سوريا ما بعد 2024: سيناريوهات الفراغ، التقسيم الوظيفي، والهاجس الإيراني
شكّل عام 2024 نقطة “الكسر المعرفي” النهائية في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فسقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لم يعد سيناريو افتراضياً تدارسه مراكز الأبحاث، بل أصبح واقعاً جيوسياسياً تفرض إسرائيل عليه قراءاتها. يهدف هذا الفصل إلى تحليل “أدبيات ما بعد السقوط”، والكشف عن كيفية محاولة النخبة الإسرائيلية إعادة بناء إطارها المفاهيمي للتعامل مع سوريا. سنركز هنا على ثلاثة مفاهيم مهيمنة في الإنتاج الفكري الإسرائيلي الحالي (2024-2026): إدارة الفراغ، عقيدة “التقسيم الوظيفي”، وتحول الهوس الإيراني من “تمركز تحت غطاء سيادي” إلى “تمركز تمردّي”.
المحور الأول: من “إدارة الصراع” إلى “إدارة الفوضى”
قبل 2024، كانت العقيدة الإسرائيلية تقوم على “إدارة الصراع” مع دولة معروفة المعالم. أما الأدبيات الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومركز موشيه ديان بعد السقوط، فتكشف عن تحول قسري نحو ما يسميه الباحثون الإسرائيليون بـ “إدارة الفوضى” أو “احتواء الفراغ” .
تظهر الدراسات الحديثة انقساماً جديداً:
تيار “الفرصة الاستراتيجية”: ويرى (وغالباً ما يمثله معهد بيغن-السادات BESA) أن انهيار الدولة المركزية هو “الهدية الاستراتيجية” لإسرائيل، لأنه يلغي بشكل نهائي خطر الجبهة السورية التقليدية، ويفتح الباب أمام تعاون أمني مباشر مع قوى محلية جديدة في الجنوب السوري.
تيار “رهاب الصوملة”: ويرى (ويمثله غالباً ضباط استخبارات سابقون في كتابات INSS) أن الفراغ الأمني سيؤدي حتماً إلى ظهور تنظيمات جهادية عابرة للحدود، مما يجعل الجولان “بركاناً خامداً” قابلاً للانفجار في أي لحظة.
تكشف هذه الأدبيات عن تناقض جوهري: إسرائيل تريد “فراغاً” يضعف أعداءها التقليديين، لكنها في الوقت نفسه “ترهب” هذا الفراغ لأنه يخرج عن سيطرتها. لذا، تحاول الأدبيات تبرير التحول من “عدم التدخل” إلى “التدخل الجراحي المحدود” كأداة وحيدة لإدارة هذا التناقض. وقد تجسد هذا التحول عملياً في تنفيذ إسرائيل ما يقرب من 500 غارة جوية على سوريا بعد سقوط الأسد، وإنشاء مناطق عازلة موسعة في الجنوب السوري، مما يعكس الانتقال من الموقف النظري إلى التطبيق الميداني لهذه المقاربة.
المحور الثاني: عقيدة “التقسيم الوظيفي” كبديل للدولة الموحدة
أبرز ما أنتجته الأدبيات الإسرائيلية بعد 2024 هو الترويج الضمني والصريح لمفهوم “التقسيم الوظيفي” لسوريا. هذا المفهوم، الذي طوره مفكرون إسرائيليون مثل أودي عرن (Oded Eran) – الدبلوماسي الإسرائيلي السابق – وغدي آيزنكوت (Gadi Eisenkot) – رئيس الأركان السابق (2015-2019) الذي طور عقيدة “المعركة بين الحروب” – في سنوات سابقة، أصبح الآن “خارطة طريق” في العديد من أوراق السياسات . وفي تموز/يوليو 2025، أفادت تقارير أن إسرائيل تعمل بالفعل على خطة مفصلة لتقسيم سوريا إلى “كانتونات” عرقية ووظيفية.
