هنيبعل والديموقراطية
————————–
ينطلق الفعل الإنساني، في جوهره، من كونه فعلاً عقلياً واعياً وهادفاً. فهو لا يصدر عن فراغ، بل عن قراءة لواقع قائم يمثل حصيلة تراكم تاريخي واجتماعي وثقافي، ومن ثم يسعى إلى التأثير في هذا الواقع وتغييره نحو ما يُنظر إليه بوصفه وضعاً أفضل أو أكثر تقدماً.
وتتحدد القيمة الأخلاقية والحضارية لأي فعل إنساني من خلال الغاية التي يتجه إليها والوسائل التي يعتمدها لتحقيقها. فالفارق بين الفعل الحضاري والفعل الهدّام لا يكمن في كونهما فعلين إراديين فحسب، بل في طبيعة المقصد الذي يحركهما والنتائج التي يفضيان إليها. ومن هنا، لا يمكن التعامل مع مفاهيم الحرية والديمقراطية باعتبارها مبرراً لإطلاق العنان لأي ممارسة أو خطاب مهما كانت طبيعته أو آثاره. فالحرية، في معناها الإنساني العميق، ترتبط بمسار ارتقاء الفرد والمجتمع، وبالقدرة على توسيع دائرة المعرفة والعدالة والكرامة الإنسانية.
أما عندما تُفصل الحرية عن هذا البعد الحضاري، فإنها قد تتحول إلى مجرد إطلاق للغرائز والمصالح الضيقة، فتغدو غطاءً للفوضى أو للعنف أو للإقصاء. وعندها تصبح حرية الأقوى أو الأكثر قدرة على فرض إرادته، لا حرية المجتمع في التقدم والتطور.
والديمقراطية، شأنها شأن الحرية، ليست وصفة جاهزة أو مفهوماً مجرداً يمكن نقله ميكانيكياً من سياق إلى آخر. إنها عملية تاريخية مستمرة ترتبط بدرجة تطور المجتمع، ومستوى المعرفة السائد فيه، وقدرته على إدارة التعددية والاختلاف ضمن إطار قانوني وأخلاقي مشترك. وهي في النهاية وسيلة لتنظيم التنافس بين الأفكار والمصالح، لا أداة لإلغاء الآخر أو نفيه.
ومن الطبيعي أن يسعى المظلومون والمهمشون إلى مقاومة الظلم الواقع عليهم، وأن يرفعوا صوتهم للمطالبة بحقوقهم والدفاع عن مصالحهم. بل إن التعبير عن المعاناة ومواجهة الاستبداد أو الفساد يمثلان حقاً مشروعاً وضرورة أخلاقية في أي مجتمع يسعى إلى الإصلاح والتقدم.
غير أن ثمة فارقاً جوهرياً بين النضال من أجل العدالة والحقوق، وبين توظيف المظالم الحقيقية لخدمة مشاريع فكرية أو سياسية تقوم على الإقصاء أو التكفير أو نفي الآخر. ففي اللحظة التي تتحول فيها المطالب العادلة إلى منصة لتمرير أفكار تستهدف التعددية وحق الاختلاف، فإن القضية تفقد جانباً مهماً من مشروعيتها الأخلاقية، وتمنح خصومها ذرائع إضافية لتبرير استمرار الظلم أو مقاومة التغيير.
وغالباً ما يُطرح الحوار بوصفه المخرج الطبيعي من الأزمات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وهو طرح صحيح من حيث المبدأ. فالحوار يبقى الوسيلة الأرقى لتخفيف التوترات وتسوية النزاعات وإدارة الاختلافات. إلا أن نجاح الحوار يفترض توافر شروط موضوعية تسبقه، وفي مقدمتها الاعتراف المتبادل بين الأطراف المتحاورة بحق كل منها في الوجود والتعبير والاختلاف.
فالحوار لا يكون حواراً بالمعنى الحقيقي عندما يرفض أحد أطرافه الاعتراف بشرعية وجود الطرف الآخر. ذلك أن النقاش العقلاني يفترض مسبقاً الإقرار بأن المختلف يمتلك الحق ذاته في التفكير والتعبير والدفاع عن قناعاته. أما إذا كان أحد الأطراف ينطلق من مسلمة مفادها أن الآخر باطل بالضرورة أو فاقد للشرعية الإنسانية أو الدينية أو الفكرية، فإن العملية برمتها تتحول إلى ممارسة شكلية لا تنتج معرفة ولا تسوية ولا تفاهم.
