الفكر الغيبي , تداعيات الأوهام
تصنيف التدوينة: 

فنّدت سابقا رؤية الفكر الغيبي الطائفي للمسألة الطائفية ووضح غياب أي معطى أو محددات لديه لمقاربة المسألة ,سوى فهمه السطحي للطائفية وتناوله لها من داخلها أي كطرف يدين المختلف ويثني على المتفق كما دأب هذا الفكر بمختلف تلاوينه على ذلك عبر القرون ,وهذا لوحده كاف لإسقاط صفة الموضوعية والتجرد عن أي رأي ,وقلت بأنني سآخذ الموضوع على نحو أشمل بأن أبيّن الأوهام التي يبثها هذا الفكر , ولذلك سوف أخصص هذه المشاركة لتداعيات هذه الأوهام , وسنرى إلى أين تمضي هذه المقولات بأصحابها كما يتبرعون هم مشكورين بتقديمها ,وسنرى كيف أن أوهام هذا الفكر تنقلب عليه في النهاية بطريقة مأساوية.

وكيف يسبح في فراغ بلا زمان أو مكان ولا يلزم نفسه بأدنى قدر من محددات موضوعية وهو غير قادر على ذلك لأن أي تحديد موضوعي سوف يكشفه ويفضح تناقضاته , وهذا نتيجة طبيعية كما رأينا وسنرى لنهجه في إسقاط الفكرة المسبقة على الواقع بطريقة وصفية تماثلية وإرجاع الحوادث والظواهر وقياسها على حدث ماضي مختلف في جملته الزمكانية وشروطه ومحدداته وبالعكس ,لا التحليل المتصاعد من الواقع بطريقة منهجية علمية موضوعية وصولا إلى الأفكار والنتائج.

ولا بد من التذكير مرة أخرى , أني لست الموضوع , ونقدي لهذا الفكر ليس نقدا لأشخاص , وإن كا ن أصحاب هذا الفكر غير قادرين على الفصل بين الذات والموضوع فلسنا مضطرين لكي نحذو حذوهم.
ولا بد من القول , إن انزلاق أي خطاب لمستوى الإقصاء والتخوين والجمع ينقله فورا من خانة الفكر والمنهج لخانة العصبية والغريزة , أدنى مستوى مشترك لدى الكائنات , فكيف ونحن نتناول موضوعا هو الإنسان هذا الكائن المعقد والمرتقي والمتغيّر, و المجتمعات التي تخضع لقوانين ولعلاقات معقدة ومتشابكة لا يفسرها معطى أو محدد واحد , وبداهة القول إن وجود تفكيرعصبوي بدائي غريزي عند البعض لا يعطي مبررا لكي يكون الباحث والمتناول عصبويا وغريزيا لبحث المسألة,كما أن إقرارنا بوجود شذوذ في المجتمع لا يضطرنا لأن نكون شاذين لتناول الموضوع.
هذه الأمور والمفاهيم البديهية , تحتاج على ما يبدو إلى الشرح , والشرح وضرب الأمثلة بشكل مستمرلكي تصل للبعض, أعتذر سلفا لاضطراري لهذا .


فإذا أسقطنا التهجمات فيما أورد والأمور البعيدة عن الفكرة الأساسية قيد التناول , سنرى ماذا سيبقى,فبعد العجز عن تناول الأفكار , لم يبق سوى الأمثلة التي ضربت لتوضيح الأفكار وحتى في هذه تم تطبيق أسلوب الفهم والتفكير الغيبي بامتياز في تناولها تعالوا لنشاهد كيف , وساضطر مرة أخرى لإيراد المثل كما هو بنسخته الاصلية وموقعه لأن هؤلاء حتى في الإقتباس يمارسون الإنتقائية المسبقة المتفقة مع أهوائهم ويجانبون الدقة حتى لا أستخدم تعبيرا آخر.
أولا : في مثال الهند :
جرى ضرب مثال الهند ومصروسويسرا كدلالة على أن الأثر الحضاري للأمم والفعل لا يقاس بعدد السكان, وقلت :"لو كان الأمر بالعدد لوجب أن تكون مصر مثلا متقدمة جدا على سويسرا ولوجب أيضا أن تكون الهند في مقدمة الأمم الراقية والمتطورة ".
فمقارنة الهند جرت مع الدول المتقدمة المتطورة والتي بالتأكيد هي ليست في مقدمتها, ولا أظن أن الهنود أنفسهم يدعون ذلك . والمثل ضرب كشاهد على أن مقاييس التقدم لا تؤخذ بعدد السكان ,فكم دولة عدد سكانها صغير تتقدم على دولة تفوقها بعدد السكان أضعافا, وليس مثلا عن الديموقراطية أو الديكتاتورية داخل البلد نفسه ؟!
المثل واضح جدا , واعتذر عن شرح المثل الذي من المفروض أن يشرح الفكرة (الواضحة أصلا) فانظروا إلى أين وصلنا ؟!
حسنا.. فكيف تم فهم الفكرة ,وكيف تم تشويهها وهذا أسلوب متبع لدى أصحاب هذا الفكر :
- جرى البحث في المثل , وتغييب الفكرة
- وتم إجتزاء المثل , وتفسيره على غير ما هو , بما يشوه حتى المثل .
- ثم النتيجة وهي بناء اتهام خطير على هذا وهو " تحقير تجربة الهند الديموقراطية "؟!
وهنا لدينا احتمالين :
إما أن يكون المثل قد التبس , ولم يفهم على ماذا يضرب .
وإما أن يكون الأمر واضحا , ولكن جرى تشويهه عمدا ومن المعروف في النقد أن التشويه أسوأ من الجهل .
لن ندخل في النوايا , كنا سابقا نطلب إيضاحات عن هذا اللبس المتكرر , وتكرار الأمر بهذه الصورة يدل على أن هذا لم يعد مجديا , فآلية التفكير والتحليل لهذا الفكر الغيبي كما قلت هي التي تنتج هذا ,وهذا ما سنعرضه ونكشفه وسنركز عليه من الآن وصاعدا .


