سوريا في اليوم العاشر
“في اليوم العاشر، كانت النمور تأكل العشب وتحدق في السماء…” بهذه الجملة القاصمة للظهر، ختم الأديب السوري زكريا تامر حكايته الموجعة “النمور في اليوم العاشر”. لم يحتجِ الحاكم إلى سلاسل من حديد ولا إلى أقفاص من فولاذ ليُروّض النمور؛ بل اكتفى بأن غيّر نظامها الغذائي تدريجياً. مزج اللحم بالعشب، ثم قلل اللحم، حتى أصبح العشب هو الوجبة الوحيدة. وفي اليوم العاشر، فقدت النمور غريزتها، نسيت هديرها، وأصبحت كائنات وديعة تأكل العشب وتحدق في السماء بلا معنى.
اليوم، تُكتب حكاية تامر من جديد، لكن ليس في غابة استعارية، بل في شوارع دمشق وحلب واللاذقية ودرعا. إنها حكاية “سوريا في اليوم العاشر”، حيث تُمارس عملية الترويض البشري على مرأى ومسمع من الجميع.
لم يبدأ الترويض في سوريا بالمنع المباشر للحرية، بل بدأ بتغيير “النظام الغذائي” للروح. في البداية، قسّم الناس , ثم انتهكت حقوقهم بالتدريج , ثم طمست ذاكرتهم, ثم حوربت الكلمات، ثم قمعت الألحان. وفي مرحلة لاحقة، انتقل الترويض من العقل إلى الجسد والشارع. فُرضت ثقافة متشددة لا تكتفي بفرض أفكارها، بل تمتد لتفصّل لباس المرأة وتتحكم في ظلّها، وتفرض عزلة اجتماعية تمنع الاختلاط الطبيعي بين أبناء الشعب الواحد، وتحول الساحات التي كانت تعج بالحياة والجدل إلى ممرات صامتة تخضع لرقابة الأخلاق المفروضة بالقوة.
الموسيقى، التي كانت نبضاً سورياً تتسرب من نوافذ الحارات(كعمل مشبوه)، تُستبدل بضجيج خطابي جاف. والعود، الذي كان يداوي جراح السوريين منذ مئات السنين، تُكسر أوتاره أو تُصمت أوتاره بحجة “التحريم” أو “الالتزام”.
الخطر الأكبر، والجرح الأعمق ، لا يكمن فيمن تم ترويضهم وهم يذكرون غاباتهم، بل في الأطفال الذين يولدون في هذا الزمن.
هؤلاء الأطفال لا يشتاقون إلى صوت العود، لأنه لم يُسمح لهم بسماعه . لا يحنون إلى ساحة عامة تختلط فيها الضحكات والأفكار، لأنهم وُلدوا في أزقة مفصولة بأسوار وهمية من التحريم والرقابة. هم لا يأكلون العشب قسراً كآبائهم، بل يُرضعون “حليب العشب” منذ اليوم الأول، ويُغنون لهم أناشيد الترويض بدلاً من حكايات الخيال.
هنا تكمن الكارثة الحقيقية التي تتجاوز الحاضر لتصادر المستقبل: نشوء جيل “مشوه” روحياً وثقافياً. جيل يُعاد إنتاجه في مصانع التلقين.
وهذا الجيل المشوه، هو من سيرث الأرض ويحكم المستقبل. وعندما يكبر ليصبح في موقع السلطة، لن يشعر بأنه يمارس القمع أو يصادر الحريات، بل سيعتقد بصدق أنه يحمي “النظام الطبيعي” ويحفظ الأمن الأخلاقي. سيصبحون هم أنفسهم “المروضين”،
سوريا في اليوم العاشر
إذا مشيت في شوارع سوريا في “اليوم العاشر” من هذا الترويض الثقافي والاجتماعي، لن ترى شعباً يهدر بالحياة، ولن تسمع ضحكات تختلط بأصوات فيروز أو أم كلثوم وصباح فخري، أو حتى بأصوات الباعة الجوالين التي كانت تؤلف سيمفونية المدن السورية.
سترى شعباً يشبه نمور تامر تماماً. سيكون الناس يمشون في الشوارع، يرتدون الألوان التي فُرضت عليهم، ويستمعون إلى ما يُسمح لهم بسماعه. سيأكلون “العشب” الذي يُقدم لهم؛ عشباً من اليوميّات المقننة، والطقوس الجافة، والخوف المتسلل إلى التفاصيل.
لن تجد ذلك “الاختلاط” الجميل الذي كان يصنع حيوية المجتمع السوري؛ ذلك التلاقح الطبيعي بين الطوائف، والأفكار، والفنون، والأزياء. سيُفرض على الناس أن يعيشوا في جزر معزولة داخل المدينة الواحدة، يخاف كل منهم من ظل الآخر، ويحسب كل منهم أن حريته الشخصية تبدأ حيث تنتهي وصاية المتشددين.
وفي “اليوم العاشر”، سيقف السوري في ساحة الأمويين أو أمام قلعة حلب، لن يرفع رأسه ليرى جمال العمارة، بل سيحدق في السماء. سيحدق فيها كما حدقت نمور تامر، لكن ليس بحثاً عن الحرية، بل بلامبالاة الكائن الذي سُلبت منه إرادته. ستنظر إلى عينيه، فسترى فيهما بريقاً خافتاً لذكرى بعيدة.
حين تُنتهك الحريات الوجودية — حرية الفكر، حرية التعبير، حرية المعتقد، حرية الفن — حين تُسلب هذه الحقوق التي لم يكفلها الدستور فقط، (سواء الدستور المؤقت أو النهائي أو أي دستور ينتمي لعالمنا المعاصر)، فإن الصمت يصبح جريمة، والتأمل وحده يصبح تواطؤاً.
هنا يجب أن نصرخ. ليس صرخة اليأس، بل صرخة الرفض.
أي تقصير في هذا الجانب — أي تردد في الدفاع عن الحريات الوجودية، أي مساومة على الحق في الاختلاف، أي قبول بالترويض تحت أي مسمى — هو مساهمة أكيدة في هذا المسار العدمي .
النضال من أجل هذه الحريات ليس ترفاً فكرياً، ولا رفاهية ثقافية. هو جوهر الوجود. هو الفرق بين أن نعيش وبين أن نتنفس فقط. هو الفرق بين أن نكون شعباً حيا له مكانته بين الشعوب وبين أن نكون (موتى على الدروب تسير).
(رأي الموقع)