الساقطون… أليس هناك من قعر؟
من المفهوم، بل من البديهي في علم السياسة، أن تلجأ السلطات المتحكمة إلى البروبغندا، وأن تنشئ مكاتب لتحسين الصورة، وتعيد صياغة الوقائع بما يخدم بقاءها. هذا سلوك متكرر في أنظمة كثيرة عبر التاريخ؛ فالسلطة بطبيعتها تميل إلى حماية ذاتها، وتلميع أخطائها، وإعادة تأويل الأحداث بما يحفظ هيبتها. لكن السؤال الأكثر إيلامًا ليس في فعل السلطة، بل في فعل بعض الناس: ماذا يفسر تطوع أفراد من الجمهور لتلميع صورة السلطة الحاكمة؟ لماذا يفترون الأحداث أو يبررونها حتى حين تتكشّف الحقائق؟ أليس هناك من قعر أخلاقي يتوقف عنده الانحدار؟
حين وقعت حادثة اغتيال الصحفي علاء محمد، وقتل ايمان مطانيوس جروس بدم بارد بحجة وجودها سافرة في حي يقطنه العلويون في حمص ,وحين اقتُحمت قرى آمنة – كقرية بيت العلوني – بحجة ملاحقة”فلول”،وعشرات الأمثلة التي تتشابه وتتكرر يوميا,ولا يكلف أحد نفسه المشقة لنشر تحقيقات ,وتقديم أدلة ومحاسبة الجناة , كان المتوقع أن يسود الحزن والغضب، وأن تُطرح الأسئلة حول العدالة والمساءلة. غير أن ما حدث في بعض الأوساط كان العكس: خرج من يبرر، ومن يوثق الرواية الرسمية دون تمحيص، ومن يهاجم الضحايا بدل مساءلة الفاعلين. هنا يتحول السؤال من السياسة إلى النفس.
في علم النفس الاجتماعي، تُفسَّر هذه الظاهرة بعدة مفاهيم. أولها “التنافر المعرفي”: حين يربط الفرد هويته النفسية بالسلطة أو بالخطاب الرسمي، يصبح الاعتراف بخطئها اعترافًا بخطئه هو. ولتفادي الألم الداخلي، يعيد تأويل الوقائع، أو ينكرها، أو يهاجم من يكشفها. الحقيقة تهدد صورته عن نفسه، فيختار التضحية بالحقيقة بدل التضحية بالذات.
ثانيها “الانحياز للجماعة”. الإنسان كائن اجتماعي يخشى العزلة. حين يشعر أن محيطه يميل إلى رواية معينة، فإنه قد يتبناها طلبًا للانتماء، حتى لو ساوره الشك. الرغبة في القبول قد تطغى على الرغبة في الصدق. ومع تكرار الخطاب الرسمي، تتحول الرواية إلى ما يشبه “الحقيقة الجمعية”، ومن يعارضها يُصنَّف خارج الصف.
هناك أيضًا ما يُعرف بـ”متلازمة التماهي مع المعتدي”. في بيئات يسودها الخوف أو القمع، قد يتبنى بعض الأفراد خطاب القوة المسيطرة، لا حبًا بها، بل اتقاءً لبطشها أو طمعًا في حمايتها. الدفاع عن السلطة يصبح وسيلة دفاع عن الذات. وهكذا يتحول الضحية المحتملة إلى مدافع عن المنظومة التي قد تظلمه.
ولا يمكن إغفال دور المصلحة الشخصية. فبعض من يبررون أو يزوّرون لا يفعلون ذلك بدافع نفسي خالص، بل بدافع مكاسب مباشرة: قرب من النفوذ، فرص، حماية، أو مجرد شعور بالسلطة الرمزية عبر مهاجمة المختلفين. في هذه الحالة، يصبح التبرير استثمارًا، لا قناعة.
لكن الأخطر من كل ذلك هو “تطبيع الانحدار”. حين تتكرر الأحداث، وتُبرر مرة بعد مرة، ينخفض السقف الأخلاقي تدريجيًا. ما كان صادمًا بالأمس يصبح عاديًا اليوم، وما كان مرفوضًا يصبح قابلاً للنقاش. هنا لا يكون السقوط لحظة، بل مسارًا. والسؤال: أليس هناك من قعر؟
القعر الحقيقي ليس في خطأ السلطة وحده، بل في استعداد بعض الناس لتزيينه. فالمجتمع الذي يفقد حساسيته تجاه الظلم، أو يبرره بدعوى الضرورة، يفقد تدريجيًا بوصلته الأخلاقية. وحين يُقتل مواطن ويُستقبل الحدث بسيل من التبريرات، فإن الأزمة لم تعد سياسية فحسب، بل أخلاقية ونفسية أيضًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون التشخيص دعوة لليأس. فهم الدوافع النفسية لا يعني تبرير السلوك، بل كشف جذوره. مواجهة الظاهرة تبدأ بإحياء قيمة النقد، وتعزيز التربية على التفكير المستقل، وحماية المساحات التي تسمح بطرح الأسئلة دون خوف. فحين يشعر الفرد أن كرامته لا ترتبط بالسلطة، وأن انتماءه لا يُشترى بالصمت، يصبح أقل عرضة للسقوط في هاوية التبرير.
الساقطون ليسوا دائمًا أولئك الذين يمارسون الفعل، بل أحيانًا أولئك الذين يبررونه. والسؤال الذي يبقى معلقًا: إذا لم يكن هناك قعر يوقف هذا الانحدار، فهل نصنع نحن قاعًا من الضمير، نرتدّ إليه قبل أن نفقد القدرة على الارتداد؟