عشرة والغولار معاهم
“عشرة والغولار معاهم… وبملعبهم شرشحناهم.”
كان جمهور نادي جبلة يردد هذا الهتاف كلما انتصر فريقه المحلي على منافس له خارج البلدة. كان الهتاف والاحتفال شيئا مالوفا في حياة هذه المدينة الصغيرة , منذ أن تفوق سباحها زيتون على تماسيح النيل وقهر أولاد صالح بحر المانش وكانت الناس تلاقي أبطالها العائدين على مفرق المدينة بالطبول والأهازيج.وكانت الرياضة تصنع لهم الفرح والحلم أيضا.
واليوم أتساءل: كيف استطاعت كرة صغيرة، لا يتجاوز وزنها نصف كيلوغرام، أن تصنع كل هذا الجنون والشغف في العالم؟
ما السر الذي يجعل اثنين وعشرين لاعبًا يركضون خلف كرة، بينما يتابعهم مليارات البشر بقلوب تخفق، وأعصاب تحترق، ودموع تنهمر، وفرح يكاد يبلغ حد النشوة؟
القذافي، بطريقته الخاصة، لم يستوعب هذه الظاهرة. اقترح يومًا أن يُعطى كل متفرج كرةً يلعب بها بدلًا من الجلوس لمشاهدة اثنين وعشرين رجلًا يتقاذفون كرة واحدة. كان يظن أنه يسخر من اللعبة، لكنه في الحقيقة كان يعترف، من حيث لا يدري، بأن هناك سرًا لم يفهمه. فالمتعة ليست في امتلاك الكرة، بل في الحكاية التي تنسجها وهي تنتقل بين الأقدام.
ولعل دييغو مارادونا كان أعظم تجليات هذا السحر. لم يكن مجرد لاعب، بل صار رمزًا يكاد يرقى إلى مرتبة الأسطورة. أحبه الفقراء لأنه خرج من أحيائهم، وأحبه الأرجنتينيون لأنه هزم الإنجليز بعد سنوات قليلة من حرب الفوكلاند، حتى بدا هدفه الشهير وكأنه ثأر وطن بأكمله. ثم جاءت السقوطات والإدمان، واشتباكاته مع مؤسسات الكرة والإعلام، وعلاقته الوثيقة بفيدل كاسترو، ليصبح رمزًا سياسيًا أيضًا، لا مجرد نجم رياضي. وكأن كرة القدم لا تكتفي بصناعة الأبطال، بل تعيد تشكيلهم وفق صراعات العالم.
في بلدان الجنوب، تبدو كرة القدم أكثر من لعبة. إنها المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها الفقير أن يهزم الغني، والمستعمَر السابق أن يهزم الإمبراطور القديم، والدولة الصغيرة أن تجعل القوى الكبرى تنحني احترامًا لتسعين دقيقة من الإبداع. ربما لهذا تبكي الشعوب بعد الهزائم كما لو أنها خسرت معركة وطنية، وتخرج بالملايين بعد الانتصارات كما لو أنها استعادت أرضًا محتلة.
بل إن الجماهير كثيرًا ما تُسقط على المباريات هوياتها الدينية والحضارية. يرى بعض المسلمين في فوز منتخب ذي أغلبية مسلمة انتصارًا رمزيًا على الغرب المسيحي، بينما يحتفل آخرون بانتصار أمريكا اللاتينية على أوروبا بوصفه انتصارًا للمهمشين على المركز. والواقع أن اللاعبين أنفسهم غالبًا لا يحملون هذه المعاني في أذهانهم، لكن الجماهير هي التي تمنح المباراة أبعادًا تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
ومن أعجب مفارقات اللعبة أنها تقاوم منطق القوة التقليدي. فالصين، بكل سكانها واقتصادها، لم تصبح قوة كروية. وروسيا، رغم تاريخها الرياضي الطويل، لم تفرض هيمنتها على اللعبة. والولايات المتحدة، سيدة كثير من الرياضات الأخرى، لم تجعل كرة القدم جزءًا من أسطورتها الرياضية إلا بدرجة محدودة مقارنة بكرة السلة أو البيسبول أو كرة القدم الأمريكية. في المقابل، أنجبت الأوروغواي، البلد الصغير، بطولات عالمية، وصنعت كرواتيا، بعدد سكان يقل عن كثير من المدن الكبرى، منتخبًا ينافس الكبار، بينما تحولت البرازيل والأرجنتين إلى مدارس كروية ألهمت العالم.
ولعل السر أن كرة القدم ليست لعبة يمكن شراؤها بالكامل بالمال، ولا تُبنى فقط بالمختبرات والخطط الاقتصادية. إنها تحتاج إلى ثقافة الشارع، وإلى الطفل الذي يحول زقاقًا ضيقًا إلى ملعب، وإلى خيال لا تصنعه الأكاديميات وحدها. إنها توازن غريب بين الموهبة الفردية والانضباط الجماعي، بين العبقرية والعفوية.