لا يدعو هذا المفهوم بالضرورة إلى “رسم حدود جديدة” على الخرائط (تجنباً للإدانة الدولية)، بل يدعو إلى خلق “وقائع على الأرض” تقسم سوريا إلى مناطق نفوذ:
- منطقة نفوذ إسرائيلية/محلية في الجنوب: لضمان أمن الجولان ومنع أي تمركز معادٍ. وقد سيطرت إسرائيل فعلياً على مئات الأميال المربعة الإضافية من الأراضي السورية، وأنشأت مناطق نفوذ تمتد لعشرات الكيلومترات داخل سوريا.
- مناطق حكم ذاتي للأقليات: (مثل الدروز والأكراد) يتم دعمها كـ “حلفاء طبيعيين” لإسرائيل، على غرار نموذج “عقيدة الأطراف” القديم.
- مناطق نفوذ تركية وإيرانية متصارعة في الشمال والشرق: لإبقاء هذه القوى مشغولة ببعضها البعض، مما يخفف الضغط عن الجبهة الإسرائيلية.
يمثل “التقسيم الوظيفي” ذروة “الأنانية الاستراتيجية” الإسرائيلية. فالأدبيات تتعامل مع سوريا ليس ككيان ذي سيادة يجب احترام وحدته، بل كـ “كيان جيوسياسي” قابل للتجزئة الوظيفية لخدمة الأمن الإسرائيلي، متجاهلة تماماً أن هذا النهج هو ما يغذي الحروب الأهلية ويمنع أي استقرار حقيقي في المنطقة.
المحور الثالث: تحول “الهاجس الإيراني”: من التمركز عبر الدولة إلى “التمركز التمردّي”
رغم سقوط النظام الحليف لطهران، لم يختفِ الهوس الإيراني من الأدبيات الإسرائيلية، بل “تطور” شكلياً. تشير تقارير معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) والأدبيات الأمنية الإسرائيلية إلى أن إيران، بعد خسارتها “الدولة الحاضنة”، ستنتقل إلى استراتيجية “التمركز التمردّي” .
تفترض هذه الأدبيات أن إيران ستعمل على:
- تفعيل “خلايا نائمة” وشبكات ميليشياوية محلية لا ترتبط مباشرة بدولة، مما يجعل استهدافها جواً أكثر صعوبة من الناحية القانونية والسياسية.
- استخدام الفوضى في سوريا كـ “سوق سوداء” لتهريب الأسلحة المتطورة (مثل الصواريخ الدقيقة) إلى حزب الله أو فصائل في الضفة الغربية.
القراءة النقدية: هذا التحليل، رغم منطقه الأمني، يُستخدم غالباً كـ “ذريعة استباقية” لتوسيع نطاق الضربات الإسرائيلية داخل العمق السوري، وتبرير أي تصعيد مستقبلي تحت غطاء “منع إيران من العودة”، حتى لو كان الوجود الإيراني الفعلي قد تضاءل بشكل كبير بعد 2024.
المحور الرابع: الجولان في المعادلة الجديدة: من “منطقة عازلة” إلى “منطلق استراتيجي”
تعيد الأدبيات الإسرائيلية المعاصرة تعريف هضبة الجولان. فبدلاً من كونها مجرد “منطقة عازلة” تفصل بين جيشين نظاميين، أصبحت تُوصف في وثائق التخطيط الاستراتيجي بـ “المنطلق الاستراتيجي المتقدم” .
تشير الدراسات إلى أن إسرائيل تسعى لتحويل الجولان ومنطقتي “أعالي الجولان” و”القنيطرة” إلى فضاء للنفوذ المباشر، يشمل الدعم اللوجستي، والاستخباراتي، وحتى الاقتصادي للفصائل المحلية الموالية، لخلق “حزام أمني” يمتد لعشرات الكيلومترات داخل الأراضي السورية. وقد تجسد هذا التوجه عملياً في موافقة الحكومة الإسرائيلية عام 2025 على خطة خمسية بقيمة مليار شيكل لتطوير الجولان، بهدف إحضار آلاف العائلات الجديدة وإنشاء أول مدينة إسرائيلية في المنطقة، مما يعكس تحولاً من الموقف الدفاعي إلى استراتيجية التوسع الاستيطاني والسيطرة الاستراتيجية.
