إبراهيم حميدي وكلام لم يقل
الصحفي الذي عاش “العراب” من الداخل
عندما يكتب إبراهيم حميدي عن سوريا، فإنه لا يكتب من برج عاجي أكاديمي، ولا من منبر خطابي أيديولوجي. يكتب من موقع الشاهد الذي عاش “بين القصر والسجن والمنفى”، كما وصف رحلته الصحفية الممتدة لأكثر من أربعة عقود.
منذ عام 1991 حتى 2013، قضى حميدي اثنين وعشرين عاماً مديراً لمكتب دمشق لصحيفة “الحياة” اللندنية. لم يكن مجرد مراسل يغطي الأحداث، بل كان “عيناً” تراقب التحول البطيء والصامت لسوريا من “جمهورية بعثية” إلى “سلطنة عائلية”. رأى كيف تحولت المؤسسات إلى واجهات، وكيف أصبح “البيت” مركز السلطة الحقيقي، وكيف تم توريث الحكم من الأب إلى الابن.
الآن، وبعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، وبعد أن أصبح رئيساً لتحرير مجلة “المجلة” وكبير المحررين الدبلوماسيين في “الشرق الأوسط”، حان وقت “الكلام الذي لم يُقل” – ليس لأنه لم يُسمح به فحسب، بل لأنه يحتاج إلى مسافة تاريخية لفهمه.
القسم الأول: ما رأته العين – من “الجمهورية” إلى “المافيا”
1. “البيت” مقابل “المكتب”: تشريح سلطة الظل
في مقالة تحليلية عميقة، استخدم حميدي استعارة فيلم “العراب” لتفكيك بنية السلطة الأسدية. لكن ما لم يُقل بوضوح كافٍ هو أن هذه المقارنة ليست مجرد أداة أدبية، بل هي كشف منهجي لطبيعة النظام.
في عالم المافيا، كما في عالم الأسد، كانت المؤسسات الرسمية – البرلمان، الحكومة، مجلس الوزراء – مجرد “مسرح” تُؤدى عليه القرارات التي أُعدت مسبقاً في “المطبخ العائلي”. الاجتماعات الرسمية كانت تأتي لتثبيت ما تم الاتفاق عليه في لقاءات العائلة المغلقة، تماماً كما كان منزل آل كورليوني في لونغ آيلاند هو المركز الحقيقي للسلطة، بينما كانت المكاتب الرسمية مجرد واجهات.
الكلام الذي لم يُقال: هذا ليس مجرد “فساد” أو “محسوبية”، بل هو نظام حكم بديل يقوم على مبدأ “خصخصة الدولة” الدولة لم تكن “محتلة” من قبل العائلة، بل كانت “مُعاد تعريفها” كملكية خاصة.
2. مفارقة “الابن الهادئ”: كيف يصنع القدر الديكتاتور
من أكثر الملاحظات عمقاً في تحليل حميدي هي تتبعه لتحول “الابن الهادئ” (مايكل/بشار) من شخص يريد حياة مختلفة إلى أكثر أفراد العائلة قسوة وعنفاً.
الكلام الذي لم يُقال: هذا ليس مجرد “حتمية قدرية”، بل هو آلية بقاء مؤسسية. في الأنظمة الشخصية التي تفتقر إلى آلية واضحة للوراثة، يُجبر “الوريث غير المؤهل” على تبني عنف الأب وتطرفه كوسيلة وحيدة لإثبات شرعيته أمام “الحرس القديم” (الرفاق، الضباط، رجال الأجهزة). الهدوء لم يكن “غطاء” للعنف، بل كان استراتيجية تكيف مع نظام لا يعترف إلا بلغة القوة المطلقة.
3. “الصهر” كتهديد وجودي: درس آصف شوكت
تحليل حميدي لشخصية “الصهر” (كارلو ريتزي/آصف شوكت) يكشف عن قاعدة ذهبية في الأنظمة السلطوية: “الدم أغلى من الزواج”.
الكلام الذي لم يُقال: الصهر في الأنظمة العائلية ليس مجرد “قريب”، بل هو “تهديد جيني” للسلالة. يدخل الدم الجديد، يكتسب شرعية مزدوجة (عسكرية + مصاهرة)، ويصبح مطلعاً على الأسرار. مصير شوكت – سواء كان اغتيالاً أم تهميشاً – يعكس قاعدة لا في هذه الأنظمة: لا مكان للصهر في دائرة القرار النهائية.
