كم فرصة، ودعما تحتاجون؟
بقدر ما كان الأمل عريضاً عند الحديث عن “السلطة الانتقالية” في سوريا، بقدر ما كان السقوط مدوياً والواقع مريراً. فبعد أن رفع العالم عقوباته، وانفتحت الأبواب على مصراعيها للدعم المالي العربي، وبرقت وعود إعادة الإعمار واحتواء الأزمات، جاء الجواب على أرض الواقع كارثياً. لقد أثبتت الأيام أن المشكلة لم تكن في نقص الموارد فحسب، بل في منهجية إدارة البلد وتسيير أموره، والتي حولت الآمال إلى سراب.
لم تكتفِ هذه الإدارة بما ورثته من دمار، بل أضافت عليه مصائب جسيمة مزّقت النسيج الاجتماعي السوري، الذي كان يصارع من أجل التماسك بعد سنوات من المعاناة. فقد طالت القرارات التعسفية كل تفاصيل الحياة المعيشية، حيث أصبح رفع أسعار المحروقات والكهرباء سياسة ممنهجة، أثقلت كاهل المواطن الذي لم يعد قادراً على تدبير أبسط مقومات الحياة، في وقت يفترض أن يكون فيه الهم الأول هو تخفيف الأعباء عن كاهل الناس.
وفي خضم هذا الانهيار الشامل، تدهور قطاع الصحة بشكل مخيف، وغابت الخدمات العامة تماماً، لتبرز “قضية الاستملاكات” كأحد أبشع مظاهر هذا الفشل الإداري والأخلاقي. فبدلاً من حماية حقوق المواطنين، تم تعهيد هذه الأملاك والأراضي لشركات خاصة، في ظل غياب كامل لإمكانية التقاضي، وإهمال متعمد لأصحاب الأراضي الذين سُلِبت ممتلكاتهم دون وجه حق أو تعويض عادل، مما ضرب مبدأ العدالة في الصميم.
ولا تكتمل الصورة المأساوية دون ذكر “كارثة البنزين الأحمر”، ذلك المثال الصارخ على سوء الإدارة واللامبالاة. فبهذا الوقود الرديء، تم القضاء تدريجياً على محركات السيارات والآليات التي تزودت به، مما ضاعف الأعباء المادية على المواطنين وأصحاب المهن، وشلّ حركة النقل والإنتاج في وقت أحوج ما يكون فيه البلد إلى دوران العجلة الاقتصادية.
أما على الصعيد السياسي والاستراتيجي، فإن الطامة الكبرى تكمن في التهاون المريب مع العدو المباشر “إسرائيل”، والدخول في تحالفات مهينة مع حلفائه. إن هذا الموقف لا يمثل فقط تفريطاً صريحاً بالسيادة الوطنية والكرامة السورية، بل يضع البلد في خانة التبعية المطلقة بدلاً من التعافي واستعادة زمام الأمر.
بعد كل هذا الغطاء العالمي، ورفع العقوبات، وضخ الدعم المالي العربي، هكذا هي النتيجة؟ دمار معيشي، وانهيار خدمي، وتآكل للتماسك الاجتماعي، وإهدار للكرامة الوطنية.
فبالله قولوا لنا: كم دعماً تحتاجون، وكم فرصة، لتقضوا على ما تبقى من هذا البلد المسكين؟