملية الضغط باستخدام ذراع خشبي طويل يدعى «داير» المكبس يدور نصف دورة ثم يعاد إلى نقطة البداية ليدور مرة أخرى نصف دورة وهكذا تتكرر العملية وفي كل مرة يزداد ضغط المكبس على الخوص فتنفر وتنسل منها نقاط الزيت وتنساب كالشلال لتتجمع في صحن المكبس ومنه يتم تجميع الزيت في وعاء كبير، وهكذا تستمر عملية الضغط حتى يتم التأكد منه بأنه لم يعد يخرج من الخوص أي نقطة زيت. ‏

ويتابع: الزيت الناتج عن عملية العصر يحتاج إلى عملية فرز وتصفية للتخلص من المياه والشوائب العالقة به، لذلك تتم إضافة غالون ماء ساخن لكل ثلاثة غالونات من الزيت توضع في حلة أو وعاء كبير، فيطفو الزيت النقي على السطح ويتم جمعه بعناية، في حين ترسو الشوائب في قاع الوعاء. ‏

أثناء عملية العصر والتي تأخذ فترة من الزمن تطول وتقصر تبعاً لعدد الزبائن، تنشأ بين الحاضرين الذين ينتظرون عصر محصولهم حالة من التواصل الاجتماعي يتعرفون على بعضهم ويتبادلون أطراف الحديث حول الأمور الزراعية والجوانب الحياتية والهموم اليومية وقد يعرجون بعض الشيء على السياسة يكيلون الشتائم والسباب لأمريكا وأوروبا ومن خلفهم إسرائيل وقد تعلو الأصوات لتأكيد تحليلات سياسية هم افترضوها ويدافعون عنها لكن لا يلبثوا إلا أن ينفجروا بالضحك لأن (أبو حيدر) معاون (أبو يونس) قادر على أن يحول أي موقف إلى جو من المزاح والضحك، وهكذا يمضي اليوم من دون أن يشعروا بساعات الانتظار الطويلة. ‏

الطريقة ذاتها.. لكن مكننة ‏

ومع التقدم التكنولوجي ظل الأسلوب نفسه في استخراج الزيت لكن الاختلاف أن العملية أصبحت تعتمد على المكننة حيث دخلت الآلة إلى جميع مراحل العمل التي ذكرناها في الباطوس. ‏

يقول عيسى سليمان «أبو علي» صاحب معصرة عادية: إنه يتم كسر وجرش الزيتون ثم يوضع الزيتون المجروش بوعاء كبير مصنوع من الحديد يأخذ شكل الصحن حل محل صخرة الباطوس، في داخله حجران اسطوانيان ثقيلان بدل «الخريزة» يدوران كالدولاب بحركة ميكانيكية، وبهذه الحركة يطحن الزيتون المجروش حتى يتحول إلى عجينة، توضع هذه العجينة بالخوص أو العلايق ومن ثم تضغط بمكبس آلي يجمع ناتج العصر في أحواض ومن ثم تقوم فرازة آلية بعملية فصل الزيت النقي عن المياه والشوائب الأخرى، ثم يقوم صاحب المحصول بملء زيته بالغالونات وهو يحسب ويضرب أخماسه بأسداسه ليعرف ما هي «قطعية» الزيتون لديه، أي كم تنكة احتاج من الزيتون حتى حصل على تنكة من الزيت؟ وفي الجوار ربطة الخبز جاهزة يستل منها الذويقة الحاضرون قطعاً من الخبز تغمس بالزيت ويتذوقونها ليحكموا على الطعم والرائحة. ‏

وأثناء العمل وهدير الآلات يجلس الحاضرون الذين أحضروا محاصيلهم للعصر يتبادلون الأحاديث بعضهم يتفاخر بأرضه ومحصوله ومذاق زيته، وآخرون ينهالون بالنصائح لكيفية الاعتناء بالزيتون لشاب مازال عوده غضاً في الأمور الزراعية...طبعاً ودائماً للسياسة والأوضاع الراهنة نصيبها من التحليل والتمحيص وكل ينظر إلى نفسه أنه أبو «العريف»، وأن رأيه هو السديد وما تبقى تحصيل حاصل، وبهذه الأحاديث والانتظار الطويل قد ينشف الريق لذلك ترى عائلة صاحب المعصرة لا تكل ولا تمل من تقديم القهوة والشاي والماء البارد المنعش للزبائن. ‏

الطرد المركزي ‏

بينما في المعاصر الحديثة جداً التي تعمل على تقنية الطرد المركزي لا ترى هذه الجلسات الحميمية بين الناس واختفت حالات التواصل والنقاش فيأتي صاحب المحصول لا يكاد يجلس ويرتاح لبضع دقائق حتى يرى محصوله وقد خرج من الجهة الأخرى زيتاً جاهزاً، حتى لا يتسنى له شرب كأس الشاي، فاختصرت الزمن وخففت الهدر حيث لا تضيع نقطة زيت أثناء مراحل العصر. ‏

ويشرح حنا اسكاف- صاحب معصرة حديثة تعمل بالطرد المركزي: إن الزيتون بداية يوضع في جرن ثم ينقل بسيور ناقلة إلى وراقة تنظف الزيتون من الأوراق والشوائب الأخرى بضغط الهواء ثم يغسل الزيتون بالماء ليدخل إلى كسارة تقوم بجرش الزيتون الذي ينتقل عبر أنابيب إلى عجانات بانورامية ويتم العجن بدرجة حرارة تصل حتى 43 درجة مئوية بعدها يتم ضخ العجينة إلى جهاز الطرد المركزي حيث تتم فيه عملية فرز الزيت والذي يضخ بدوره إلى فرازات آلية تجري فيها عملية طرد مركزي يتخلص فيها الزيت من الشوائب والماء، ويخرج الزيت إلى حوض تجميع الزيت الموصول بميزان إلكتروني يحدد كمية الزيت المستخرج. ‏

