الأبطال والخونة
في سبعينيات القرن الماضي، وفي مدينة جبلة الساحلية، كانت الطفولة تفتش عن حلمها بشبابيك التذاكر وعتمة القاعات، أصبحت سينما الفردوس- بعد إغلاق سينما الشرق- لوحدها تمن علينا بالأحلام والأبطال. كنا أولاداً ننتظر أفلام المغامرات بشغف، ولم يكن لدينا آنذاك أي مقياس معقد للحكم على الأشياء؛ كان مقياسنا الوحيد، البسيط، والصارم هو: التمييز بين الأبطال والخونة. كان البطل في مخيلتنا يتشكل بألف وجه؛ قد يكون الفدائي ، أو قائد الجيش الذي لا يعرف التراجع، أو بطل الكاراتيه ، أو حتى أبو عنتر.. كان العالم أسود وأبيض، والعدالة في النهاية تنتصر على الشاشة.
وبعد مرور عقود، كبرنا وكبرت معنا الشاشات، لكنها لم تعد تقتصر على سينما الفردوس. فقد انتقلت السينما إلى جيوبنا، وامتلأت الساحة الإعلامية بصناع المحتوى، وأصحاب الصفحات، و”المؤثرين”. ومع ذلك، وبكل أسف، لم نخرج من دائرة التصنيف الطفولي؛ فما زلنا نبحث عن الأبطال والخونة، لكننا هذه المرة نصنعهم بأوهامنا.
مشهد الإعلام البديل: بين التبرير والتضليل
إذا نظرنا إلى المشهد الإعلامي الحالي، نجد أن الإعلام الرسمي كالعادة لم يخرج بعد من مفهوم “التبرير والتبهير”، وهو لن يخرج من هذه الدائرة المغلقة، لأن القاعدة في الإعلام هي أن الممول هو السيد بكل الأحوال.
لذلك، لجأ الناس إلى منصات التواصل كبديل، وفي هذا الأفق الإعلامي المفتوح، تجد أنواعاً شتى من صناع المحتوى:
- المحللون: المحلل للأحداث ،يحاول تقديم قراءة تحليلة للأحداث محايدة، ما إن يخرج عن المألوف حتى يتعرض للشتائم، والتهويل، ومحاولة الإلغاء من قبل معسكري “الأبطال والخونة”.
- المراوغ: الذي يلعب على الحبال، يغير جلده حسب (اتجاه) الرياح، ويتاجر بالمواقف.
- المطبل والمهلل: الأداة الرخيصة التي تكرر ما يُلقى إليها لتأكيد الرواية الرسمية أو رواية الفئة الممولة لها.
- صاحب المعلومة: قلة قليلة فعلاً لديهم معلومات ومحتوى ويرغبون في مشاركتها بشفافية مع الجمهور.
حدس الجمهور وتواطؤ الوعي
للناس حسٌ أصيل، وفطرة سليمة في الغالب؛ تعلم كنه هؤلاء وتحس بنواياهم. الكلام يبوح بصاحبه، وأي مدقق بسيط للراي والموقف المقدم سيتبين له هوى المتكلم وغايته بدون صعوبة. الجمهور ليس غبياً كما يتصور البعض، بل هو يدرك تماماً متى يُتاجر به، ومتى تُزيف له الحقائق.
ولكن المشكلة ليست في هذا الجانب، بل في جانب أخطر وأعمق: فالكثير من المتابعين يعلمون أن هذا المحتوى مفبرك، وأن هذا “البطل” الذي يتابعه ما هو إلا أداة، وأن هؤلاء “الخونة” الذي يُشهر بهم مجرد ضحية أو خصم سياسي. ومع ذلك، يستمرون في المتابعة، والإعجاب، والمشاركة، والتعليق.
