ليس الطحن آخر المراحل بل ذرّ الغبار
بعد سنوات من الخراب الذي خلفه نظام بشار الأسد، ظن الكثيرون أن أي مرحلة قادمة ستكون أفضل، وأن سقوط الديكتاتور سيعيد للمجتمع حياته الطبيعية ويمنح شعب سوريا فرصة للنهوض. غير أن الواقع أظهر أن الألم لم ينته، بل تغيرت أوجهه. النظام السابق لم يترك أثره فقط في البنية الأمنية والسياسية، بل طحن المجتمع بكل أطيافه ومكوناته، لصالح طغمة مالية وأمنية متحكمة، تاركاً خلفه مجتمعاً مُجزأ ومُنهك.
مع وصول السلطة الجديدة، غلب على الناس الأمل في بداية صفحة جديدة، وتغاضوا عن سلسلة من التجاوزات والانتهاكات. بدءاً من طريقة اختيار الحاكم، مروراً بالإعلان الدستوري، ووصولاً لتشكيل الحكومة التي لم يكن لها وجود فعلي على الأرض. فالحكم الفعلي أصبح بيد مجموعة من “المشايخ”، الذين تغلغلوا في جميع مفاصل الدولة، وأصبحوا أصحاب القرار الفعلي، إلى جانب أقلية ضيقة تشمل أشقاء الرئيس المؤقت وبعض الأيادي الاقتصادية التي تسيطر على الثروة والقرار الاقتصادي.
تفاقمت التجاوزات بسرعة، وكبرت ككرة ثلج،وتلطخت الأيادي بالدم , وأصبح الإخلال بالوعود المقطوعة هو ديدن السلطة الجديدة بلا أي اعتبار. ومع مرور الوقت، بدا أن السلطة الجديدة تعمل دون أي تخطيط أو هدف واضح، حيث ظهرت القرارات المرتجلة العشوائية وبدا أن المجازر المتنقلة هي (من ضمن) صلاحيات و مهام الحكم الانتقالي أيضا.
وما زاد الطين بلة، أن تصريحات غريبة بدأت تصدر عن رؤوس السلطة ومتنفذيها، تتراوح بين فهم خاطئ تماماً للعلاقة بين الحاكم والشعب، وقرارات أغرب، تتعدى على حريات الناس الشخصية، حتى في طريقة أكلهم وشربهم ولباسهم. كل ذلك يضاعف شعور الناس بالعجز والتهديد، ويؤكد أن ما يجري ليس مجرد إدارة ضعيفة، بل عبث ممنهج بالمجتمع.
ما بدا أكثر خطورة هو سعي السلطة لتثبيت نفسها كسلطة دائمة، متجاوزة أي مرجعية تمثيلية أو شرعية، مستندة على مقولة “من يحرر يقرر”، التي انهارت منذ فترة بعد انكشاف ألية ترتيب سقوط النظام السابق. اليوم، يبدو أن هذه السلطة الجديدة تتجه نحو مرحلة أخطر، ما يمكن وصفه بـ”ذر الغبار”، حيث يتم تكسير ما تبقى من نسيج المجتمع اقتصادياً وأمنياً وقانونياً، تاركة الشعب غارقاً في فوضى غير مسبوقة.
إنه مشهد مؤلم، يذكرنا أن الخراب لا ينتهي بسقوط الديكتاتور، وأن المرحلة الأهم ليست مجرد التخلص من الطغيان، بل إدارة ما بعده بحكمة، وتأسيس مجتمع عادل ومستقر. للأسف، يبدو أن المجتمع السوري لم يصل بعد إلى هذه المرحلة، وما زال يعيش بين بقايا الطاحونة وذر الغبار الذي خلفه كل من النظام السابق ومن تلاه من حكام غير مسؤولين.