(ميكرو) ثورة !
في إحدى الأمسيات الصيفية، وعلى مرتفع يطل على مدينة أثقلتها عقود من النمو العشوائي وضعف التخطيط العمراني، اجتمع عدد من الأصدقاء الذين فرقتهم الهجرة والعمل وأعادتهم الظروف إلى المكان الذي انطلقوا منه. كان اللقاء مناسبة لاستعادة سيرة جيل كامل عاش تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، وللتأمل في ما كانت تشهده سوريا من أحداث متسارعة منذ بدايات عام 2011.
جاء بعضهم من بلدان الاغتراب لقضاء إجازاتهم السنوية، بينما اختار آخرون العودة براً متحدين الصورة التي كانت وسائل الإعلام تنقلها عن سوريا بوصفها بلداً يعيش حالة من الفوضى وانعدام الأمن. وبين من غادر البلاد بحثاً عن فرصة عمل، ومن بقي فيها محاولاً التكيف مع واقعها، ومن اختار مواجهة الظروف دون أن يحقق ما كان يطمح إليه، بدا أن الجميع يحملون قصة مشتركة عنوانها ضيق الخيارات وتراجع فرص الحياة الكريمة.
كان الشعور السائد بين الحاضرين أن المدينة، كما كثير من المدن السورية، فقدت خلال العقود الماضية جزءاً كبيراً من نخبتها الثقافية والمهنية. فقد دفعت الظروف الاقتصادية والسياسية أعداداً كبيرة من أصحاب الكفاءات إلى الهجرة أو الانكفاء، بينما توسع نفوذ شبكات المصالح والمنتفعين على حساب الكفاءة والخبرة. ولم يكن هذا الواقع محصوراً بمدينة بعينها، بل شكّل ظاهرة عامة انعكست على مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.
استعاد الحاضرون أسماء شخصيات ثقافية وفكرية دفعت أثماناً باهظة بسبب مواقفها أو أفكارها المختلفة، كما استذكروا تجاربهم الشخصية في الهجرة والعمل خارج البلاد. فالكثير منهم لم يغادر بدافع الطموح فقط، بل نتيجة شعور متزايد بانسداد الأفق وضعف فرص التقدم المهني والاجتماعي داخل الوطن. وبذلك تحولت الهجرة من خيار فردي إلى ظاهرة اجتماعية واسعة عكست اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد والإدارة.
وخلال النقاش برزت مجموعة من الشهادات اليومية التي تعكس طبيعة العلاقة بين المواطنين والمؤسسات العامة. فقد تحدث بعضهم عن الفساد الإداري والابتزاز الصغير الذي يواجهه أصحاب المهن البسيطة، وعن المشكلات المرتبطة بالخدمات العامة وآليات الجباية والرقابة، وعن شعور متراكم بالظلم ناجم عن سوء الإدارة أكثر مما هو ناجم عن القوانين نفسها. وكانت القناعة السائدة أن كثيراً من هذه المشكلات كانت قابلة للحل لو توفرت الإرادة المؤسسية الجدية لمعالجتها.
وفي سياق الحديث عن الاحتجاجات التي شهدتها بعض المدن السورية، أشار عدد من المشاركين إلى أنهم حاولوا خلال الأشهر الأولى المساهمة في تهدئة الأوضاع ومنع الانزلاق نحو العنف. فقد كان الاعتقاد سائداً لدى كثيرين أن المطالب المعيشية والإصلاحية يمكن التعامل معها عبر الحوار والمعالجة التدريجية، وأن الحفاظ على السلم الأهلي يجب أن يكون أولوية للجميع.
إلا أن تطور الأحداث كشف، عن دخول أطراف وقوى مختلفة إلى المشهد، بعضها كان يحمل مطالب حقيقية ومشروعة، وبعضها الآخر اتجه نحو التصعيد واستخدام أدوات أكثر حدة. ومع مرور الوقت تراجعت مساحة التأثير التي كانت تمتلكها الشخصيات الاجتماعية والدينية المعتدلة، وبرزت تيارات أكثر تشدداً وقدرة على التعبئة والحشد.
ويشير أصحاب هذه القراءة إلى أن عدداً من الذين شاركوا في الاحتجاجات الأولى بدوا أقل حماساً للاستمرار عندما بدأت مظاهر العنف والخطاب الطائفي بالظهور. فبالنسبة لهؤلاء كانت القضية الأساسية مرتبطة بالإصلاح وتحسين الأوضاع المعيشية ومكافحة الفساد، لا بالدخول في صراعات أهلية أو انقسامات مجتمعية.
ويمثل هذا النموذج المحلي،صورة مصغرة عن أزمة أوسع كانت تتشكل على مستوى الدولة بأكملها. فقد كشفت الأحداث حجم التراجع الذي أصاب المؤسسات الوسيطة بين الدولة والمجتمع نتيجة عقود من التضييق وإضعاف الحياة العامة. إذ أصبح من الصعب وجود قوى مدنية منظمة وقادرة على تمثيل المجتمع أو لعب دور الوسيط بين السلطة والشارع، الأمر الذي جعل إدارة الأزمة أكثر تعقيداً.
كما أظهرت الأزمة حجم الاختلالات الاقتصادية المتراكمة. فقد عانت قطاعات إنتاجية عديدة من التراجع، سواء في الصناعة الصغيرة والمتوسطة أو في الزراعة التي شهدت خلال سنوات طويلة تراجعاً في مساهمتها الاقتصادية وارتفاعاً في كلفة الإنتاج وضعفاً في سياسات الدعم والتسويق. وفي الوقت ذاته، اتسعت الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد الريعي القائم على الامتيازات والعلاقات والنفوذ.