ثانيا : في موضوع تعريف "الطائفة" وتطييف السياسي:
يكرر من يتبنى الفكر الغيبي الطائفي أنه ينتمي للأكثري"الطائفي,الديني" وهو لذلك غير طائفي "" وذلك بعد أن يعيد تعريفه الذي أورده للطائفة بإلغاء كافة المحددات الإجتماعية ,الثقافية والإقتصادية والواقعية السياسية وحصرها بمكون وحيد هو الديني ,الطائفي.
فإذا قلنا طالما هذا هو المحدد والمعيار , فلنأخذ محددا واقعيا , تم إيراده من قبلكم ولو كان بغير مكانه وهو قضية المقاومة والخيانة, ثم قمع الشعوب:
عن قمع الشعوب تشترك معظم سلطات البلدان العربية والإسلامية ودول العالم الثالث بقمع شعوبها وتضييق هامش الحريات باستثناءات جد قليلة,وهذا له علاقة بمفهوم السلطة الذي شرحته وليس بأي شيء آخر, والسلطة كأداة للسيطرة من قبل الفئات السياسية والإقتصادية النافذة هي أقلوية بطبيعتها وتركيبتها ,وهي تطرح وتتبنى مقولات تقسيم المجتمع طائفيا وعموديا وتسوّق هذا لترهيب المجتمع المهدد بالسلم الأهلي , فتصبح الأولوية هي الحفاظ على هذا السلم بعيدا عن أي حركة مطلبية اجتماعية حقوقية,و تصبح هي الحكم وهي الضامن لاستقرار هذه البنى الطائفية المبشّر بها, وقلت أن هذا الفكريطرح نفس طروحات السلطة (تقسيم المجتمع,الإقصاء, التخوين,التكفير,إرهاب المختلف ,تطييف الظاهرات والأحداث...)وينهج نفس أساليبها ويخدمها ويسهّل مهمتها في تطويع كل قوة حية وطنية مطلبية جامعة , ومن البديهي أن هذا لا علاقة له بالطائفية , إلا في عقول من يصدق طروحات السلطات المستبدة وطروحات أصحاب الفكر الغيبي الطائفي .
وعن موضوع التخوين والتعامل مع العدو :
فماذا عن إغلاق معابر غزة ومنع المدد عن أهلها , وماذا عن القواعد العسكرية التي استباحت الأرض العربية ومنها تم غزو العراق , وماذا عن معاهدات السلام المنفردة , من كان يخون الأمة وقت تسريب خطة حرب تشرين إلى غولدا مائير "وقد اعترف بهذا علنا قائلا ومتأسفا: لقد كانت عنيدة ولم أستطع إقناعها !!
ماذا تقولون بالسلطة الفلسطينية التي تمنع حتى مناقشة تقرير لإدانة إسرائيل .
يستطيع أي مهتم أن يملأ صفحات وكتب عن أمثلة مثل هذا , والوثائق المنشورة مليئة بقصص الخيانة والتعامل مع العدو وهي أكثر من أن تحصى.
سيقال : بسيطة , هذه السلطات بكل أوجهها وهؤلاء لا يمثلون شعوبهم والطوائف التي ينتمون إليها(هنا يصح الفصل), و هذا الأمر صحيح .
ولكن ماذا لو أتى أحد لديه مثل تفكيركم الطائفي الغيبي وقاس على قياسكم وقال:
الطائفة الفلانية عميلة وخائنة لأن سلطات و حكام وهيئات ينتمون لها عدا عن أنهم يستبدون بشعوبهم ويقمعونها بل ويتعاملون مع العدو علنا , ويسمون المقاومة مغامرة والعمليات ضد الإحتلال بال : حقيرة!!!
وبقياس الغائب على الشاهد , فإن هذا الطائفة أو تلك كانت في "التاريخ المختلف عليه" كذلك .
ألن يأتي أحد آخر ليقلب هذا الأمر عليكم بنفس منطقكم ويقول : ان السلطات الفلانية تضيّق الحريات ولكنهاوطنية لأنها تدعم المقاومة في فلسطين وفي العراق وفي لبنان , وبالتالي فإن الطائفة التي تنتمي لها هذه السلطات هي وطنية وهي التي تمثل السفينة التي تنخر بها الخيانات .
وأن المقاومة اللبنانية محصورة في طائفة معينة , ومنه وبقياس الغائب على الشاهد فإن هذه الطائفة كانت هي مقاومة للعدو في كل زمان ومكان وسواها كان لهم دور طروادي .
هذا ما يقودهم إليه المنطق الساذج الوصفي في التحليل, وخلط العوامل والمحددات بطريقة عشوائية , فالقاعدة(الخاطئة) التي تطبقها لنفي ونقد خصمك تطبق عليك ,وليس لك خيار, إما أن تقبل أو تنفي الأمر فتنفي القاعدة وتكون قد نقضت نفسك مجددا , ومن هنا تأتي أهمية التفكير الموضوعي العلمي والذي أصبح على أيديهم شعارات لا يصدقها أحد .

