لعنة إضاعة الفرص !
حين نقرأ التاريخ السوري الحديث، لا سيما مرحلة ما بعد الاستقلال وصولاً إلى اليوم، نصاب بما يشبه “الدوار التاريخي”. فنحن أمام بلد يبدو وكأن لعنة تلاحقه؛ كلما لاحت في الأفق فرصة ذهبية لبناء دولة حديثة، عادلة، ومؤسسية، إلا وسارع من بيدهم الأمر إلى تبديدها أو وأدها في مهده.
ولسنا هنا بصدد إعادة محاكمة عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، والذي بات يختصر اليوم بأنه عهد ديكتاتوري قمعي، تلطخت يداه بدماء مجزرة حماة عام 1982، وسجن آلاف السوريين لمجرد “الرأي” والموقف. وهذا حقيقي ولكنه ليس الصورة الكاملة ونريد مقاربة الأمر من زاوية أعمق: لماذا فشلت سوريا مراراً وتكراراً في بناء دولة مؤسسات؟ وكيف أُضيّعت الفرص؟
السبعينيات: وهم النهضة وبداية الانزلاق
بالعودة إلى مرحلة السبعينيات، توفرت لسوريا فرصة تاريخية نادرة. فقد عاشت البلاد عقب حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 حالة من النشوة الوطنية الجامعة. بغض النظر عن القراءة التفصيلية للنتائج العسكرية، فقد كسرت الحرب تلك العقدة النفسية العميقة؛ فكرة أن العربي “غير قادر” على المبادرة والتخطيط وتنفيذ عمل عسكري ضخم ومنهجي. لقد استعاد السوريون والعرب شيئاً من عزتهم وكرامتهم.
ترافق ذلك مع طفرة مالية غير مسبوقة، تمثلت في الدعم العربي الضخم لتعويض آثار الحرب. وبدت سوريا وكأنها على أعتاب نهضة حقيقية؛ فبدأت مشاريع البنى التحتية الضخمة: مشاريع الكهرباء، شق الطرق، مصفاة بانياس، استكمال سد الفرات، ومعامل الورق في دير الزور، والإطارات في حماة، ومعامل السكر، والكونسروة، والغزل والنسيج.
ولم يكن الازدهار مادياً فحسب، بل رافقته “هبة ثقافية” وحريات معقولة نسبياً في الصحافة والمجتمع، تجلت في “الملحق الثقافي لصحيفة الثورة” الذي كان يتسع لأقلام من طراز أدونيس، حنا مينة، غادة السمان،وليد إخلاصي,سعد الله ونوس، ومحمد الماغوط، وكمال أبو ديب ,شوقي بغدادي ومصطفى الحلاج ، وغيرهم. كانت سوريا تبدو وكأنها تتجه نحو بناء “دولة رفاه ومؤسسات”.
الفخ الإقليمي ودولة الأمن
لكن هذه النشوة لم تدم طويلاً. بدأت مرحلة النكوص والدخول في النفق المظلم مع التدخل العسكري السوري في لبنان (والذي جاء في إطار هندسة كيسنجر للمنطقة وتوافقاً مع مصالح أمريكية وإسرائيلية في تلك اللحظة). تبع ذلك توقيع معاهدة كامب ديفيد للسلام المصرية-الإسرائيلية، مما أدخل سوريا في عزلة إقليمية وصراعات محاور جديدة.
داخلياً، دخلت البلاد في صراعات دموية مع حركات الإسلام السياسي، انتهت بمجزرة حماة 1982. ومن رحم هذا العنف والدم، وُلدت دولة الأمن التي طغت على كل شيء. بسبب العقوبات الغربية، وهاجس البقاء والأمن الذي سيطر على عقلية الحاكم، تم تجميد المجتمع، وإهمال الجوانب التنموية والمؤسسية، وتحويل الدولة إلى ثكنة أمنية تخدم بقاء النظام على حساب تطور البلد. لقد أُضيّعت فرصة السبعينيات لأن النظام فضل “الأمن الشامل” على “المؤسسة الشاملة”.
