آليات احتواء الفصائل المسلّحة
في الأدبيات الاستراتيجية وعلم إدارة النزاعات، لا يُقصد بـ “الاحتواء” بالضرورة “الإلغاء” أو “المواجهة العسكرية المباشرة” (التي غالباً ما تؤدي لحروب أهلية جديدة)، بل يُقصد به “تطويع، تفكيك، أو دمج” هذه الفصائل ضمن هياكل الدولة، أو عزلها حتى تفقد قدرتها على التأثير.
تتم هذه العملية عبر خمسة محاور متداخلة (أمنية، سياسية، اقتصادية، خارجية، ومجتمعية):
المحور الأول: الآليات الأمنية والعسكرية (إعادة احتكار العنف)
الهدف هو تفكيك الهياكل العسكرية الموازية وبناء جيش أو قوة أمنية وطنية موحدة.
- برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج :
- نزع السلاح: جمع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة مقابل حوافز (مالية أو ضمانات أمنية).
- التسريح: حل التشكيلات العسكرية غير النظامية تدريجياً.
- إعادة الإدماج: دمج المقاتلين “غير الملوثين” بجرائم حرب في مؤسسات الدولة (الجيش، الشرطة، الحرس الوطني) بعد خضوعهم لبرامج تدريبية وإعادة تأهيل، أو مساعدتهم على العودة للحياة المدنية بمهن بديلة.
- غرف العمليات المشتركة (كحل انتقالي): بدلاً من حل الفصائل فوراً (مما يخلق عداءً)، يتم دمج قياداتها في “غرف عمليات مشتركة” تشرف عليها وزارة الدفاع أو الداخلية. هذا يمنح الدولة سيطرة تدريجية على التخطيط والتمويل، ويكسر حالة “الاستقلالية” التي تتمتع بها الفصائل.
- التدقيق الأمني : إنشاء هيئات مستقلة لفحص سجلات قادة وعناصر الفصائل. يتم استبعاد من تورطوا في جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة من أي مناصب مستقبلية، كشرط لبناء ثقة المجتمع الدولي والمحلي.
المحور الثاني: الآليات السياسية والمؤسسية (تحويل “أمراء الحرب” إلى فاعلين سياسيين)
الاستراتيجية هنا هي “إغراء” القادة ببدائل سياسية تجعل الاستمرار في العمل المسلح غير مجدٍ.
- إشراك النخب في السلطة: منح قادة الفصائل (أو ممثليهم المدنيين) مقاعد في الحكومة الانتقالية، أو المجالس المحلية، أو اللجان الدستورية. عندما يصبح القائد “وزيراً” أو “محافظاً”، تتحول أولويته من المعركة العسكرية إلى إدارة الملفات الخدمية والبيروقراطية، مما يفرغه من زخمه العسكري.
- قوانين العفو المشروط: تقديم عفو عام عن الجرائم السياسية أو العسكرية “غير الجسيمة” مقابل تسليم السلاح والاعتراف بسلطة الدولة المركزية، مع استثناء واضح لجرائم الحرب والإرهاب.
- اللامركزية الإدارية: منح المحافظات أو المناطق التي تسيطر عليها فصائل معينة صلاحيات إدارية ومالية أوسع (تحت السيادة الوطنية)، مما يخفف مخاوفها من “هيمنة المركز” ويقلل دوافع التمرد.
المحور الثالث: الآليات الاقتصادية (تجفيف منابع “اقتصاد الحرب”)
الفصائل المسلحة لا تبقى على قيد الحياة بسبب الأيديولوجيا فقط، بل بسبب التمويل.
- السيطرة على المعابر والموارد: استعادة سيطرة الدولة المركزية على المعابر الحدودية، وآبار النفط، والمناطق الزراعية الاستراتيجية. حرمان الفصائل من الإيرادات الجمركية أو موارد الطاقة يجبرها على الاعتماد على ميزانية الدولة المركزية.
- دفع الرواتب عبر القنوات الرسمية: تحويل مقاتلي الفصائل إلى “موظفين” يتلقون رواتبهم من البنك المركزي. هذا يخلق ولاءً مؤسسياً جديداً (للراتب والدولة) بدلاً من الولاء الشخصي للقائد الميداني، ويسهل على الدولة قطع الراتب عن أي فصيل يخرق الاتفاقيات.
