الحكومة المختبئة والشعب المكشوف
من أولى مهمات ومسؤوليات الحكومات الانتقالية والمؤقتة أن تضمن السلم الأهلي وتحافظ عليه بوصفه الركيزة الأساسية لأي استقرار سياسي أو اجتماعي. فوجود هذه الحكومات لا يكتسب شرعيته فقط من كونه مرحلة عابرة، بل من قدرتها على حماية المجتمع ومنع انزلاقه نحو الفوضى والعنف. وحين تفشل في أداء هذا الدور، فإنها لا تخفق في مهمة جزئية فحسب، بل تنتهك مبرر وجودها دفعة واحدة.
إن الحوادث التي يشهدها المجتمع في مناطق متعددة، والتي تتسم باعتداءات عنيفة ومتكررة، تعكس حالة من الانكشاف المجتمعي المقلق. وما حدث في مدينة السقيلبية من اجتياح لعناصر مسلحة، مارست العنف والسرقة، ليس سوى مثال صارخ على نمط بات يتكرر من منطقة إلى أخرى، مع اختلاف في الشكل والحجم، لكنه يتشابه في الجوهر والنتائج.
المجتمع الأهلي اليوم يبدو مكشوفًا أمام أي اعتداء، بلا حماية حقيقية أو ردع فعّال. ولم يعد من المجدي البحث طويلًا في الأسباب المباشرة لكل حادثة، إذ يكفي أن يتحرش عنصر ما بإحدى الفتيات حتى تتطور الأمور سريعًا، وعندما يحاول الأهالي الدفاع عن أنفسهم، يتحول المشهد إلى ما يشبه “غزوة” أو “فزعة”، تتبعها سلسلة من الأحداث التي أصبحت مألوفة ومؤلمة في آن واحد للشارع السوري.
وعند البحث عن دور الحكومة أو الأجهزة الأمنية المسؤولة، يتكرر الجواب ذاته: “تم توقيف المسيئين وضبط الوضع”. لكن هذا الرد، رغم تكراره، لا يترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض. فلا توجد شفافية في عرض النتائج، ولا خطوات واضحة لمنع تكرار الانتهاكات، بل تتراكم الملفات فوق بعضها البعض دون حل حقيقي، ودون مساءلة أو محاسبة، ودون وجود إجراءات رادعة تعيد الثقة للمجتمع.
هذا الواقع يثير تساؤلات عميقة حول دور السلطة وحدود مسؤوليتها. هل هو عجز حقيقي عن السيطرة؟ أم أن هناك تغاضيًا متعمدًا عن هذه الممارسات؟ بل هل يمكن أن يصل الأمر إلى حد استخدام هذه الفوضى كأداة غير مباشرة لإبقاء المجتمع في حالة خوف دائم؟
إن استمرار هذا النمط يضع المجتمع الأهلي في دائرة تهديد مستمر، ويجعله منشغلًا بالبحث عن الأمان بدل التفكير في حقوقه المعيشية أو مطالبه السياسية. وهو ما يؤدي إلى حالة من الشلل الاجتماعي، حيث تصبح الأولوية للبقاء لا للتغيير، وللخوف لا للمساءلة.
لكن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر جسيمة، إذ إن إبقاء المجتمع في حالة توتر دائم يفتح الباب أمام احتمالات صدام غير محسوبة، قد تتوسع وتخرج عن السيطرة. وعندما تصل أي سلطة إلى هذا المستوى من الإخفاق أو التواطؤ، فإنها لا تضعف فقط، بل تضع المجتمع بأكمله على حافة الانهيار.
إن استعادة السلم الأهلي لا تحتاج إلى بيانات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية، وإجراءات شفافة، ومحاسبة واضحة لكل من يتجاوز القانون. فالدولة التي تختبئ خلف شعاراتها، وتترك شعبها مكشوفًا، لا يمكنها أن تبني استقرارًا، ولا أن تحافظ على مبرر وجودها في نظر مواطنيها.