لماذا يفعلون ذلك؟ لا يفعلون ذلك بحثاً عن الحقيقة، بل لتكريس أوهامهم، وإشعارهم بوجود من يفكر مثلهم. إنه “التحيز التأكيدي” في أبهى صوره؛ فالمتابع لا يبحث عن معلومة جديدة، بل يبحث عن من يدغدغ مشاعره ويؤكد له أن أحكامه المسبقة هي الحق المطلق. إنه يتعاطى هذا المحتوى كمسكن نفسي يريحه من عناء التفكير ومن التنافر المعرفي الذي تسببه الوقائع المعقدة.
هناك عدة مستويات للظاهرة
1. على المستوى النفسي (إدمان الوهم والقبيلة): الإنسان كائن اجتماعي يخشى العزلة. متابعة صانع محتوى مراوغ أو مطبل، رغم معرفة المتابع بزيفه، هي عملية بحث عن انتماء قبلي.هذا يخلق حالة من الإدمان النفسي على الراحة الفكرية، حيث يصبح تقبل الحقيقة المؤلمة أصعب من الاستغراق في كذبة مريحة .
2. على المستوى الاجتماعي : حين يتبع كل فرد بطله الخاص الذي يصنع له روايته ،لا يعود المجتمع يعيش في وطن واحد، بل في “غرف صدى” متوازية. كل فئة لها أبطالها وخونتها، ولا توجد لغة مشتركة للحقيقة. هذا يؤدي إلى تآكل الثقة الاجتماعية، وتحول المجتمع إلى جزر معزولة، كل جزيرة تحرس بطلها وتتكهن بـ خونة الجزيرة الأخرى.
3. على المستوى السياسي والعقائدي (موت السياسة و استهلاك الأيديولوجيا): السياسة الحقة تتطلب نقاشاً، وحواراً، وقبولاً بالآخر، ومراجعة للذات. لكن في ظل هذا الاستهلاك الإعلامي، تحولت الأيديولوجيا والعقيدة إلى سلعة استهلاكية تُباع وتشترى لتأكيد التعصب. لم تعد العقيدة قناعات فكرية يدافع عنها بالحجة، بل أصبحت هوية عاطفية يحميها المتابعون عبر شاشات هواتفهم. النتيجة السياسية هي شلل تام؛ فالشعوب التي تستهلك أوهامها بدلاً من حقائقها، تصبح عاجزة عن إنتاج أي تقدم مجتمعي أو معرفي ناهيك عن انتاج معارضة حقيقية أو سلطة رقابية فاعلة.
و هنا يطرح البعض سؤالاً مشروعاً: ماذا يجني من يعارض سلطات الأمر الواقع؟ وما هو تأثيره الحقيقي؟
ماذا استفاد محمد الماغوط من سخريته اللاذعة ؟ ماذا جنى نجم أو النواب أو نزار من شعرهم ؟ ماذا عاد على عبد الله القصيمي من نبذه ومقاطعته حين غيّر قناعاته؟ وماذا جنى سعد الله ونوس حين قال لحافظ الأسد — الذي تكفل بنفقات علاجه من السرطان — تلك الجملة اللاذعة: “لقد طوقتَ عنقي يا سيادة الرئيس”؟
ببساطة، هؤلاء لا يجنون شيئاً. ولا يقاس أثرهم بعدد متابعيهم أو حجم جمهورهم أو ثرواتهم المتراكمة. أثرهم يُقاس بمكيال آخر، قد لا يراه البعض ، لكنه يظل حاضراً في الذاكرة الجمعية. أثرهم الحقيقي هو أنهم أحرار استطاعوا أن يقولوا الحقيقة في زمن يُباع فيه كل شيء. وأثرهم هو أنهم رسموا خطاً أحمر لا يتجاوز، ليكون الشاهد على أن الخنق الكامل لم يحدث بعد. هم الذين منعوا — بوعيهم أو بدونه — أن تُخنق أنت وأنا تحت سطوة لا فكاك منها.
