إليك… أنت وحدك
اليوم تدرك وبعد فوات الأوان أن مكابح القطار السادر في غيه لا يمكن أن تعيد وطنك لصقيعه الأول أو لمحطة دافئة على أرصفة العالم الحر لأنه يحمل تاريخا من القهر والاستبداد غير قليل، ولأنه وريث شرعي لحضارات أوتوقراطية ممتدة في أعماق التاريخ تشده نحو القاع كلما أراد أن يتنسم عبير الحرية كغيره من البلدان.
وفي وطنك وحده، يجب أن تنظر مواقع قدميك، لأن المرء بالمكان يُعرف، والذين يجمعون بين مكانين منافقون أو باعة جائلون أو بصاصون من فيلق معاد. وعليك أن تخلع نعليك وتتطهر من روث الميادين القديمة قبل أن تلج حاضنة الفكر الآخر، لأن الوحدانية في بلاد نسبت شعبها للأماكن وحدها وللشعارات المرفوعة فوق خشبات مسارحها الممتدة من الجدار إلى الجدار.
لا تصفق لتمريرة هنا أو ركلة هناك قبل أن تنظر إلى لون الفانيلة وأنت تجلس تحت أقدام اللاعبين على خشبات التحزب ضيق الأفق حتى تظل محتفظا بموقعك البليد هناك، وليكن ولاؤك نقيا لفريق واحد مطهر من الذنب والزلات والمعايب، وغاية ما يمكنك فعله وأنت تجلس في مقاعد الكومبارس تحت أقدامهم هناك أن تصفق أو تصفر أو تردد أي هتاف يطلقه السفهاء على خشبات الفتن. فرغ جمجمتك وحدد وجهتك واصلب عينيك على طريق واحد أيها المقهور في بلاد ما وراء الثورات حتى تجد لك مرتعا آمنا حتى حين في بلاد ظللت تحبها قدر ما تستطيع وتخلص لها قدر ما يمكن.
التردد وقت التهديد بحرب أهلية كهذه عار وخزي في الحياة الدنيا، وندم وحسرة يوم تلقى ربك. كيف تلقى الله أيها المخلف عن قتال الجار والصديق وعابر السبيل وكيف تبرر طهر يديك وعفة لسانك؟ وكيف تجمع في قلبك حب الرب والرفق بعباده الذين يختلفون معك في شأن سياسي أو فقه دنيوي دون أن تشعر بتأنيب ضمير أو بصريح نفاق؟
إما أن ترفع سيفك فوق رأس أخيك أو أن تنام في فراشك غير آمن حتى تضع حرب البسوس أوزارها وتستبين خيط الحق من خيط العمالة. فلتعد خيمتك وخوذتك وكنانة سهامك ليوم الزحف القادم لا محالة نحو ديار أخيك لأنك لا تعلم متى يطلق قادة الجند شارة البدء بقتال حتما سيطول أمده.
منافق أنت إن تخليت عن “عصبة الحق” وخروف إن توانيت عن اللحاق بمواكب “الأحرار”. ومتخاذل قطعا إن كففت يدك وترفعت عن الخوض في حرب غبراء لا ناقة للحق فيها ولا جمل، فاختر الحشد الذي ينسجم مع عصبيتك الأولى ولا تترك شياطين الفكر تعبث برأسك الصغير جدا الموجه للغاية، وليرتح بالك فقساوسة المنطق المعوج قادرون على حياكة مبررات فضفاضة لكل فساد يرتكبونه وتتحيز له.
يمكنك أن تلبس رداء الشرعية وتقف وسط ميدان مليء بالبخور واللحى وأن تنام وأنت قرير العين فلديك سند من القانون يمكنك أن تتكيء عليه حين تخاصم وحين تجادل. فالشرعية حق وإن كنت تكفر بها .
يمكنك أن تختار مكانا يواري فقرك وجهلك وحاجتك، وأن تتناول فيه إفطارك وسحورك وتشد حول عريك خيمة رمضانية تتناول فيها ما لذ وطاب من طعام وشراب وأسلحة استعدادا ليوم الفصل ويوم الشتات ويوم الهوان. أما الذين يرفضون القهر باسم الحرية والشعوذة باسم الدين فليس لهم ميدان يعبر عنهم، وليس لديهم قنوات فضائية ينفق عليها الخيرون بقايا أموالهم، وأولئك محرومون من المناصب مبعدون عن الكراسي والعمائم والنجوم اللامعة. لكنهم حتما سيرثون الأرض بعدما تميد تحت أقدام جيوش الفتن ويذهب الزبد جفاء وتضع الحرب أوزارها.