- تفكيك شبكات التهريب والاقتصاد الأسود: تعزيز الرقابة المالية ومكافحة غسل الأموال لتجفيف التمويل الخارجي غير الرسمي أو عائدات الاختطاف والابتزاز.
المحور الرابع: الآليات الخارجية والإقليمية (الرهونات والضغوط)
بما أن العديد من الفصائل في سوريا مدعومة من جهات خارجية (إقليمية أو دولية)، فإن الاحتواء يتطلب تنسيقاً خارجياً.
- الضمانات والرهونات الإقليمية: توقيع اتفاقيات بين الدول الضامنة (مثل تركيا، روسيا، الولايات المتحدة، ودول الخليج) تلزم هذه الدول بالضغط على “حلفائها” المحليين للالتزام بوقف إطلاق النار والاندماج في الدولة. إذا خرجت فصيلة عن السيطرة، تتعرض الدولة الراعية لضغوط دبلوماسية أو اقتصادية لتقييدها.
- المساعدات المشروطة (Conditional Aid): ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتقدم ملموس في توحيد الهياكل الأمنية. الدول المانحة تهدد بقطع التمويل إذا استمرت الفصائل في العمل بشكل مستقل أو انتهكت حقوق الإنسان.
- العقوبات الذكية: فرض عقوبات دولية مستهدفة على قادة فصائل معينين يرفضون الاندماج أو يعرقلون العملية السياسية، بما في ذلك تجميد الأصول ومنع السفر، لعزلهم عن شبكات الدعم الخارجي.
المحور الخامس: الآليات المجتمعية والأيديولوجية (تجفيف الحاضنة)
لا يمكن احتواء فصيلة مسلحة إذا كانت تحظى بدعم شعبي واسع.
- الشرطة المجتمعية وحل النزاعات المحلية: استبدال الحضور العسكري للفصائل بحضور أمني مدني (شرطة مجتمعية) يحظى بثقة السكان، مما يقلل الحاجة الشعبية لـ “حماية” الفصائل المسلحة.
- مواجهة الخطاب المتطرف: دعم المؤسسات الدينية الرسمية والمجتمع المدني لتقديم سرديات مضادة للخطاب الجهادي أو الطائفي، وعزل الفصائل المتطرفة أيديولوجياً عن مجتمعاتها المحلية.
التحديات والمخاطر التي تواجه هذه الآليات (لماذا تفشل أحياناً؟)
- معضلة “الدولة العميقة” أو الفصائل المنافسة: قد تقوم أجهزة أمنية تابعة للدولة القديمة أو فصائل منافسة بتخريب عملية الدمج عمداً (عبر استفزازات أو اغتيالات) لإثبات أن “هذه الفصائل لا يمكن الوثوق بها”، مما يبرر العودة للحل العسكري.
- تحول القادة إلى “مافيات” سياسية: بدلاً من نزع السلاح، قد يستخدم القادة مناصبهم السياسية الجديدة لحماية شبكات الفساد والتهريب التي بنوها أثناء الحرب، مما يخلق “دولة فاشلة” بوجه جديد.
- تغير المعادلات الإقليمية: إذا قررت دولة إقليمية راعية سحب دعمها فجأة، أو العكس (زيادة الدعم لفصيل معين لتعطيل التسوية)، فإن آليات الاحتواء الداخلية تنهار فوراً.
- فقدان الصبر الشعبي: إذا طالت فترة “الاحتواء” دون تقديم خدمات أو عدالة انتقالية، قد يثور المجتمع ضد الحكومة الانتقالية متهماً إياها بالتواطؤ مع “المجرمين”.
الخلاصة الاستراتيجية:
الاحتواء الناجح للفصائل المسلحة هو عملية جراحية بطيئة وليست ضربة قوية واحدة. تتطلب مزيجاً من “العصا” (التهديد بالعزل الأمني والاقتصادي) و”الجزرة” (الدمج السياسي والمالي). في الحالة السورية، النجاح يعتمد بشكل حاسم على قدرة الحكومة الانتقالية على بناء “جيش وطني” مهني بسرعة، وعلى توافق إقليمي حقيقي يمنع استخدام الفصائل كأدوات للابتزاز المتبادل.