هزيمة بطعم الفخر المرّ
نحن الذين نشأنا على تمجيد الحلم،
ورضعنا العصيان قبل أن نتقن الكلام،
وتعلّمنا الأبجدية من منشوراتٍ لا أسماء لها،
كنا نهفو لأي شرارة في العتمة،
نهتف للأسماء التي صارت أيقونات،
نعلّق صورهم على جدران غرفٍ ضيقة
ونظن أن الجدران قابلة للاتساع،
وأن التاريخ يمشي معنا
و لا خيار آخر لديه.
رددنا مع مظفر النواب ,بلهجتة العراقية الحزينة
«ليس بين الرصاص مسافة»،
وصدقنا محمود درويش حين قال لنا:
«هل يعرف البوليس أين ستحبل الأرض الصغيرة بالرياح المقبلة؟»
ولم يخطر ببالنا أن البوليس
قد تعلّم علم الأرصاد،
واشترى الريح،
أوأقام لها مصائد .
كبرنا…
وكبر معنا العالم،
لكنّه كبر على حسابنا.
تعلّمنا
كيف تُدار الشعوب لا بالحلم بل بالتحكّم،
كيف تُقاد الأمم لا بالأناشيد بل بالقروض،
وكيف تُكسر الأحلام
على وهج القنابل الذكية
التي تصيب الهدف بدقة
وتخطئ الضمير دائمًا.
اكتشفنا أن الثورة التي حملناها في حناجرنا
كانت بلا جيش،
وأن الحرية التي غنّينا لها
كانت بلا كفيل دولي،
وأن العدالة
لا تحضر إلا مع الأقوياء
وتغادر قبل وصول الضحايا.
لم نُهزم في معركة واحدة،
بل انهزمنا بالتقسيط:
هزيمة في نشرة الأخبار،
وأخرى في بيانٍ ختامي،
وثالثة في صورة طفلٍ بلا اسم
تمرّ سريعًا على الشاشة
ثم يقطعها إعلان
عن هاتفٍ ذكي.
وحسنًا…
أيها السيد الذي يرتّب العالم
كما تُرتَّب المائدة بعد العشاء،
نقرّ
أنك أتقنت اللعبة.
جعلت الخسارة تبدو نظامًا،
والانتظار فضيلة،
والنجاة امتيازًا.
نعترف أخيرًا
أنك هزمتنا.
هزمت أناشيدنا،
وأرهقت حناجرنا،
وأقنعت التاريخ أن يقف في صفّك
بابتسامة المنتصر الأخلاقي.
وإن كان لنا
أن نطلب شيئًا واحدًا فقط،
مقابل تسليمك صكّ الهزيمة
مختومًا بخيباتنا القديمة،
فهو أن تترك لنا فسحة…
رقعة صغيرة خارج خرائطك،
نختبئ فيها من انتصاراتك المتلاحقة،
نلملم فيها بقايا أغنياتنا المكسورة،
ونقنع أطفالنا أن العالم لم يكن دائمًا
بهذه القسوة المنظّمة.
نجترّ أغانينا العتيقة بلا خجل،
نشرب نخب الحرية في كؤوسٍ مكسورة،
ونركض حفاةً، عراةً،
لا لأننا نحب الألم،
بل لأن الأرض هناك
لم تتعلّم بعد
كيف تُدين الأقدام.
هناك فقط،
سنغنّي مواويلنا القديمة
لا لنحرّر العالم — اطمئن —
بل لنقنع أنفسنا أننا كنّا يومًا
نحلم بصدق.
نطلب فقط
أن ترفع قدمك قليلًا عن صدورنا،
لا كي ننهض،
بل كي نلتقط أنفاسنا الأخيرة بكرامة.
فإن كانت هذه هي الحضارة التي انتصرت،
فنحن — بكل فخرٍ مُرّ —
المنهزمون الذين ما زالوا
يعرفون معنى الخسارة…
وهذا، في زمنك،
أقصى ما تبقّى من الإنسانية.