خاتمة الفصل
تؤكد أدبيات ما بعد 2024 أن العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، رغم صدمته الأولية، يحاول بسرعة “أَسْرَعة”واقع السقوط لخدمة أهدافه. غير أن هذه الأدبيات تظل أسيرة “البارادايم الأمني”؛ فهي ترى في سوريا “مسرح عمليات” يجب تطويعه، وليست “وطناً” يمر بمرحلة انتقالية معقدة.
الخاتمة العامة للدراسة
انطلقت هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الأدبيات الإسرائيلية حول سوريا، وخاصة تلك التي تناولت مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، لا تعكس بالضرورة فهماً موضوعياً للواقع السوري، بل تعمل كـ “مرآة مشوّهة” تعكس الهواجس، والتحولات، و”نقاط العمى” في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. ومن خلال تتبع هذا الإنتاج الفكري من عام 2011 وحتى عام 2026، توصلت الدراسة إلى الاستنتاجات الرئيسية التالية:
1. من “العدو القابل للتنبؤ” إلى “الفراغ غير القابل للإدارة”: نجحت إسرائيل لعقود في بناء معادلة استقرار هشّة مع نظام الأسد. لكن الأدبيات تكشف أن المؤسسة الإسرائيلية كانت ضحية “وهم الاستقرار” هذا، مما جعلها غير مهيأة إبستمولوجياً وسياسياً لإدارة تداعيات انهيار الدولة، فانتقلت من “إدارة الصراع” إلى “إدارة الفوضى” بردود فعل تكتيكية تفتقر لرؤية استراتيجية شاملة.
2. هيمنة “البارادايم الأمني” على المعرفة: أظهرت الدراسة أن الفجوة بين “المعرفة الأكاديمية” و”التحليل الاستخباراتي” في إسرائيل تكاد تكون منعدمة. فحتى أكثر الدراسات رصانة تظل محكومة بـ “الأنانية الاستراتيجية”، حيث تُقاس الأحداث السورية حصرياً بمقياس: “كيف تؤثر على أمن إسرائيل ومواجهة إيران؟”، مع إقصاء متعمد لكل العوامل الأخرى وللديناميكيات الاجتماعية والسياسية الداخلية السورية كمتغيرات مستقلة.
3. عقيدة “التقسيم الوظيفي” كحل بديل: في غياب القدرة على تشكيل دولة سورية موحدة وصديقة، تتجه الأدبيات الإسرائيلية المعاصرة بشكل متزايد نحو ترسيخ “التقسيم الوظيفي” كاستراتيجية واقعية. وهي استراتيجية لا تهدف بالضرورة إلى تغيير الخرائط رسمياً، بل إلى هندسة وقائع على الأرض تضمن تبعية أجزاء من الجنوب السوري للأمن الإسرائيلي، وإبقاء الشمال ساحة لصراعات إقليمية تشتت الأعداء.
4. استمرار “الشبح الإيراني” كمبرر للتدخل: رغم التحولات الجذرية، يظل “الهاجس الإيراني” هو المحرك المركزي والأكثر مرونة في الأدبيات الإسرائيلية. وقد تطور هذا الخطاب من التحذير من “التمركز الدولتي” إلى التحذير من “التمركز التمردّي”، مما يوفر لإسرائيل غطاءً أيديولوجياً وأمنياً لاستمرار “حرب الظل” وتوسيع نطاق عملياتها في العمق السوري بغض النظر عن طبيعة النظام الجديد.
انتهى
مراكز الأبحاث الإسرائيلية التي اعتمدت الدراسة على تحليلاتها ومعلوماتها:
- INSS: https://www.inss.org.il/ www.inss.org.il
- BESA Center: https://besacenter.org/ besacenter.org
- Moshe Dayan Center: https://dayan.org/ dayan.org
- Tel Aviv University – CRIS: https://cris.tau.ac.il/ cris.tau.ac.il
- Bar-Ilan University – CRIS: https://cris.biu.ac.il/ cris.biu.ac.il