وأشار حنا إلى أن جميع المراحل المذكورة تتم آلياً دون أن تمسها الأيدي ويجري التحكم بها من خلال لوحة مراقبة إلكترونية، مضيفاً: إن عملية الطرد المركزي هي أكثر قدرة على استخراج الزيت ولا تضيع منه أي قطرة حيث يخرج العرجوم ناشفاً تماماً، ليس كما في المعاصر العادية، ويحتاج الزيت المستخرج ثلاثة أشهر لتناوله حتى يرقد ويزول طعم «الحدودة» منه. ‏

تقديرات الإنتاج ‏

تشير التقديرات الأولية لمديرية الزراعة في اللاذقية أن إنتاج ثمار الزيتون في محافظة اللاذقية لموسم 2011 يقدر بحوالي 150 ألف طن، وعادة يستخدم 15% من الإنتاج للتخليل والباقي للعصر. ‏

من أصناف الزيتون المفضلة في اللاذقية الخضيري والذي يشكل حوالي 85 % من زراعة الزيتون في المحافظة، ويتميز هذا النوع بغزارة إنتاجه للزيت، ويأتي الدرملالي بالمرتبة الثانية والذي يشكل نسبة 5%، وتبلغ المساحة الإجمالية المزروعة بالزيتون في المحافظة حوالي 49 ألف هكتار، وعدد أشجار الزيتون الإجمالي حوالي 10.5 ملايين شجرة، المثمر منها نحو 9.8 ملايين شجرة. ‏

والجدير بالذكر أن إنتاج محافظة اللاذقية من ثمار الزيتون للعام الماضي وصل إلى 200 ألف طن، كما وصل إنتاج محافظة اللاذقية من زيت الزيتون للعام نفسه إلى 40 ألف طن. ‏

ويعزو رئيس شعبة الزيتون في المديرية المهندس نظام مهنا أسباب جودة الموسم - رغم أن هذا العام يعد سنة معاومة للزيتون- إلى الظروف الجوية المناسبة نتيجة هطول كميات كبيرة من الأمطار خلال موسم الشتاء وتوزعها الملائم واستمرارها إلى فترة متأخرة ما أدى إلى تطور حجوم الثمار وكبرها بشكل سريع وبالتالي انعكس ذلك على زيادة الإنتاج النهائي. ‏

وأضاف: إن قلة الإصابة بذبابة ثمار الزيتون لهذا الموسم يعود لارتفاع درجة الحرارة التي حدت من آثار تلك الحشرة. ‏

ويعد الزيت جيداً من الناحية الصحية والغذائية عندما يكون البيروكسيد في الزيت أقل من 20، وفي حال كان الأسيد فيه من 0.8- 2.2 يصنف الزيت ضمن الدرجة الأولى، أما من 2.2- 3.2 فيصنف ضمن الدرجة الثانية أو الوسطى. ‏

ويضيف: إن أفضل الطرق لتخزين الزيت أن يتم بعبوات من الستانلس ستيل، أو بعبوات من الصفائح المطلية بلكر غذائي، وينصح بالابتعاد قدر الإمكان عن التخزين بالعبوات البلاستيكية، كما أن فلترة الزيت تعد من أهم العمليات للحصول على جودة عالية للزيت وللحفظ بشكل صحي أكثر، وهذا ما يعطيه فرصة أوسع للدخول والمنافسة في الأسواق المحلية والعالمية. ‏

120 معصرة ‏

يبلغ عدد معاصر الزيتون في محافظة اللاذقية 120 معصرة منها 60 معصرة تعمل بالطرد المركزي، و60 تعمل بالمكابس، وتجدر الإشارة إلى أن طاقة المعاصر التي تعمل بالطرد المركزي عالية وهذا ما انعكس إيجاباً على تقليل الفترة الفاصلة بين عملية القطاف والدخول في عملية العصر، كما قللت من الفاقد في نسبة الزيت حيث كان يحصل سابقاً خسارة كمية من الزيت لمجرد وجود الزيتون مكدساً في ساحة المعصرة لفترات طويلة، إضافة للتخريب الذي يحدث للثمار المجروحة والتي تعرضت للرض نتيجة لتكديس الزيتون فوق بعضه وارتفاع درجة حرارته، ما يسيء لنوعية الزيت أيضاً. ‏

والجدير ذكره أن المعاصر الحديثة تراعي مسألة النظافة بشكل أكبر وذلك نتيجة استخدام الطرق الآلية في التعامل مع الثمار خاصة في مرحلة الغسل وفصل الأوراق. ‏

ويشترط في عمل جميع المعاصر الحديثة أو القديمة وجود صهريج بمواصفات فنية معينة، حوض كتيم ويتسع لماء الجفت لمدة أسبوع، مع ضرورة وجود سجل بيئي يتم فيه تسجيل الكميات التي يتم استلامها وتوزيعها على البساتين أو الحراج، كما من الضروري وجود فني زراعي بكل معصرة مهمته الإشراف على عملية نشر وتوزيع ماء الجفت. ‏

إضافة تعليق جديد