ثالثا: في نقد "الفكر التنظيري اليساري" كما سمي:
بحثت طويلا علني أحظى بفكرة أو لمحة تبين نقدا "وليس تهجما" فيما أورد في نقد رؤيتي للمسألة الطائفية , ولكني عجزت ,وسأورد لكم مختصرا مما أورد بعد حذف حروف العطف والجر وسواها وكما يفهم هذا الفكر النقد:
" الفكر المهزوم واقعيا " ," تعود على النظرة الأحادية للواقع","أثبت الواقع خطأهم"لم يقدروا بعد ذلك على الخروج من معمعة التنظير والشعارات","تحول لحزب أقلي" ,"يدور في حلقة مفرغة من التحليلات ","فشل هذا الفكر كتطبيق عملي في كل دول العالم".,"لم يعد أحد يصدق ما يقولونه"....وقس على ذلك .
وبسطرين يشرح للناس ما هو الفكر التنظيري اليساري كما يسميه, ويختتم بالقول: لعمري هذا هو المضحك حقا.
وهنالا بد أن نوافق تماما على ذلك.
ماهي النتيجة التي أوصلنا إليها هذا , بعد أن نذكّر أن الموضوع هو نقاش المسألة الطائفية:
الخلاصة:سلسلة تهجمات بتعميمات وأحكام , تغييب المسألة قيد البحث.وعدم القدرة على الإلتزام بها وبمكوناتها وبمحدداتها. عدم القدرة على الفصل بين الموضوعي والذاتي وعدم القدرة على نقد الآخر عن طريق نقد الفكرة.
ثم بناء الأحكام الكلية لا كنتيجة تسلسلية منطقية لنقد القضايا الجزئية أو لحوار أو لتحليل , بل كحكم عمومي مسبق.

