البومرانج السوري (1)
ليس أخطر ما في المرحلة السورية الانتقالية أخطاء السلطة، فالأخطاء ملازمة لكل تجربة سياسية. وليس أخطر ما فيها أيضاً أخطاء المعارضة، فالمعارضة بطبيعتها تميل إلى المبالغة والتشاؤم أحياناً. الخطر الحقيقي يكمن في نمط التفكير الذي يحوّل السياسة إلى عملية تبرير مستمرة، ويحوّل المثقف من مراقب نقدي إلى محامٍ يتولى الدفاع عن السلطة أو الادعاء ضدها.
سنبدأ هنا بقراءة خطاب المثقف الموالي للسلطة الانتقالية، ممثلاً بمقال منشور للدكتور وائل ميرزا، لا لأن الرجل استثناء، بل لأنه مثال جيد عبّر بوضوح عن منطق يتكرر كثيراً اليوم.
المغالطة الأولى: القياس على النموذج الأسوأ
يفتتح ميرزا حجته بالقول إن كثيراً من الأمثلة التي تُقدَّم دليلاً على فشل السلطة ليست سوى حالات فردية أو روايات ناقصة. وهذا صحيح جزئياً؛ فالحكم على الظواهر العامة من خلال الحالات الفردية مغالطة معروفة.
لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل من رفض التعميم المتسرع إلى تعميم مضاد. فهو يقارن سوريا بتجارب انتقالية شهدت فساداً وفوضى وصراعات وتأخراً في بناء المؤسسات، ليستنتج أن ما يحدث في سوريا طبيعي.
هنا تظهر أول مفارقة منطقية.
فالمعيار الذي يستخدمه ليس النموذج الناجح، بل النموذج المتعثر. وكأن طالباً فشل في الامتحان فجاء من يواسيه قائلاً: لا تقلق، ابن الجيران سقط أيضاً!
السؤال ليس: هل توجد دول أخرى فشلت أو تعثرت؟
السؤال هو: هل تتجه سوريا نحو أفضل ما أنتجته التجارب الانتقالية أم نحو أسوأ ما فيها؟
إن وجود أخطاء مشابهة في رومانيا أو العراق أو جنوب أفريقيا لا يحوّل الخطأ إلى إنجاز، ولا يجعل الفشل أقل فشلاً.
المغالطة الثانية: سلطة الخبير بدل قوة الحجة
يخصص الكاتب مساحة واسعة للحديث عن سنوات دراسته لتجارب الانتقال السياسي في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.
لكن المعرفة الأكاديمية ليست دليلاً بحد ذاتها.
فالحجة لا تصبح صحيحة لأن قائلها باحث، كما أنها لا تصبح خاطئة لأن قائلها مواطن غاضب.
والأخطر أن استدعاء الخبرة الأكاديمية بهذه الصورة يوحي ضمنياً بأن اعتراض الناس ناتج عن جهلهم بأدبيات الانتقال السياسي، بينما الحقيقة أن كثيراً من الاعتراضات تتعلق بوقائع ملموسة يراها المواطن يومياً.
فالناس لا تشكو لأنّها لم تقرأ أدبيات الديمقراطية التوافقية أو بناء الدولة، بل لأنها ترى فساداً أو محسوبيات أو غياباً للمساءلة.
وهنا يتحول العلم من أداة للفهم إلى أداة لإنتاج مسافة بين المثقف والجمهور.
المغالطة الثالثة: تحويل الوصف إلى تبرير
يقول الكاتب إن الفساد والصراعات والاحتجاجات والاتهامات المتبادلة ظواهر رافقت معظم المراحل الانتقالية.
هذا صحيح من الناحية الوصفية.
لكن الوصف شيء والتبرير شيء آخر.
فإذا قلنا إن الحروب الأهلية شائعة في مراحل الانتقال، فهذا لا يعني أن اندلاع حرب أهلية أمر مقبول.
وإذا قلنا إن الفساد ينتشر في البيئات الانتقالية، فهذا لا يعني التسامح معه.
المثقف هنا يقفز من عبارة “هذا يحدث عادة” إلى عبارة غير معلنة مفادها “إذن لا داعي للقلق”.
وهذه قفزة منطقية غير مشروعة.
فالسياسة لا تُقاس بما هو معتاد، بل بما ينبغي السعي إليه.