من لعبة إلى صناعة… ولم تمت
كان يُفترض، وفق منطق الرأسمالية، أن تتحول كرة القدم إلى سلعة فاقدة للروح. فقد دخلتها الشركات العملاقة، وحقوق البث التي تُباع بمليارات الدولارات، والإعلانات، ووكلاء اللاعبين، وصناديق الاستثمار، وتحولت الأندية إلى علامات تجارية عالمية، واللاعبون إلى أصول مالية تُقاس قيمتها في البورصات الرياضية.
ومع ذلك، حدث أمرٌ غريب.
فكلما ازداد المال حضورًا، ازداد الجمهور تعلقًا بالوهم القديم: أن الطفل الذي يركل كرةً في زقاق فقير قد يصبح نجم العالم القادم. لا يزال المشجع يبكي لهزيمة فريقه، مع أنه يعلم أن النادي شركة، وأن اللاعب قد يرحل غدًا بعقد أفضل، وأن اللعبة كلها أصبحت صناعة عالمية.
كأن كرة القدم تقاوم قوانين السوق من داخل السوق نفسها. لقد اشترت الرأسمالية اللعبة، لكنها لم تستطع شراء الشغف الذي يصنعها.
كأس العالم… آخر طقس كوني
ومن زاوية أخرى، تبدو كرة القدم كأنها آخر الطقوس الجماعية في العصر الحديث. الملعب يشبه مسرحًا قديمًا، والجماهير تؤدي دور الجوقة، والأعلام تقوم مقام الرايات، والهتافات تحل محل الترانيم، واللاعبون يتحولون إلى أبطال ملحميين. كل مباراة تروي قصة: بطل، وخصم، وخيانة، وخطأ، ومعجزة في الدقيقة الأخيرة. ولعل الإنسان لا يستطيع العيش بلا قصص، ولذلك يخلق في كل مباراة ملحمة جديدة.
وربما لهذا السبب أيضًا تعجز السياسة عن منافسة كرة القدم في جذب الناس. فالسياسة تعد بمستقبل أفضل، أما كرة القدم فتعطيك، خلال تسعين دقيقة، خوفًا وأملًا وانكسارًا وانتصارًا، ثم تعيدك إلى حياتك اليومية وكأنك عشت عمرًا كاملًا.
لا يوجد حدث آخر يجعل البشرية تتوقف بهذا الشكل. قد تقع حروب لا يتابعها الجميع، وتعقد قمم سياسية لا يكترث بها معظم الناس، وتصدر اكتشافات علمية تغير مستقبل الإنسان دون أن يشعر بها إلا المختصون.
أما عندما تبدأ كأس العالم، فإن الكوكب كله يعرف.
في القرى الإفريقية، وأحياء أمريكا الجنوبية، ومدن أوروبا، وصحارى الخليج، وجزر المحيط الهادئ، يتجه النظر نحو المستطيل الأخضر. تتغير مواعيد النوم والعمل، وتمتلئ المقاهي، وترتفع الأعلام، ويصبح الحديث اليومي عن التشكيلات والخطط والأهداف.
كأن الإنسانية، رغم اختلاف لغاتها وأديانها وأعراقها، وجدت لغة مشتركة لا تحتاج إلى مترجم.
ولعل هذا هو السر الحقيقي. فكأس العالم ليست بطولة رياضية فقط، بل هي الطقس المدني الوحيد الذي يجتمع حوله سكان الأرض طوعًا. ليست الأمم المتحدة، ولا مجموعة العشرين، ولا المؤتمرات الدولية، هي التي توحد البشر لساعات، بل مباراة كرة قدم.
إنها لحظة نادرة يشعر فيها الإنسان بأنه ينتمي إلى عالم واحد، حتى وإن كان يشجّع فريقًا ضد آخر.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: اللعبة التي تقوم على التنافس، هي نفسها التي تخلق أكبر لحظات الإجماع الإنساني.
الإنسان منذ فجر التاريخ كان يحتاج إلى أسطورة مشتركة؛ مرة كانت ملحمة جلجامش وهوميروس،عشتار وآدون و ومرة كانت مصارعات روما، ومرة كانت اساطير الخلق والفردوس والإنبعاث . أما الإنسان المعاصر، الذي فقد كثيرًا من الطقوس الجامعة، فقد وجد في كأس العالم الأسطورة العالمية الجديدة. ليست مجرد بطولة، بل رواية تتكرر كل أربع سنوات، لها أبطالها وأشرارها ومفاجآتها ومآسيها، وينتظرها العالم كما كانت الشعوب القديمة تنتظر الأعياد الكبرى.
إنها الساحرة المستديرة، لأنها تدور في أعماق الإنسان نفسه، حيث الحاجة إلى الانتماء، والرغبة في البطولة، والحنين إلى المعجزة، والإيمان بأن المستحيل قد يحدث في اللحظة الأخيرة.
“عشرة والغولار معاهم…”، لم تكن الجماهير تحتفل بالفوز فحسب، بل كانت تحتفل بانتصار الحلم على الحسابات، والخيال على المنطق، والإنسان على كل ما يحاول اختزاله إلى أرقام.