القسم الثاني: ما لم يُقل – الدروس للسلطة الانتقالية
الآن، بعد سقوط النظام، ومع بروز سلطة انتقالية جديدة، تبرز أسئلة حرجة: هل تعلمت النخبة الجديدة من الدرس؟ أم أنها تعيد إنتاج نفس النموذج؟
1. فخ “تدوير النخبة”
الكلام الذي يجب أن يُقال: إذا كانت السلطة الانتقالية تملأ مراكز القرار بأقارب أو مناصرين مخلصين لكنهم غير أكفاء، فهي لا تنتقل من “دولة مافيا” إلى “دولة مؤسسات”، بل تقوم بـ “تدوير النخبة” فحسب. الشعب الذي ضحى من أجل “الدولة” سيرفض بسرعة استبدال “عائلة حاكمة” بـ “عائلات حاكمة” جديدة.
الرسالة: الكفاءة هي التي تبني الدول، والولاء الأعمى يدمرها. عندما تملأ مراكز القرار بأقاربك، فإنك لا تبني “دولة”، بل تبني “نادياً خاصاً” سيفشل في تقديم الخدمات، مما يؤدي إلى تآكل شرعيتك.
2. “تأثير فريدو”: الأقارب هم أخطر التهديدات الداخلية
الكلام الذي يجب أن يُقال: افتراض أن “القريب” أو “المناصر القديم” سيكون مخلصاً تلقائياً هو وهم قاتل. التاريخ يثبت أن الصراعات على الغنيمة داخل الدائرة الضيقة هي السبب الأول لانهيار الأنظمة من الداخل.
الرسالة: عندما يشعر الأقارب بأنهم “فوق القانون”، يبدأون في بناء إمبراطوريات صغيرة متنافسة، مما يؤدي إلى انشقاقات داخلية، فساد مستشرٍ، وفي النهاية، خيانة أو تفكك للتحالف الحاكم. المحاسبة يجب أن تبدأ من “الداخل” قبل “الخارج”.
3. “دولة الغنيمة” مقابل “دولة المؤسسات”
الكلام الذي يجب أن يُقال: إذا كانت السلطة الانتقالية تمارس “المحاصصة” (توزيع الوزارات والهيئات على العائلات، العشائر، أو الفصائل المناصرة)، فهي تعيد إنتاج نموذج “دولة الغنيمة” الذي أدى إلى انهيار النظام السابق.
الرسالة: العقد الاجتماعي الجديد يجب أن يقوم على مبدأ “المواطنة” وليس “الولاء”. الشعب الذي ثار من أجل “الدولة” لن يقبل بـ “مزرعة عائلية” جديدة، مهما كانت الأسماء مختلفة.
4. الهشاشة المؤسسية: “بيت من بطاقات”
الكلام الذي يجب أن يُقال: الأنظمة التي تبني نفسها حول أشخاص (زبائنية) بدلاً من مؤسسات (دستور، قضاء مستقل، أحزاب) هي أنظمة هشة للغاية. أي صدمة (مرض القائد، خلاف بين حليفين، ضغط اقتصادي) ستؤدي إلى انهيار فوري.
الرسالة: بناء المؤسسات المستقلة ليس “رفاهية” ديمقراطية، بل هو ضرورة وجودية لبقاء الدولة. بدون مؤسسات تحترمها جميع الأطراف، ستكون الدولة مجرد “شبكة مصالح” تتفكك بمجرد اختفاء “العنصر الرابط”.
5. العزلة الدولية: “المافيا” لا تُعترف بها عالمياً
الكلام الذي يجب أن يُقال: في القرن الحادي والعشرين، لا يمكن لدولة أن تعيد إعمار نفسها أو تندمج في الاقتصاد العالمي إذا كانت تُدار كـ “شركة عائلية”. المانحون، والمستثمرون، والمؤسسات الدولية يشترطون “الحكم الرشيد”، ومكافحة الفساد، وشفافية المناقصات.
الرسالة: جلب الأقارب لمراكز النفوذ يرسل إشارة فورية للعالم بأن “الفساد المؤسسي” ما زال قائماً، مما يضمن استمرار العقوبات والعزلة الاقتصادية. “الشرعية الدولية” تُبنى بالشفافية، لا بالولاءات.
القسم الثالث: رؤية مستقبلية – سوريا ما بعد “العراب”
1. من “الدولة العائلية” إلى “الدولة المدنية”: التحدي الأكبر
سقوط نظام الأسد ليس مجرد تغيير في “الأشخاص”، بل هو فرصة تاريخية لتغيير “قواعد اللعبة” . التحدي الأكبر ليس في “من” نضع في المناصب، بل في كيف نبني مؤسسات تحترمها جميع الأطراف.