سقوط الأسد: فرصة جديدة أم لعنة جديدة؟
بعد 15 سنة حرب وما سبقها ورافقها من الاستبداد والدمار، أتت لحظة الحسم بسقوط نظام بشار الأسد بكل ما مثله من سوء إدارة وعنف ودموية. ومرة أخرى، توفرت للمجموعة التي تصدرت المشهد في سوريا (في مرحلة ما بعد السقوط) دعم عربي وغربي غير مسبوق واستثنائي، ورغبة دولية في تعويم المجموعة الحاكمة للعبور بسوريا إلى مكان آمن.
لكن المفارقة الكبرى والموجعة هنا تكمن في الحدث التأسيسي:
في السبعينيات، بدأت سوريا عهدها بـ إجماع وطني نادر (حرب تشرين) كحدث تأسيسي يوحد ويمنح شعوراً بالعزة.
أما اليوم ، فقد بدأت سوريا عهدها الجديد بانقسام وطني عميق، وصدوع لا يمكن إخفاؤها، نتيجة الانتهاكات وأحداث المجازر ، والدمار الذي لحق بنسيج المجتمع كحدث تأسيسي مؤلم. بناء دولة على أساس “الصدمة والانقسام” أصعب بمراحل من بنائها على أساس “النشوة والانتصار”.
هل أُضيّعت الفرصة الجديدة أيضاً؟
وهنا نطرح الأسئلة الجوهرية التي تحدد مصير سوريا اليوم:
- كيف استثمرت المجموعة الحاكمة الجديدة هذا الدعم الكبير؟
للأسف، تشير المؤشرات على الأرض إلى أن جزءاً كبيراً من هذا الدعم الدولي والعربي تم توظيفه في إدارة بروبغندا دعائية وترقيع الأزمات اليومية، وإرضاء شبكات المحسوبية، وبناءأذرع أمنية جديدة تحت مسميات “حفظ النظام”، بدلاً من تفكيك بنية الدولة الأمنية وإعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية لتكون خادمة للشعب لا حارسة للنظام. - هل لازال هناك فسحة أمل في ظهور مشروعها وفكرتها؟
الفسحة موجودة لكنها تتقلص يوماً بعد يوم. الشعب الذي ثار وضحى بعشرات الآلاف من أجل “الحرية والكرامة والعدالة” يشعر اليوم بخيبة أمل جديدة. المجموعة الحاكمة تبدو منشغلة بالصراعات والمكاسب الاقتصادية السريعة، وتفتقر إلى عقد اجتماعي جديد يجمع السوريين المنقسمين. - هل بُذل جهد في الإطار المؤسسي والقانوني والتنموي؟
هنا تكمن المأساة الحقيقية. حتى اللحظة، لا يزال الإطار المؤسسي هشا؛ القوة لا تزال تخضع لتجاذبات الفصائل والقوى المسيطرة. المشاريع التنموية الكبرى التي تحدثنا عنها في السبعينيات (والتي تآكلت أو دُمرت) لا تزال على الورق وستبقى بدون حوكمة وشفافية وقضاء مستقل ومشاريع قوانين لم تُنجز. التركيز لا يزال منصباً على الأمن والسياسةعلى حساب الاقتصاد والقضاء المستقل والإدارة المحلية.
خلاصة القول:
لم تدمن سوريا إضاعة الفرص بسبب عيب جيني في شعبها، بل لأن النخب التي قادت البلاد – قديمة كانت أم جديدة – تقع دائماً في فخ التفكير الأمني والقصير المدى, وتنحو لمراضاة الخارج لتثبيت دعائمها.
في السبعينيات، ضُيّعت الفرصة لأن الحاكم خاف على كرسيه فبنى دولة أمنية. واليوم، نخشى أن تُضاع الفرصة لأن القائمين على المرحلة الانتقالية يفتقرون إلى الرؤية الجامعة،وفكرة الدولة المؤسسية العادلة.
الوقت ليس في صالح سوريا. الدعم الدولي والعربي لن يستمر إلى الأبد، وذاكرة الشعوب لا تُرشى. إذا لم تستطع المجموعة الحاكمة الحالية، رغم كل الانقسامات والدماء، أن تبني دولة مؤسسات وقانون وعدالة خلال الفترة القليلة القادمة، فإن التاريخ سيذكرهم ليس كـ “محررين”، بل كـحلقة جديدة في سلسلة مضيعي الفرص، وسيكونون قد قادوا الجيل القادم إلى دورة جديدة من اليأس والثورات.