ماذا جاء قبل الانفجار الكبير؟

 ربما نتجت انفجارات الأشعة الراديوية الحارقة، والتي رُصدت قبل عقد من الزمن، من ارتداد Bouncing ثقوب سوداء، وهذا يقترح بدوره أنّ كوناً ما وُجد قبل كوننا.  

بقلم: دانيل كوسينس Daniel Cossins

لقد اختفى بسرعة كبيرة عند ظهوره تقريباً، ولذلك ليس من المستغرب عدم رصدنا له. وفي عام 2007 فقط، أي بعد ست سنوات على الحدث، تمكن دوسان لوريمير Duncan Lorimer من جامعة ساوث ويست فرجينيا West Virginia University وطالبه دايفيد ناركيفيتش David Narkevic من رؤيته. فحينما كانا يُجريان مسحاً لأرشيف البيانات القادمة من تليسكوب باركيز الراديوي في نيو ساوث ويلز بأستراليا، لاحظ الباحثان انفجاراً للموجات الراديوية بقوة لا يمكن تصورها. فذلك الانفجار الذي استمر لمدة تقل عن 5 ميلي-ثانية، صدم الأرض في 24 يوليو من عام 2001 وأطلق مقداراً من الطاقة يُعادل ذلك الذي تنتجه الشمس خلال خمسة أيام.

ومنذ ذلك الحين التقطنا ما يقارب من 30 اشتعالاً راديوياً سريعا Fast radio bursts مشابهاً لذلك (اختصارا: التدفقات FRBs)، ولا يوجد أي إجماع على الإطلاق لأسباب تلك الاشتعالات. كما أن التوقعات تتغير من تصادم النجوم النيوترونية وصولاً إلى المركبات الفضائية الخارجية. ولكن، فإن التفسير الأكثر قبولاً، فهو جميل جداً وفي الوقت نفسه لا يُمكن استبعاده بالكامل، هو أن مصدر تلك الاشتعالات ناجم عن ارتداد ثقوب سوداء. وإذا ما تَمَّ الأخذ بهذه الفرضية، فذلك يعني أن الكون نفسه ربما لم يبدأ بحدث انفجار كبير.

“تتزايد الأدلة التي تُشير إلى أن الانفجار الكبير ربما لم يكن البداية!”

يكمن في قلب هذه الفكرة الثورية الأحداث المنفردة Singularities، وهي ظواهر تنتج من النسبية العامة لآينشتاين. تشرح هذه النظرية كيفية ظهور الجاذبية عبر انحناء الزمكان، ومن ثم كيفية تطور الكون بأكمله. تحصل الأحداث المنفردة عندما تتوقف معادلات النسبية العامة عن كونها منطقية؛ لأن الكتلة تكون كثيفة إلى درجة يكون معها انحناء الزمكان لانهائياً، ويشمل ذلك أماكن كتلك الموجودة داخل الثقوب السوداء. وهنالك إجماع عام على أن التخلص من معضلة هذه الأحداث المنفردة المزعجة يكمن في إيجاد نظرية كمية للجاذبية لا يكون الزمكان داخلها عبارة عن نسيج سلس ولانهائي، وإنما عبارة عن تكتلات منفصلة Discrete chunks عن بعضها البعض.

في عام 2014، أدرك كارلو روفيلي Carlo Rovelli من جامعة اكس-مارسيليا University of Aix-Marseille في فرنسا وفرانشيسكا فيدوتو Francesca Vidotto من جامعة الباسك University of the Basque Country في أسبانيا وجود حد أعلى لمقدار جمع وضغط هذه التكتلات معاً. فعندما يصل ثقب أسود ما إلى كثافة محددة، فإن الجاذبية سيتغلب عليها الضغط الخارجي الناجم عن الزمكان Space-time نفسه، وينتج من ذلك ارتداد كمّيّ (كمومي) يتمثل بانفجار يحول الثقب الأسود إلى ثقب أبيض White hole يُطلق كل شيء استهلكه سلفه. وبالاعتماد على إحدى نظريات الجاذبية الكمّيّة الخاصة وهي نظرية الجاذبية الكمّيّة الحلقية Loop quantum gravity، تمكن الباحثان جنباً إلى جنب مع أورليان بارو Aurélien Barrau من جامعة غرونوبل-الألبUniversity of Grenoble-Alpes في فرنسا من إثبات قدرة ظاهرة ارتداد الثقوب السوداء الأصلية -وهي الثقوب السوداء التي يُعتقد أنها نشأت كبقايا الانفجار الكبير- على إنتاج إشارات راديوية بترددات مرتفعة كتلك المرصودة في التدفقات FBRs.

ومن المستحيل إثبات وجود الثقوب البيضاء بالاعتماد على تدفق وحيد فقط. ولكن إذا كانت هذه الفكرة صحيحة، فذلك يعني أن الباحثين تمكنوا من تحديد نمط يُمكن أن يظهر إذا ما وجدت مشاهدات كافية للتدفقات FBRs. وهنا ما يُهم وفقاً لبارو الذي يقول: الانفجار الكبير هو حدث منفرد أيضاً، ويتابع: “إن تركبية الحدث المنفرد داخل الثقب الأسود لا تختلف كثيراً عن تلك الموجودة في الانفجار الكبير. إذا كانت الثقوب السوداء ترتد فعلاً، من الوارد جداً أن الكون فَعَل الأمر نفسه.” فعوضاً عن الظهور من لا شيء، ربما تشكل الكون الذي نعرفه عندما انكمش كون آخر إلى درجة لم يتمكن بعدها من فعل المزيد…. ومن ثم ارتد!

قد يكون الدرس الذي تعلمناه من الاشتعالات النجمية هو أن البداية كانت كل شيء عدا كونها بداية!

الترجمة العربية ل:

SCIENTIFIC AMERICAN

إضافة تعليق جديد