الرؤية: سوريا الجديدة يجب أن تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:
- فصل السلطة عن الملكية: الدولة ليست “ممتلكات خاصة” لأي عائلة أو مجموعة.
- المحاسبة الشاملة: لا حصانة لأي شخص، مهما كان قربه من مركز السلطة.
- الشفافية المؤسسية: القرارات تُتخذ في “المكتب” وليس في “المطبخ”.
2. “العدالة الانتقالية”: ليس انتقاماً، بل بناءً
الكلام الذي يجب أن يُقال: العدالة الانتقالية ليست “ثأراً” من النظام السابق، بل هي آلية لبناء عقد اجتماعي جديد. بدون محاسبة حقيقية للفساد والانتهاكات، ستكون “الديمقراطية” مجرد قشرة رقيقة تخفي صراعات على الغنيمة.
الرؤية: يجب أن تقوم العدالة الانتقالية على:
- كشف الحقيقة: لجان حقيقة ومصالحة شفافة.
- جبر الضرر: تعويض الضحايا، ليس فقط مادياً، بل رمزياً أيضاً.
- الإصلاح المؤسسي: تفكيك الأجهزة الأمنية والقمعية، وإعادة بنائها على أساس “المواطنة”.
3. “الاقتصاد السياسي”: من “الريع” إلى “الإنتاج”
الكلام الذي يجب أن يُقال: نظام الأسد انهار ليس فقط لأنه “عائلي”، بل لأنه فشل في الانتقال من “اقتصاد ريعي أمني” إلى “اقتصاد إنتاجي”. إعادة الإعمار لن تتم بـ “المحسوبية”، بل بـ “الكفاءة” و**”الشفافية”**.
الرؤية: سوريا الجديدة يجب أن:
- تكسر الاحتكارات: تفكيك إمبراطوريات آل مخلوف وشبكات المحسوبية.
- تشجع الاستثمار: ليس فقط “الخليجي” أو “الروسي”، بل الاستثمار المحلي والدولي الشفاف.
- تبني اقتصاداً منتجاً: ليس اقتصاداً يعتمد على “المساعدات” أو “الريع”، بل اقتصاداً يقوم على الإنتاج والتصدير.
4. “المجتمع المدني”: الحارس ضد “العراب” الجديد
الكلام الذي يجب أن يُقال: الديمقراطية ليست مجرد “انتخابات”، بل هي مجتمع مدني قوي يراقب السلطة ويحاسبها. بدون صحافة حرة، ومنظمات مجتمع مدني، وأحزاب سياسية حقيقية، ستكون “الديمقراطية” مجرد “مافيا جديدة” بأسماء مختلفة.
الرؤية: يجب أن:
- تُحمى الصحافة: ليس فقط من “القمع”، بل من “المحسوبية” أيضاً.
- تُقوى المنظمات: ليس كـ “جمعيات خيرية”، بل كـ “رقباء” على السلطة.
- تُبنى الأحزاب: ليس كـ “عشائر سياسية”، بل كـ “برامج” و”رؤى”.
الخاتمة: “الكلام الذي لم يُقال” هو الآن واجب
إبراهيم حميدي، بشهادته الفريدة التي تمتد لأربعة عقود، قدم لنا ليس فقط “تحليلاً” لنظام الأسد، بل “خريطة طريق” لسوريا الجديدة. “الكلام الذي لم يُقال” في الماضي – بسبب القيود السياسية والأمنية – هو الآن واجب يجب أن يُقال بصوت عالٍ.
الرسالة الأساسية هي: تغيير الاسم على الباب لا يغير المبنى. إذا استمرت السلطة الجديدة في التعامل مع الدولة على أنها “ممتلكات خاصة” توزع على الأقارب والمناصرين، فهي لم تقم بـ “انتقال” على الإطلاق، بل قامت بـ “استنساخ” للنموذج الفاشل.
الدرس التاريخي من “العراب” ومن واقع الأنظمة السلطوية هو أن العائلة التي تحكم الدولة تنتهي دائماً بأكل أبنائها أو تدمير الدولة التي بنتها لحماية نفسها. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للسلطة الانتقالية ليس في “من” تضع في المناصب، بل في مدى استعدادها لتفكيك “مطبخ القرار” العائلي والولائي، وبناء مؤسسات شفافة تخضع للمحاسبة، حيث يكون المعيار الوحيد هو “الكفاءة والمصلحة العامة”، وليس “اسم العائلة أو درجة القرابة”.
سوريا الجديدة إما أن تكون “دولة مواطنين” أو ستكون “مافيا جديدة”. لا يوجد خيار ثالث. والكلام الذي لم يُقال في الماضي يجب أن يُقال الآن، قبل فوات الأوان.