رابعا : في مقولة"قياس الغائب على الشاهد"والجزئي والكلي:
فندت سابقاهذه المقولة ,وكيف تلغي عوامل ومحددات الحدث التاريخي وترميه في فراغ وتربط الأحداث والظاهرات ببعضها بطريقة سحب المحاور آليا, وبشكل أوسع من التاريخ تشكل هذه المقولة إضافة لمبدأ الحاكمية والتكفير , ثلاث مقولات ينتهجها الفكر الغيبي ضد خصومه "الغيبيين" منذ اعتماد مبدأ القياس, وكانت هذه المقولات سببا أساسيا في تخلف العقل العربي ونعته بالإتباع والتقليد واتباعه طرقا تعسفية في إنتاج المعرفة , غير إبداعية لإنها تربط شيء بشيء مهملة التغيرات الطارئة والعوامل المتناقضة والمعقدة المؤثرة فيه, وأتيت بأمثلة لتقريب الفكرة . فتعالوا نرى كيف تم الدفاع عن هذه المقولة :
الهجوم على واحد من الأمثلة , إهمال الفكرة ,و أخذ المثل منفردا عن الأمثلة وعن الفكرة والقول ان الكلي يتضمن الجزئي المتداخل معه بسلبه وإيجابه والعكس غير صحيح .
والمثال المقصود واضح : "فرد من عائلة مجرما , ليس بالضرورة أن تكون العائلة مجرمة ".
يقولون : نعم هذا صحيح وبديهي وهو يتفق مع موضوع الكل والجزء, ولكن اعتراضنا هو على ضرب المثل على مقولة :قياس الغائب على الشاهد.
وهنا لن نخفي الإعجاب بهذا المثل على بساطته, لأنه كشف بصورة جلية وحاسمة كيف تم استخدام هذه المقولة في تكفير وتخوين الأقليات والطوائف المختلفة, تعالوا لنرى كيف فعلوا ذلك :
تم إيراد مقولة"قياس الغائب على الشاهد" من قبل ناقل هذا الكلام والإستدلال بها كما يلي :
يعلمنا التاريخ (المختلف عليه) كما يعلمنا الحاضر الشاهد أن هذه الأقليات ومنذ اعتلائها سدة السلطة تمارس إلغاء الآخر إعداما وتشويها وبقياس الغائب على الشاهد كما يعلمنا ابن خلدون بإمكاننا أن نحكم على الدور الذي قامت به هذه الأقليات المذهبية والطائفية من دور طروادي في خرق قلاع الأمة, ويتهمها البعض بأنها كانت المرشد للمحتلين..الخ .
فالقاعدة : قياس الغائب على الشاهد
والشاهد : الأقليات ومنذ اعتلائها سدة السلطة تمارس إلغاء الآخر إعداما وتشويها.والشاهد الآخر (تاريخ) هو أنها كانت تمثل المرشد للمحتل "كما يتهمها البعض".
والغائب: هو التاريخ "المختلف عليه" , والحكم على الأقليات .
والنتيجة: الأقليات تمارس إلغاء الآخر ,خائنة طروادية كانت دائما الدليل للمحتل لخرق قلاع الأمة في كل زمان ومكان.

كيف توصلوا لهذه النتيجة المذهلة ؟تعالوا لنقرأ :
وجود أفرادا من الأقليات في مواقع مهمة وعلى رأس السلطة هذا يستدعي أن يكونوا هم السلطة ,ويستدعي أن تكون السلطة طائفية ,لوجود هؤلاء فيها,وبما أن رأينا بهذه السلطة :أنها تمارس إقصاءا وتمييزا وإعداما.
هذا يستدعي :أن تكون الطائفة التي ينتمي إليها هؤلاء خائنة وتمارس الإقصاء ومتعاملة مع الأعداء(كما يقول لنا التاريخ المختلف عليه), ومنه الحكم : إن كل الأقليات هي خائنة ومتعاملة مع العدو وهي مثل حصان طروادة بالنسبة لقلاع الأمة وذلك في كل زمان ومكان ",الآن وفي التاريخ المختلف عليه,كما يقول لنا التاريخ وكما يعلمنا ابن خلدون بقياس الغائب على الشاهد.
فبعد كل هذا الخلط بين الكليات والجزئيات واستخدام الشاهد (المعلوم)مرة من الماضي وتطبيقه آليا على الحاضر (الغائب) ثم عكسه وأخذه من الحاضر(المعلوم) وتطبيقه على الماضي (الغائب)و البناء على تعميم و افتراضات والخلط بين العوامل والمحددات بطريقة فاتت كل من استعمل هذه المقولة الذين وإن استعملوها بطريقة خاطئة ولكنهم كانوا حذرين ووضعوا لها محددات وشروط كي لا يستخدمها خصومهم ضدهم , فلا يتورع من أن يلقي مثل هذا الكلام بأن ينقض نفسه بنفسه ويقول : لا يجوزإنطباق الجزئية على الكلية المتداخلة معها سلبا أم إيجابا , كما يعلمهم كتاب البكالوريا للفلسفة !!
فإذا لم يكن جائزا أن تستخدم المقولة لتجريم عائلة قياسا لفرد كما أقروا , فكيف لهذا الفكر ولهؤلاء أن يجيزوا لأنفسهم تجريم وتخوين ملايين الناس ومجتمعات قياسا على ممارسات أفراد وسلطات, هل يجوز هنا انطباق الجزئي مع الكلي المتداخل"إذا سلّمنا أنه متداخل ورأينا في المثل السابق عن بنية السلطة ,كيف أن هذا غير صحيح تماما" معه سلبا وإيجابا ؟!