ولهذا السبب يمثل الفكر الإقصائي أحد أخطر التحديات التي يمكن أن تواجه أي مجتمع. فهو لا يتعامل مع الاختلاف بوصفه ظاهرة طبيعية أو فرصة للحوار، بل ينظر إليه باعتباره خطأ يجب إزالته أو تهديداً ينبغي القضاء عليه. وهو لا يناقش الأفكار بقدر ما يسعى إلى نفي أصحابها وتجريدهم من شرعية وجودهم الفكري أو الثقافي أو الاجتماعي.
وتكمن خطورة هذا النوع من التفكير في أنه لا يكتفي بإلغاء الحاضر، بل يقوض إمكانات المستقبل أيضاً. فالمجتمعات لا تتقدم إلا من خلال التفاعل بين رؤى متعددة وخبرات متنوعة، بينما يقود الإقصاء إلى الانغلاق وإعادة إنتاج الصراعات بصورة دائمة.
كما أن الفكر الإقصائي يحمل في داخله تناقضاً بنيوياً واضحاً؛ إذ إن منطق نفي الآخر لا يمكن أن يبقى محصوراً بطرف واحد. فالمبدأ الذي يُستخدم لإقصاء الآخرين يمكن أن يُستخدم لاحقاً لإقصاء أصحابه أنفسهم، لأن الإلغاء لا يعرف حدوداً ثابتة. ولهذا غالباً ما تدخل الحركات التي تقوم على هذا المنطق في صراعات داخلية متكررة حول من يملك حق تفسير الحقيقة واحتكارها.
فكيف يمكن إجراء حوار حقيقي مع من ينطلق من قناعة مسبقة بأن وجودك مؤقت أو غير مشروع لمجرد اختلافك معه في المعتقد أو الرأي أو طريقة فهم العالم؟ وكيف يمكن بناء أرضية مشتركة مع من يعتبر أن الحقيقة قد حُسمت نهائياً وأن دوره يقتصر على فرضها لا مناقشتها؟
إن الإشكالية هنا لا تتعلق بالإيمان أو العقيدة بحد ذاتهما، بل بادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة بصورة تمنح صاحبها حق الحكم على الآخرين وإقصائهم. ففي التاريخ الإنساني تعددت التفسيرات والاجتهادات والمدارس الفكرية والدينية، وكان الاختلاف بينها جزءاً من عملية التطور الفكري والحضاري. أما تحويل أحد هذه التفسيرات إلى مرجعية مغلقة وغير قابلة للنقاش، فهو ما يفتح الباب أمام الاستبداد الفكري مهما كانت الشعارات التي يرفعها أصحابه.
وبهذا المعنى، فإن الحوار مع الفكر الإقصائي يشبه الدخول إلى محكمة يكون الخصم فيها هو المشرّع والقاضي والمنفذ في آن واحد. إذ تكون الأحكام قد صدرت مسبقاً، وتكون النتيجة محسومة قبل بدء النقاش، بينما يتحول الحوار إلى مجرد محاولة لإضفاء الشرعية على قرار اتُّخذ سلفاً.
ولعل التاريخ يقدم أمثلة عديدة على المخاطر التي تنجم عن تحويل النقاشات السياسية أو الفكرية إلى حالة من الشلل والعجز عن اتخاذ القرار. وتُستحضر في هذا السياق قصة الخلافات السياسية التي شهدتها قرطاجة خلال حربها مع روما، حين أدى الصراع بين القوى المتنافسة داخل الدولة إلى إعاقة اتخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب. وبصرف النظر عن التفاصيل التاريخية الدقيقة للرواية، فإن المغزى الذي تحمله يتمثل في أن المجتمعات والدول قد تدفع ثمناً باهظاً عندما تتحول الخلافات الداخلية إلى عائق يمنعها من مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد وجودها ومصالحها.
إن الدفاع عن الحرية لا يكتمل إلا بالدفاع عن التعددية، والديمقراطية لا تستقيم إلا بالاعتراف المتبادل بين المختلفين، والحوار لا يصبح أداة لبناء المستقبل إلا عندما يقوم على قاعدة أساسية مفادها أن لكل إنسان الحق في الوجود والتعبير والاختلاف. أما حين يتحول الاختلاف إلى مبرر للإلغاء، فإن الحرية تفقد معناها، والديمقراطية تتحول إلى شعار فارغ، ويصبح الحوار مجرد غطاء لصراعات لا تهدف إلى التفاهم بقدر ما تسعى إلى فرض إرادة طرف واحد على الجميع.