هؤلاء لم يكونوا “أبطالاً” بالمعنى السينمائي الذي ننتظره في صغرنا. لم ينتصروا في نهاية الفيلم، ولم يحصلوا على مكافأة. لكنهم تركوا أثراً أعمق: أنهم أثبتوا أن الحقيقة يمكن أن تُقال، وأن الحرية يمكن أن تُمارس، ولو في أضيق المساحات. وهذا بالضبط ما أصبح عملة نادرة اليوم.
في الجانب الآخر من المعادلة، يجد الكثير ممن يعانون داخل الوطن أنفسهم أمام موقف صادم من بعض الكتاب والمثقفين الذين انتقدوا السلطة في السابق وسبب سكوتهم وصمتهم وابتعادهم حتى عن توجيه أي انتقاد أو ملاحظة لها حاليا , وكذلك من موقف من هم خارجه. وقد تجلى ذلك في موقف لبعض عناصر الجالية السورية في أمريكا، حين استُقبِل الرئيس المؤقت أحمد الشرع في لقاءات معها. إن طريقة التهليل — الطفولية ربما — وطبيعة الأسئلة التي طُرحت خلال اللقاء، وتجاهلها التام لأي هم وطني أو داخلي، ينظر إليه البعض على أنه نوع من “الخيانة الرمزية” لمن هم في الداخل. فهؤلاء، برأي المنتقدين، يمنحون السلطة غطاءً دولياً — ربما هي بأمس الحاجة إليه — ودعاية مجانية بدون وجود أية إنجازات ملموسة على الأرض بخصوص بناء المؤسسات، أو إعادة هيكلة الجيش، أو تحقيق العدالة، أو إعادة التئام النسيج الوطني، أو حتى معالجة المطالب المعيشية المتفاقمة التي باتت تُثقل كاهل من بقي في الداخل.
لكن هناك رأياً آخر يرى أن هذا الموقف طبيعي بل ومتوقع. فهؤلاء الذين يعيشون في الخارج بعيدون تماماً عن تفاصيل الحياة اليومية في الداخل، وعن حجم المعاناة التي يعيشها من بقي. وجلّ همهم — في أحسن الأحوال — هو تيسير إجراءات السفر، وعدم توقيفهم لسبب أو لآخر حين يعودون لـ “شمّ ياسمينهم”. من هذا المنظور، فإن تهليلهم وتجاهلهم للهم الداخلي ليس خيانةبقدر ما هو آلية مريحة تخلصهم من احتمال التوقيف لدى أحد الفروع الأمنية التابعة للنظام السابق وعرقلة اجازتهم السنوية.
وهنا نعود إلى ثنائية “البطل والخائن” التي بدأنا بها: فمن يهلل من الخارج يُقدَّم كـبطل يمثل “صوت السوريين الوطنيين”، بينما من ينتقد من الداخل يُوصم بـالخيانة أوالتشويه. وهكذا تُستخدم “غرف الصدى” الرقمية ليس فقط لتأكيد التحيزات الفردية، بل أيضاً لصناعة روايات سياسية تُستخدم في المحافل الدولية، بينما يبقى من في الداخل يدفعون ثمن هذه الدعاية المجانية من جيوبهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم.
عودة إلى سينما الفردوس
في سبعينيات جبلة. كنا ننتظر في سينما الفردوس أن ينتصر البطل على الخونة في نهاية الفيلم. واليوم لا ننتظر البطل ليظهر على الشاشة، بل نحن من نصنع الأبطال والخونة في عقولنا، ونختار الناس وصناع المحتوى الذين يخدمون هذه الثنائية الطفولية.
لقد كبرت أجسادنا، لكن وعينا الإعلامي والسياسي، في لحظات كثيرة، لا يزال طفلاً ينتظر من يدغدغ مشاعره، ويخبره أنه على حق، حتى لو كان هذا الحق مجرد وهم يُباع ويُشترى في سوق النخاسة الرقمية. والمصيبة ليست وجود من يبيعنا الوهم , بل أننا نحن من نرفض شراء الحقيقة، لأنها ببساطة مؤلمة وجارحة وتورث القلق والهم ,وهذا مالانرغب به أبدا.