نعم يجوز لديهم , كما يجوز أنه ليس للناس عقولا .

لعل ابن خلدون نفسه قد فضح وكشف أصحاب هذا الفكر بنفسه منذ 600 عام , وصحيح أن عصرنا قد تجاوز الكثير مما جاء به ,لكن يبقى لابن خلدون ريادته وكانت رؤيته تشكل ثورة على نظرة الأقدمين للمجتمع والسياسة في وقته حين أنزلها من السماء إلى البحث المنهجي الواقعي وفق أدواته ومقاييس عصره.

بقوله: «فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضين، ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف، ويقيسها بما شهد. وقد يكون الفرق بينهما كثيرًا فيقع في مهواة من الغلط». ويضرب مثلا لذلك بالتعليم، الذي يكون في عصر من العصور مهنة على درجة عالية من الاحترام، بينما كان في زمان سالف «من جملة الصنائع المعاشية البعيدة عن اعتزاز أهل العصبية، والمعلم مستضعف منقطع الجذم».


خامسا:"القوى السياسية الوطنية" مثال آخر على التشويه :
سأضطر في هذه الفقرة أن أثبت لكم ما كتبته في فقرة "السلطة ", وكيف تم تشويه الفكرة عمدا, وقلت سابقا إن هذا الأمر المتكرر ليس مصادفة أو لبسا , فهذا سمة وميزة تلتصق بجدارة بمن ينتهج فكرا غيبيا لا محددات له ولا ضوابط , ففي مثل هذا الفراغ يتم إنتاج كل شيء وأي شيء يوافق ويلقى هوى في النفس ,ودعونا لا نستبق الأمر وننظر إلى المثال :
الفقرة الكاملة: "وعند هذا المستوى يلتقي هذا الفكر مع السلطة المستبدة , بل يكون في خدمتها وخدمة أهدافها وإحكام قبضتها على قوى المجتمع ألأخرى الحية الصاعدة ويقضي على فرص صعود ونشوء بنى وتجمعات لها أهداف وطنية ومجتمعية وحقوقية جامعة, و تضمن الطبقة المسيطرة، استمرار سيطرتها الطبقية و تصبح هذه العملية مشروعة من الوجهة الاجتماعية. وتضمن السلطة السياسية السيطرة على المجتمع عبر تمزيقه و عبر توظيف كل التمايزات والإختلافات، من الغنى الثقافي وتنوعه إلى تناقض المجتمع بكل أشكاله، وذلك في سبيل خلق تمايزات وهمية، تحرف التناقض فيه عن بعده الحقيقي.". انتهت الفقرة.

وتم التعليق :" ليس صحيحا تحليلك الذي يصف القوى السياسية الوطنية بأنها هي التي مزقت الوطن"؟!
فكيف طلعوا بهذا الإستنتاج المذهل , وكيف يقرأ هؤلاء القوم , هل نتكلم بلغة غير عربية وفصحى ؟!
ومن أين أتت "القوى السياسية الوطنية"التي تمزّق لكلامي وكيف أدخلت إليه؟!
وكيف تحوّلت السلطة المستبدة على أيديهم ,إلى "قوى سياسية وطنية "؟!
وكيف تستبد "القوى السياسية الوطنية" ب"القوى السياسية الوطنية" !؟
وكيف نفهمهم أن "القوى الحية الصاعدة والتي لها أهداف وطنية وحقوقية جامعة" هي "القوى السياسية الوطنية"وليست السلطة المستبدة .
نعم ببساطة هذا هو فهمهم وتحليلهم .
هل تؤاخذهم القوى السياسية الوطنية على ذلك , لا أتوقع.

وماذا بعد؟



قد يقول قائل : طالما هي هكذا الأمور فلم تتعب نفسك , فالأموركما يبدو منقوضة متناقضة بنفسها.وأنت بمناقشة المتناقض وموضعة مالاموضوع له , كأنك تحرث الريح , وتدخل في عبث لا طائل منه, فهل تتوقع أن يهمهم التحليل والموضوعية والمصداقية بعد كل هذا ؟
ولكن دعوني أجيب عن هذا في استنتاجات و مشاركة مستقلة عن الموضوع وأعتذر مجدداعن الإطالة والدخول في تفاصيل قد تبدو لكم بديهية وغير لازمة , ولكن كما رأيتم ,كان لا بد منها لتتبع تداعيات أوهام من ينتهج هذا الفكر وماهي النتائج التي تنجم عن هذه المقولات.

إضافة تعليق جديد