المغالطة الرابعة: استبدال الوقائع بالزمن
إحدى أكثر الحجج حضوراً في الخطاب التبريري هي عبارة: “أعطوا التجربة وقتها”.
لكن الزمن ليس برنامجاً إصلاحياً.
مرور الوقت وحده لا يبني مؤسسات ولا يحارب فساداً ولا ينتج دولة قانون.
بل إن كثيراً من الانحرافات السياسية تبدأ صغيرة ثم تترسخ مع الزمن.
لذلك فإن السؤال ليس كم مضى على التجربة، بل ماذا تحقق خلالها؟
إن تحويل الزمن إلى حجة سياسية يشبه انتظار شفاء مريض دون علاج بحجة أن الوقت كفيل بحل كل شيء.
المغالطة الخامسة: اختزال النقد في التشاؤم
يصور المقال منتقدي السلطة كأنهم جماعة ترى في كل خطأ دليلاً على الانهيار الوشيك.
وربما يوجد بالفعل من يفكر بهذه الطريقة.
لكن هذا لا يبرر وضع كل النقد في السلة نفسها.
فالنقد السياسي ليس نبوءة بسقوط الدولة.
قد ينتقد شخص ما التعيينات والمحسوبيات لأنه يريد نجاح التجربة لا فشلها.
وقد يحذر من أخطاء السلطة لأنه يخشى على المستقبل لا لأنه يتمنى الانهيار.
لكن العقل التبريري يحتاج دائماً إلى خصم كاريكاتوري حتى تبدو حججه أكثر إقناعاً.
المغالطة السادسة: الحرية بوصفها واقعاً لا حقاً
في ختام المقال يستغرب الكاتب استمرار بعض السوريين في القول إنهم يخشون التصريح بآرائهم.
لكن الحرية لا تُقاس بوجود برامج تلفزيونية تستضيف أصواتاً ناقدة.
ولا تُقاس بعدد المقالات المنشورة.
الحرية تُقاس بمدى شعور المواطن العادي بالأمان عندما ينتقد السلطة.
وتُقاس بوجود ضمانات قانونية ومؤسساتية تمنع العقاب التعسفي.
فحين يقول الناس إنهم ما زالوا يخافون، فإن مهمة المثقف ليست إقناعهم بأن خوفهم غير موجود، بل فهم أسباب هذا الخوف.
البومرانج السوري
المشكلة الأساسية في خطاب المثقف الموالي ليست أنه يدافع عن السلطة.
فمن حق أي مثقف أن يؤيد السلطة أو يعارضها.
المشكلة أنه يظن أنه يحمي التجربة بينما قد يضرها.
فكل سلطة تحتاج إلى نقد صادق أكثر مما تحتاج إلى المديح.
وكل تجربة انتقالية تفشل عندما تفقد قدرتها على سماع الأصوات التحذيرية.
وهنا يصبح المثقف أشبه بصياد أسترالي قديم يحمل البومرانج.
يرميه باتجاه خصوم السلطة معتقداً أنه يصيبهم بالحجة والتبرير والمقارنة التاريخية.
لكن البومرانج يعود في النهاية إلى صاحبه.
فكل خطأ جرى تبريره بالأمس يتحول إلى أزمة أكبر غداً.
وكل تحذير جرى الاستخفاف به يعود لاحقاً على شكل واقع لا يمكن إنكاره.
وحينها يكتشف المثقف أنه لم يكن يحمي التجربة، بل كان يحرمها من أهم وسائل نجاتها: النقد.
ولهذا فإن المثقف الذي يبرر كل شيء، والمثقف الذي يبشر بسقوط كل شيء، يبدوان في الظاهر على طرفي نقيض.
لكن كليهما يشتركان في الخطأ نفسه: العجز عن رؤية الواقع كما هو.
الأول يرى النجاح حيث ينبغي رؤية المشكلات.
والثاني يرى الانهيار حيث ينبغي رؤية الفرص.
أما مهمة المثقف الحقيقية فليست حمل البومرانج في معركة سياسية، بل امتلاك الشجاعة للنظر إلى مسار السلطة بعين نقدية مستقلة، لأن المجتمعات لا تتقدم بالتبرير ولا بالتشفي، وإنما بالمحاسبة والفهم والقدرة على التعلم من الأخطاء.
يتبع….
(رأي الموقع)