بين مقبرة بسنادا و بحر جبلة..
انطلقنا ظهراً، والسماء تميل إلى الرمادي، كما تميل نفوسنا في مثل هذه الأيام.. للمشاركة في مراسم وداع والد أحد الأقارب. وباعتبار أن أصول الراحل تعود إلى لواء الإسكندرون كانت وجهتنا حتمية نحو بسنادا، حيث ترقد هناك مقبرة خاصة بأبناء اللواء، تلك البقعة التي تستوعب جغرافيا ضاعت، وتلملم شتات من قُذفوا بعيداً عن مسقط رأسهم.
دلفنا إلى داخل المقبرة، وكان أول ما استوقفني قبر الدكتور وهيب الغانم. ومن هناك، توالت الأسماء المنقوشة على الرخام الأبيض: سفير، طبيب، فنان تشكيلي، معارض، وموالٍ.. لم تفرق اللوحة بين انتماء، ولم تميز بين لون. كانت جميعها متلاصقة، كتفاً بكتف، أو بالأحرى رخامة برخامة، تشير كلها لذات الجهة، في خضوع مطلق .
لن أتحدث كثيراً عن بسنادا ، فهي في ذاكرة كل وطني سوري ليست مجرد إحداثية على الخريطة، بل هي علامة فارقة. ارتبط اسمها بشخصيات فذة أنجبتها للوطن، وارتبط أكثر، وبوجعٍ غائر، بالكم الهائل من المعتقلين السياسيين الذين ابتلعتهم زنازين النظام السابق، لتصبح أرضها امتداداً لمقابر الأحياء في السجون، وحملوا معهم أسراراً لن يبوح بها التراب.
والأمر الذي يخنق العبرة، أن العديد من هذه الأضرحة تعود لأشخاص وُلدوا في اللواء، في أنطاكية العروبة والإسكندرون الساحلية. وكان قدرهم، كقدر الكثير من مكونات هذا الشرق الحزين، أن يُدفنوا في مكانٍ قسريٍ بعيد، غرباء عن التراب الذي ولدوا عليه، ليجدوا في غربتهم الثانية مستقراً أخيراً.
تجولت نحو أطراف المقبرة، وحاولت استكشاف البحر من خلف الضباب الذي لفّ المكان. كان الجو غائماً، والغيوم تبدو وكأنها تحمل هموم من تحتها. وفي تلك اللحظة، تهيأ لي، بل تيقنت، أن هذه المقبرة قد نجحت فيما عجز عنه الإنسان الذي يسير فوقها. عجزت عنه النظريات، والسياسات، والأيديولوجيات، والخطب الرنانة. كان أمراً حزينا، ومفارقةً موجعةً وموجهةً : أن ينجح الموت في تحقيق الوحدة والعدالة والمساواة، حيث تفشل الحياة وتتعثر.
نحن نقتتل في الحياة على حدود وهمية، وعلى مذاهب، وعلى انتماءات حزبية ضيقة، ونستورد نظريات من هنا وهناك لنفرق بين أبناء الوطن الواحد، لكن الأرض لا تعرف إلا جثة واحدة، ووجهة واحدة، ومصيراً واحداً. الموت هو الديمقراطية الحقيقية الوحيدة التي عرفها هذا الشرق؛ فهو يساوي بين من عاشوا في قصور ومن ماتوا في المنافي، بين من حملوا السلاح ومن حملوا أقلاماً، ليجعلهم جميعاً في صف واحد، يتجهون نحو ذات المجهول.
عدنا إلى جبلة قبيل الثالثة. ولم تطاوعني نفسي على الركون، فاتجهت صوب البحر لأغسل في مياهه غبار النهار وهمومه. رغم التحذيرات من عاصفة مطرية تلوح في الأفق، كان البحر يستدعيني، وكأنه يريد أن يفضي لي بسر آخر.
وصلت الشاطئ، وكنت وحيداً. البحر هادىء وموحش ينتظر المطر القادم من بعيد، والسماء تشاركه كآبتها. سبحت مسافة باتجاه العمق، ثم توقفت لالتقاط أنفاسي، وإذ بي أفاجأ بمشهد صادم: مئات الأسماك البيضاء الصغيرة الميتة تحيط بي من كل جانب، كأنها حرس من الأشباح. مسكت إحداها لأتبين الأمر، فوجدتها منقلبة على ظهرها الأبيض اللامع، وفي مؤخر رأسها انتفاخ صغير. كانت نافقة، مختنقة من ضغط ما ، أو لفظتها التيارات خاوية.
كان منظر مئات النقاط البيضاء المبعثرة على مد البصر مؤلماً، يمزق القلب . لكنها.. وفي لحظة تجلٍ قاسية.. كانت متحدة. متلاصقة في موتها، تطفو على سطح الماء في صمت مخيف.
نظرت إليها، ثم شردت ببصري نحو اليابسة حيث تقبع مقبرة بسنادا خلف الضباب. فجأة، ذابت الحدود بين المشهدين في ذهني. بطن السمكة الأبيض المنقلب نحو السماء، هو ذاته رخامة القبر البيضاء. الضغط الذي خنق هذه الكائنات البريئة، هو ذاته ثقل التاريخ والحنين والمنفى الذي خنق أصحاب تلك القبور.
هناك في المقبرة، اختلطت الأديان والملل تحت تراب واحد. وهنا في البحر، اختلطت أرواح الأسماك في كفن الماء الواحد. كلاهما متلاصق، كلاهما صامت، وكلاهما يتجه نحو ذات الجهة.