وعلى المستوى الاجتماعي، تراجعت جودة الخدمات العامة في مجالات التعليم والصحة، وضعفت فاعلية المؤسسات المهنية والنقابية في تمثيل مصالح أعضائها، بينما أصبحت بعض المواقع الإدارية والخدمية خاضعة لمنطق الولاءات الشخصية والمصالح الضيقة أكثر من خضوعها لمعايير الكفاءة والتمثيل الحقيقي.
أما الإدارة المحلية، فقد عانت هي الأخرى من مشكلات بنيوية تمثلت في ضعف المشاركة المجتمعية، وغياب التخطيط طويل الأجل، وانتشار المخالفات والتجاوزات التي تحولت في كثير من الأحيان إلى مصادر دخل غير رسمية لفئات مختلفة. كما تراجعت الثقة بالقضاء ومؤسسات الرقابة نتيجة بطء الإجراءات وضعف الفاعلية في مواجهة الفساد.
وأدى تراكم هذه المشكلات إلى نشوء حالة يمكن وصفها بالتناقض المؤسسي؛ حيث توجد مؤسسات رسمية وهياكل إدارية واسعة، لكنها تعاني من ضعف الفاعلية والقدرة على تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. وبدلاً من أن تصبح المؤسسات أدوات للتنمية والإدارة الرشيدة، تحولت في كثير من الأحيان إلى أطر شكلية تدار وفق شبكات من المصالح والعلاقات الشخصية.
وعندما اندلعت الاحتجاجات، وجدت الدولة نفسها أمام أزمة لم تمتلك الأدوات الكافية للتعامل معها. فالقنوات الطبيعية للتواصل مع المجتمع كانت ضعيفة أو معطلة، والمؤسسات الوسيطة التي كان يمكن أن تلعب دوراً في الاحتواء والحوار كانت شبه غائبة، ما جعل الأزمة تتطور بوتيرة أسرع من قدرة النظام الإداري والسياسي على استيعابها.
ومن هذا المنظور،أن ما جرى في سوريا لم يكن ظاهرة أحادية البعد. فقد اجتمعت فيه عناصر متعددة؛ منها الاحتجاج على التهميش الاقتصادي والاجتماعي، ومنها رفض الفساد وضعف الإدارة، ومنها تعبير قطاعات واسعة من الشباب عن فقدان الأمل بالمستقبل. وهذه العناصر جميعها كانت تحمل في جوهرها إمكانات إيجابية لو تم التعامل معها ضمن مشروع إصلاحي وطني شامل.
في المقابل، برزت أيضاً اتجاهات أخرى اتسمت بالنزعات الطائفية أو بالعنف أو بالارتهان لحسابات خارجية، وهو ما جعل المشهد أكثر تعقيداً. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لم يكن في رفض الحراك أو قبوله بصورة مطلقة، بل في التمييز بين عناصره الإصلاحية وبين الممارسات التي يمكن أن تدفع البلاد نحو الانقسام والفوضى.
إن نجاح أي عملية تغيير يتطلب توافر شروط موضوعية تضمن استقلال القرار الوطني وتحول الإصلاح إلى مشروع بناء لا إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمات. فالتغيير الذي يفقد استقلاليته أو يتحول إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية يفقد جزءاً كبيراً من قدرته على تحقيق أهدافه الأصلية.
وفي الحالة السورية، اعتبر كثيرون أن بقاء بعض المؤسسات الأساسية متماسكة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، إضافة إلى استمرار جزء مهم من رأس المال الوطني داخل البلاد، شكّل عاملاً رئيسياً في منع انهيار الدولة بصورة كاملة خلال المراحل الأولى من الأزمة. ومن هنا برزت الحاجة، وفق هذه الرؤية، إلى إيجاد معادلة تجمع بين الإصلاح الداخلي والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع التدخلات الخارجية من التحكم بمسار الأحداث.
كما كشفت الأزمة عن ظواهر اجتماعية وثقافية عميقة تتجاوز السياسة المباشرة. فقد برز تأثير الشائعات والخطابات التعبوية بصورة غير مسبوقة، بينما بدا تأثير النخب الثقافية والفكرية محدوداً مقارنة بقدرة الخطابات العاطفية والدينية المتشددة على الحشد والتأثير. وأظهرت الأحداث أيضاً حجم الفجوة بين المثقف والشارع، وبين الخطاب العقلاني والاتجاهات الغريزية التي تزداد قوة في أوقات الأزمات.
وهكذا لم تكن الأزمة السورية مجرد مواجهة سياسية بين سلطة ومعارضة، بل لحظة تاريخية كشفت عن تراكم طويل من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والثقافية. كما أظهرت حجم الحاجة إلى مشروع وطني قادر على الجمع بين الإصلاح والاستقرار، وبين التغيير والحفاظ على وحدة الدولة، وبين معالجة المظالم الداخلية وصون الاستقلال الوطني.
لقد كانت الأحداث مناسبة لاكتشاف الكثير من نقاط الضعف الكامنة في المجتمع والدولة معاً، لكنها كانت أيضاً فرصة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل سوريا وشروط نهضتها وإمكان بناء عقد اجتماعي جديد أكثر عدالة وكفاءة وقدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.